صور انقلاب الاستحاضة

          (1) حيث تعرضنا الى موضوع الاستحاضة بمالها من الحالة الطبيعيّة بمقتضى سيرها التكويني و تعلق الحكم بمراتبها الثلاثة من القليلة و المتوسطة و الكثيرة بناءً على التقسيم الثلاثي أو البناء على التقسيم الثنائي كما مرّ بيانهما.

          و امّا ما يخصّ هذه المسألة فمتعلقة بحال التغيير و التبديل و ذلك في حال انتقالها من القليلة الى الكثيرة أو من المتوسطة الى الكثيرة كما يمكن تصور الانتقال ايضاً من الكثيرة الى القليلة أو من المتوسطة الى القليلة أو يكون الانتقال من القليلة الى المتوسطة و من المتوسطة الى الكثيرة.

          و ان انتقلت على الأعلى الى الأدنى استمرت على عملها لصلاة واحدة، ثم تعمل عمل الأدنى فلو تبدلت الكثيرة متوسطة قبل الزوال أو بعده قبل صلاة الظهر تعمل للظهر عمل الكثيرة فتتوضأ و تغتسل و تصلي، لكن للعصر و العشائين يكفى الوضوء.

 

          و عليه يمكن تصوير هذه المسألة على ثلاثة صور:

          الاولى: و هو ان يقع الانقلاب من القليلة الى الكثيرة؛ فان كان الانقلاب حيث كان قبل الشروع باعمالها الحدثيّة فيكون النظر الى ما هي عليه بالفعل من العمل بوظيفة المستحاضة الكثيرة لعدم الموضوع للقليلة، حيث بعد تمامية الانتقال من القليلة و مجيء الكثيرة اصبحت مخاطبة باعمال الكثيرة دون القليلة.

          و ذلك لما رأت ان ما عليه من وجود الدم هو ثقب الكرسف و تجاوزه الى خارج الكرسف. و عليه لابد ان ترجع الى احكام المستحاضة الكثيرة من وجوب الغسل للظهرين و العشائين و لصلاة الصبح مع الانضمام الى الوضوء، كما عليه المختار.

          و عليه في حال الانتقال الى الكثيرة فلا مجال لاعادة الاعمال السابقة، بعد ان اصبحت منتقلة الى موضوع جديد.

          و هذا بخلاف ما لو كان التبدل في اثناء الاعمال السابقة و هي المنتقلة من القليلة الى الكثيرة كما لو كانت في اثناء الوضوء أو في اثناء اداء الصلاة و جاءها الدم على شكل المستحاضة الكثيرة فيكون دور الانقلاب مؤثراً في ناحية الحكم و عليه تكون وظيفتها الانتقال من الوضوء الى الغسل و من الصلاة الى الغسل و الوضوء، ثم استئناف الصلاة.

          و ان اخرت العصر عن الظهر او العشاء عن المغرب، نعم لو لم تغتسل للظهر عصياناً أو نسياناً يجب عليها للعصر اذا لم يبق الا وقتها و الا فيجب اعادة الظهر بعد الغسل و ان لم تغتسل لها فللمغرب. و ان لم تغتسل لها فللعشاء إذ اضاق الوقت و بقي مقدار اتيان العشاء.

 

          هذا مع فرض سعة الوقت و امّا في حال عروض الحدث لدم المستحاضة الكثيرة في اثناء الصلاة أو الغسل و كان الوقت ضيقاً فان كان لها القدرة على القيام بالتيمم و الصلاة، فيكون حكمها التيمم مع القيام بالصلاة و ان لم يكن الوقت موسعاً حتى لأتيان التيمم فضلاً عن الغسل فتكون وظيفتها القيام بالغسل و الوضوء و اتيان الصلاة قضاء.

          الا ان رأي السيد الاستاذ  قدس‏سره ذهب الى ان المرأة بعد ما تبدلت استحاضتها الى الكثيرة كان الواجب عليها الغسل لكل صلاتين، و ان لم تتمكن من الغسل و لا من التيمم فهي فاقدة للطهورين و الوضوء الذي اتت به قبل تبدل استحاضتها، ليس بطهور في حقها.

          و بناؤه  قدس‏سره في فاقد الطهورين على سقوط الصلاة عنها كما هو الصحيح، و على ذلك لا يجب على المرأة ان تستمر في عملها بل لها ان ترفع اليد عن عملها وتقضيها بعد ذلك و معه فالصحيح ان يعكس الأمر و يقول تستمر على عملها على الأحوط و تقضيها خارج الوقت على الاقوى لا ما صنعه هنا[1].

          و الملاحظ لدينا في المقام انّه لا مجال لاطلاق فاقدة الطهورين بعد فرض انتقالها من موضوع الى موضوع آخر بالفعل و عليه يكون الحكم تابعاً لفعلية الموضوع فلابدّ ان يكون حكمها راجعاً الى ما عليه من التلبس في الموضوع.

          و اما بالنسبة الى حال عدم تمكنها من الغسل و التيمم، فان حكمها ان تستمر بما انّها في دور وظيفتها من اداء الأدنى و ان كان عليها القضاء على الأحوط و ذلك بما انّها مطالبة بالقيام باعمال المستحاضة المتوسطة بناءً على عدم سعة الوقت.

          و امّا دعوى انّها فاقدة للطهورين فلا مجال له لأنّها في مقام اداء تلك الوظيفة فهي في مقام الحكم الاضطراري.

 

تبدل القليلة بالمتوسطة

          فان كانت قبل الشروع باعمال القليلة فيوجب انتقال حكمها الى المتوسطة لعدم تحقق موضوع القليلة؛ و ان كانت في اثناء العمل فيجب عليها أن تستأنف العمل من جديد بأن تقوم بالغسل و الوضوء. و انّه لا يكفي بما جاءت به من الوضوء فان ما ثبت لديها من الموضوع المستجدّ أوجب انتقالها الى موضوع له احكامه الخاصة و مع فرض ضيق الوقت. فامّا على مبنى الرجوع الى فاقدة الطهورين او البناء على انّها تستمر باتمام وضوئها على الاحوط و ان كان الاقوى بطلان الاعمال السابقة و ترتب الاحكام اللاحقة لعدم ترتب الأثر على السابقة من حيث التعليق على وجوب الوضوء عند كل صلاة عند عدم ثقب الدم و عدم تجاوزه بينما المفروض فى المقام حصول تغيير.

          هذا مع ان القليلة فى اصل موضوعها قائمة على الوضوء بينما بالنسبة الى وظيفة المستحاضة المتوسطة لابدّ لها من القيام بالغسل و الوضوء و عليه لا يكتفى بالوضوء.

 

تبدل المتوسطة الى الكثيرة

          و هذا يتضح ممّا حررناه بانّه لابدّ ان تنتقل الى حكم الكثيرة في سعة الوقت. و امّا اذا وقع التبدل في اثناء العمل فعليها أن ترفع يدها عن الاعمال السابقة و تأتى بالاعمال اللاحقة للمستحاضة الكثيرة، و ذلك لحكم وظيفتها الفعلية و عندئذ لابدّ من القول ببطلان اعمال المتوسطة لسبب انتقالها الى الكثيرة حيث يجب عليها ان تغتسل لكل صلاة بالاضافة الى الوضوء و ذلك لجهة وحدة الحكم بين الغسل و الوضوء في المستحاضة الكثيرة أو يكون البناء على من يرى بالاكتفاء بالغسل دون الوضوء فى الكثيرة.

          و اما بالنسبة الى المتوسطة فلابدّ من الغسل مع انضمام الوضوء اليه. و هذا بما دلّت عليه الروايات[2] و انّها توجب لكل منهما في خصوص المتوسطة حتى فيما لو تبدلت الى الكثيرة و ذلك لمقتضى اطلاقها.

التبدل من الاعلى الى الادنى

          و ذلك عند ما تبدل الكثيرة الى المتوسطة و من المتوسطة الى القليلة فانّه يجب عليها اداء وظيفتها السابقة دون اللاحقة فالكثيرة تؤدى غسلها و وضوءها لخصوص الصلاة الواحدة، و انّه يصدق في حقها بالنسبة الى تجاوز الدم الكرسف و يكون عملها بالنسبة الى الاعمال اللاحقة تابعة لوظيفتها في خصوص الادنى دون الاعلى كل ذلك في حال اتيانها بالصلاة الاولى بعد فرض دخول وقت الظهر مثلاً و قد جاءت بالطهر.

          و امّا في حال التبدل من الكثيرة الى المتوسطة و منها الى القليلة، فان كان قبل وقت الطهر أو بعد الوقت و قبل الشروع الصلاة الظهيرة يكون حكمها القيام بوظيفة الاعلى فتقوم بالوضوء، ثم الصلاة للظهر.

          و امّا اذا كان التبدل وقع قبل وقت الظهر أو قبل الصلاة، فيمكن القول ايضاً بالقيام بوظيفة الاعلى، ثم بعد ذلك تقوم بوظيفة الادنى فتعمد بعد ذلك بالقيام بصلاة العصر، ثم اتيان صلاة المغرب و العشاء لحكم وظيفة الادنى دون الاعلى.

 

          (مسألة 16) يجب على المستحاضة المتوسطة و الكثيرة إذا انقطع عنها بالمرة الغسل للانقطاع، الاّ اذا فرض عدم خروج الدم منها من حين الشروع في غسلها السابق للصلاة السابقة(1).

 

وجوب الغسل بعد الانقطاع

          (1) لا يخفى انّه بعد انقطاع الدم من غير احتمال العودة حيث انّ الانقطاع امّا لأجل البرء أو لكونه لفترة من الوقت فتارة يكون الثاني فيه احتمال العودة ويسمى بفترة انقطاع الاستحاضة. و اخرى ممّا لم يحتمل فيه العودة اصلاً. و هذا ما اشرنا اليه سابقاً فان كان الانقطاع على نحو التمامية و عدم العودة فالاقوال ثلاثة:

          1 ـ ما عليه مسلك المشهور باتيان الوضوء و الغسل، و امّا ما يقال بتصور احتمال العفو فلا مجال له فقد ذهب في الذكرى الى انّه لا اظن احداً قال بالعفو عن هذا الدم مع تعقيب الانقطاع، و انّما العفو عنه مع قيد الاستمرار و فى الجواهر قال باتفاق الاصحاب على اعادة الطهارة.

          و هذا هو الأقوى لعموم حدثية دم الاستحاضة الشامل لما يخرج منها بعد فعل الطهارة و قبل الانقطاع و عدم شمول اطلاق دليل العفو له لانصرافه الى الدم المستمر الى ما بعد الصلاة و لأنّ الطهارة الصادرة منها قبل الانقطاع طهارة اضطرارية و لا ضرورة بعد الانقطاع.

          2 ـ ما ورد عن جملة من المتقدمين كالشيخ فى المبسوط، و العلامة فى القواعد ان دم الاستحاضة حدث يوجب بانقطاعه الوضوء، و في نهاية العلامة النص على عدم الالتزام بالغسل، و عن كشف اللثام لم يوجب احد منهم الغسل بمجرد انقطاع الدم.

          و استدل باصالة البراءة و انّما الّذي يوجب الغسل هو الدم المستمر دون الدم المنقطع. و عليه لابدّ من وجوب الوضوء ولو كان خروج الدم لغير المستمر مضافاً الى دعوى الاجماع على وجوبه حتى ممّن انكر وجوبه كالمحقق حيث عبّر عن مثل هذا الحدث بالعفو عمّا بعد الطهارة.

          3 ـ عدم الوجوب مطلقاً و هو انه بعد الانقطاع فلا يجب بعده الغسل و لا الوضوء. و هذا ما سار عليه في المعتبر و قوّاه الجواهر لما ورد في قوله: الانصاف انّه لا يخلو من قوة لولا ظهور اتفاق الاصحاب على عدمه.

          و يستدل له بمنع حدثية دم الاستحاضة على وجه يشمل المنقطع منه بعد فعل الطهارة و اطلاق دليل العفو مثل قوله  عليه‏السلام: اذا فعلت المستحاضة ما كان عليها كانت بحكم الطاهر و استصحاب الطهارة و استصحاب العفو و قاعدة الاجزاء و استبعاد الفرق بين انقطاع الدم بعد الصلاة و بين انقطاعه بعد الطهارة و قبل الصلاة بالحكم بالعفو فى الاول و عدم وجوب اعادة الصلاة و بعدم العفو في الثاني و الحكم بوجوب اعادة الطهارة مع كونهما معاً من الدم المنقطع و غير المستمر[3].

         ولكن حيث ثبت ان الاعتبار في وجوب الوضوء بما لم يكن للدم من الاستمرارية حتى ينطبق عليه عنوان العفو، و امّا في مرحلة الانقطاع التام أو الانقطاع بما يصدق عليه مقابل الدم المستمر فلا مجال للحكم عليها بالاكتفاء بوجوب الغسل السابق لعدم ما يترتب عليها من الموضوع، و عليه فالرجوع الى مقالة المشهور أو بما ذهب اليه الشيخ فى المبسوط و العلامة فى القواعد و عندئذ يحكم عليها بالوضوء و الغسل.

          (مسألة 17) المستحاضة القليلة كما يجب عليها تجديد الوضوء لكل صلاة ما دامت مستمرة(1)، كذلك يجب عليها تجديده لكل مشروط بالطهارة كالطواف الواجب و مسّ كتابة القرآن ان وجب و ليس لها الاكتفاء بوضوء واحد للجميع على الاحوط، و ان كان ذلك لكل مسّ على الاحوط.

وجوب الوضوء للمستمرة و لكل مشروط بالطهارة

          (1) لا يخفى ان خروج الدم للمستحاضة يوجب تحقق عنوان الحدث سواء كان في حال الغسل أم بعد الانتهاء أو في اثناء اداء الصلاة فيحكم عليها بالاغتسال عند انقطاع الدم، و لا سيّما اذا كان بعد الصلاة؛ لأنّ المستفاد من اطلاق الروايات ان الدم المنوط في الاستحاضة يكون موجباً لاطلاق كلي الحدث كما هو ظاهر صحيحة ابن نعيم في قوله: فان طرحت الكرسف عنها فسأل الدم وجب عليها الغسل[4]، حيث يستفاد منها ان خروج الدم لو كان في اثناء الغسل أو الصلاة،و ذلك عندما تطرح الكرسف و يسيل عليه كما انها ايضاً في بيان ما لو كان الدم فيما بين صلاتها و صلاة المغرب مع عدم السيلان يكون حكمها الوضوء دون الحكم عليها بالغسل.

          و هذا ايضاً ما يدلّ عليه موثقة سماعة[5] في حال كون الدم ثاقباً للكرسف أو ممّا يوجب التجاوز عنه فانّه يحكم عليها بالغسل مرّة أو لكل صلاتين و يكون بحسب اطلاقها مما يشمل حدوث الدم في اثناء الغسل و الصلاة.

 

        نعم لا يجب عليها الوضوء لدخول المساجد و المكث فيها بل ولو تركت الوضوء للصلاة ايضاً(1).

          و عليه فاذا كانت المستحاضة قد انقطع عنها الدم فان كان على نحو الانقطاع التام امّا لجهة البرء او لفترة ممّا لا يرجى فيه العودة الى استمرارية الدم بعنوان الاستحاضة كان حكمها الغسل دون ان تكتفي بالغسل السابق الّذي كان متصفاً بعنوان الاستحاضة و لا يطلق عليها متطهرة الا بالاتيان بغسل جديد أو وضوء جديد لخصوص القليلة،حيث أخذ موضوع الطهارة فيها بعنوان الاستحاضة دون ما خرج عنها الى حالة الانقطاع فتحتاج الى وضوء و غسل آخر بما يصدق عنها عن انقطاع الدم للبرء أو التام أو لفترة لا يحتمل فيه العودة الى عنوان المستحاضة.

          (1) و هذا ايضاً ممّا يجب فيه الطهارة و ذلك لكل ما يشترط فيه الطهارة كالطواف الواجب و مسّ كتابة القرآن و اجتياز بيت اللّه‏ الحرام و المسجد النبوي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله‏وسلم و المكث فيهما، و كذا مثل قراءة العزائم فاذا قامت المرأة باتيان الطهارة و عملت على وفق ما عليه وظيفتها كانت محكومة بالطهارة واقعاً أو تنزيلاً.

          و بالجملة ان القول بتحديد الوضوء تارة للبناء على ان لكل مشروط بالطهارة غير الصلاة كما بالنسبة الى الطواف و مسّ كتابة القرآن الواجبين انّه يجب تجديد الوضوء لكل فريضة أو نافلة.

          و هكذا الحال في المقام انّه يجب عليها التجديد مطلقاً و اخرى البناء على ان تتوضأ مرّة واحدة للجميع. و بذلك قال الجواهر لا ينبغي الاشكال في ظهور عبادات الاصحاب في عدم وجوب تجديد شيء من ذلك عليها بعد فرض محافظتها على ما وجب عليها للصلاة لأنّها بحكم الطاهرة.

          نعم يحتاج الى الوضوء أو الغسل مع عروض اسباب آخر موجبة لها من الجنابة و البول و نحوهما.

          و هكذا بما ذهب اليه الشيخ الانصاري  قدس‏سره في طهارته حيث حكى عن بعض مشايخه كفاية الاغسال و الوضوءات الواجبة لجميع الصلوات بعدها و ذهب في كشف الغطاء انّه يبنى على أنّه واحد فلا تكرر ـ أي الوضوء ـ و الاقوى الثاني و الأحوط التكرار بين كل مقدار معتد به[6].

         ولكن حيث ثبت ان ما يطرء عليها من الدم بماله من الوجود الواقعي لاثبات كلّي الحدث فذاك بلحاظ وجوده الواقعي بخلاف ما لو أخذ فيه عنوان الاستمرارية لخصوص الاستحاضة دون الانقطاع المطلق، فهذا ممّا يوجب في حال خروجه ممّا يجب عليها تجدد الموجب له، و عليه لابدّ من تجديد الوضوء و لا يكتفى بالوضوء السابق و يؤتى بكل ما هو مشروط بالطهارة كما في الطواف و مس القرآن و نحوهما.

          و المهمّ ان البناء على الالتزام بتجديد الوضوء في ما يشترط فيه الطهارة بخلاف ما لم يشترط كما في المساجد و المكث فلا يجب له الوضوء من غير خلاف كما عليه صاحب الجواهر  قدس‏سره.

          لا يقال انّما يحكم عليها في حال اتيانها بوظيفتها بما انّها في مرحلة ما يصدق عليها مستحاضة و قد جاءت بالطهارة في ذلك الظرف و عليه تكون طهارة مؤقته لما كانت في دور انشغالها باعمال الصلاة. و هذا ما يستفاد من كلمة «اذا» الدالة على التوقيت دون الاشتراط.

          و هذا ما ذهب اليه الفقيه الهمداني  قدس‏سره حيث ذكر ان معنى الجملة انّها طاهرة ما دامت مشغولة بصلاتها و عليه لو كانت طاهرة مطلقاً لم يكن وجه لما ذهب اليه المشهور من انّ صحة صوم المستحاضة مشترطة باغتسالها قبل الفجر و ذلك لأنّها قد اغتسلت للعشائين و أتت بوظيفتها و هي طاهرة فلماذا أوجبوا الغسل عليها قبل الفجر لصحة صوم الغد[7].

         فانّه يقال بانّه كما اشرنا بانّ ما تقوم به المستحاضة في دور الاضطرار و يكون اتيانها عند ما تعلم بدور وظيفتها، فانّه يجب عليها القيام بتلك الوظيفة. و هذا ممّا يكشف عن صحة اعمالها في ذلك الوقت و اذا خرج الدم في ذلك الوقت فيعتبر بحكم العدم و عليه لا مجال للحكم على ان كل امرأة في ظرف استحاضتها و قد جاء بوظيفتها ان تكون طاهرة مطلقاً حتى بالنظر الى كافة الاعمال المشروطة بالطهارة و انّما لابدّ من الرجوع الى ما اثبته الدليل.

          و عندئذ لابدّ من الرجوع الى ما تقوم به المستحاضة في وقت اتيان وظيفتها تارة الحكم عليها بالطهارة مطلقاً سواء كانت للاعمال المشروطة بالطهارة و غيرها.

          و اخرى الحكم عليها بخصوص الاعمال المشروطة بالطهارة و لا تعم غيرها و بذلك يكون على الثاني انّه يجب عليها القيام بالطهارة في مثل الطواف و المسّ الواجبين فان الدليل لم يكون عاماً لما اشترط فى الافعال الطهارة و غيرها و انّما خصص فى الاعمال المشروطة بالطهارة.

     و لذا انّه في حال الشك فيما يؤتى بالوضوء السابق لخصوص الطواف أو المسّ فلابدّ من الاتيان بالوضوء و لا يكتفى بالوضوء السابق لمحض أنّها كانت في دور الطهارة فان ذلك غير مجزي الاّ مع قيامها بالوضوء الجديد.

          ثمّ انّ السيّد الاستاذ  قدس‏سره تعرض الى انّه بعد ما وجب عليها الوضوء للطواف و المسّ فكذلك يجب عليها ان تأتي بالوضوء لصلاة الطواف أيضاً و لا يكتفى بالوضوء لخصوص الطواف حيث يقول: ان الوضوء لما لم يقم دليل على كفايته لغير صلاتها الفريضة فمقتضى القاعدة ان تتوضأ لغيرها من الاعمال المشروطة بالطهارة من الطواف و المسّ و صلاة الطواف و غيرها مضافاً الى عموم قوله  عليه‏السلام: فلتتوضأ لكل صلاة[8]، فانّه شامل لصلاة الطواف و غيرها[9]. ما لم يدعى ان الاطلاق منصرف لخصوص الى ما كان للفريضة و لخصوص ما اشترط فى الاعمال الطهارة دون غيرهما ولكن يمكن ردّه بان الانصراف بدوي.

          كما ان مقتضى الظاهر من قوله تعالى: « لا يمسّه الاّ المطهّرون »[10] بانّ لكل مسّ صادر من قبلها يجب فيه الوضوء و ذلك بلحاظ ان كلما حدث الموجب كان مستلزماً وجوب الوضوء لما قبل المسّ.

          (مسألة 18) المستحاضة الكثيرة و المتوسطة اذا عملت بما عليها، جاز لها جميع ما يشترط فيه الطهارة(1) حتى دخول المساجد و المكث فيها و قراءة العزائم و مسّ كتابة القرآن، و يجوز وطؤها، و اذا أخلت بشيء من الاعمال حتى تغيير القطنة بطلت صلاتها.

 

اذا عملت المستحاضة بوظيفتها

          (1) بمقتضى وظيفة المستحاضة الكثيرة و كذا المتوسطة فانّه بعد اتيان الاعمال من تغيير القطنة و الخرقة و نحوهما لأجل القيام بالصلاة أو الوضوء أو الغسل فتكون بعد ذلك محكومة بالطهارة ظاهراً فيحق لها جميع ما يشترط فيه الطهارة من الدخول في المسجدين و المكث فيهما و قراءة سور العزائم و الوطى‏ء و مسّ كتابة القرآن و غيرها.

          و هذا ما ادعى عليه الاجماع بالاضافة الى الروايات و ذلك في جواز وطئها عند ما قامت بتلك الوظائف المقررة في ذمّتها كما عليه ظاهر موثقة سماعة: و ان اراد زوجها ان يأتيها فحين تغتسل[11]. فانّ دلالتها على اشتراط جواز الوطى‏ء عند قيامها بالاغتسال و لا يحق لها بدون ذلك و هو ما يدلّ عليه قوله  عليه‏السلام: «حين تغتسل».

          الا ان يقال بانّ المستفاد من ظاهر الموثقة ان التعبير بقوله «حين تغتسل» الى كون جواز الوطى‏ء المستحاضة حال الاغتسال و ذلك بنحو المقارنة بين الوجودين.

 

          و امّا المذكورات سوى المسّ فتتوقف على الغسل فقط، فلو اخلّت بالاغسال الصلاتية لا يجوز لها الدخول و المكث و الوطى‏ء و قراءة العزائم على الاحوط، و لا يجب لها الغسل مستقلاً بعد الاغسال الصلاتية و ان كان أحوط.

          نعم اذا ارادت شيئاً من ذلك قبل الوقت وجب عليها الغسل مستقلاً على الاحوط.

 

          فانّه يقال بان ذلك خلاف الظاهر من الموثقة حيث يلزم من ذلك عدم جواز الوطى‏ء بعد الاغتسال اذا كان قيد التقارن أخذ بنحو الشرط، و ذلك بأخذ الوجودين المتقارنين فيما بين المبدأ و المنتهى.

          و امّا اذا كان التقارن يكفى فيه التقارن فى المبدأ دون المنتهى فيمكن أن يدعى بجواز الوطى‏ء في حال الاغتسال ابتداء. و كذا يجوز في حال المنتهى و ما تصوره السيد الاستاذ  قدس‏سره في الامتناع على الوجه الاول دون الثاني[12].

         كما انّه يعترض بانّه بعد فرض قيام الاجماع على جواز اتيان الوظيفة من قبلها لتلك الغايات فلا حاجة الى التمسك باطلاق الادلة في اثبات مشروعيتها حتى يرد الاشكال بانّ اشتراطها بالطهارة مانع عن التمسك بالاطلاق لافتقاره الى احراز التمكن من تحصيل الطهارة مع عدم احرازه.

          فانّه يرد على ذلك بانّ الأخذ بالاطلاق في صورة ما لو كان سوق الغايات في مقام ناظريتها الى الجانب الروائي. و هذا بخلاف ما لو كانت مسوقة لأمر عقلي فينظر فيها الى جهة موضوع التمكن من حيث وجود تلك الغايات فيحصل التخصيص أو التقييد بها دون غيرها و عندئذ لابدّ من الفرق بين سوق الغايات مأخوذة بأدلة عقلية أو بادلة لفظية.

          أو تكون الرواية مأخوذة على نحو الناظرية أو الارشاد الى امر غير شرعي ويكون بذلك طريق جمع بين الجانب العقلي و الشرعي، و يمكن بذلك ان تلحظ الرواية ان الشرط في الوطى‏ء لابدّ ان يقع فيما بعد الاغسال.

          و أمّا لو كان حين الاغتسال فعلى مسلك السيد الاستاذ  قدس‏سره يلزم انّه لو كان الغسل مشروطاً فيه بنحو الوجود التقارني لا وجب فيما لو كان الوطى‏ء بعد الغسل ايضاً لتعدد الغسل، و هذا لا يمكن الالتزام به. و هذا بخلاف ما عليه مسلكنا بأخذ عنوان الوطى‏ء مع الغسل بنحو الوجود التقارني فيما بين المبدأ دون المنتهى.

          و عليه يكون بمقتضى الالتزام بالشرط في اتيانها لتلك الغايات اذا أخلت عن اداء وظيفتها يوجب بطلان صلاتها لأشتراط صحتها بوجود تلك الغايات المطلوب تحققها على نحو الجمع دون الافراد فلو جاء بالمجموع ما خلا غاية واحدة أوجب البطلان و ذلك للالتزام بالشرط حيث أنّه في حال انتفائه يوجب انتفاء المشروط كما هو المقرر في مظانّه.

          و عليه اذا أخذت تلك الغايات المشروطة على نحو الشرط الواقعي فلا يفرق الحال بين كونها في حال العلم أو في حال النسيان. و هذا بخلاف ما لو أخذت على نحو الشرط العلمي فانّه يمكن ان يفرق بين العلم و الجهل. هذا كله بالنسبة الى الصلاة.

          و اما الغايات الاخرى لما عدا ذلك كما لو كان الاشتراط للاجتياز فلا يجوز لها ان تدخل من باب المسجدين و تخرج من الآخر كما لا يجوز لها المكث فيها و لا قراءة سور العزائم و ايضاً لا يجوز لها الوطى‏ء. هذا ما عليه المشهور و استدل بالاجماع و الاستصحاب.

          فامّا بالنسبة الى الاجماع حيث يتصور فيه عقدان: احدهما: المنطوق، و ثانيهما: المفهوم، و ذلك لما بنى عليه فى الدلالة الشرطية بان ما تقوم عليه اداة الشرط هو حصول الملازمة بين الشرط و المشروط، حيث أنّه بانتفاء الشرط يوجب انتفاء المشروط و ان عقد المفهوم يثبت بدلالة الملازمة في جانب العقد السلبي كما هو المقرر في محله.

          و على ضوء هذه الضابطة الاصولية فما ينطبق على مورد البحث انّ المرأة المستحاضة اذا اخلّت باحدى الغايات، يوجب عليها الحكم بعدم الطهارة و ان أتت بتمام الغايات على نحو المجموع كانت محكومة بالطهارة ظاهراً و يحدث من ذلك جهة الملازمة بين المنطوق و المفهوم بناءً على ان ما يحمله حجية المنطوق تسري الى حجية المفهوم.

          و بذلك يثبت وجود اجماعين بحسب سوق الدلالة الشرطية، احدهما اجماع في طرف المنطوق و اجماع في طرف المفهوم بناءً على ان التسرية تعطي بنفس ما عليه حجية المنطوق.

          و امّا اذا قلنا بانّ ما عليه حجية المنطوق بحسب المعنى الدلالي مختلف عما عليه في حجيّة المفهوم كما انّه مختلف في ناحية القوة كما انّه لا يعطي جهة المعارضة فيما بين المنطوق و المفهوم ما لم يقال بانقلاب المفهوم الى المنطوق و ايضاً فيؤدى دور المعارضة على نحو العلّة التامّة. و امّا على القول بالامتناع فلا مجال لدعوى الانقلاب.

          و عليه يمكن دعوى القول بعدم التسرية من طرف المنطوق الى المفهوم، و بذلك لا يقال بانّ ما عليه المنطوق في اثبات الحجية الدلالية أو الجهة الاجماعية ممّا يوجب السريان في طرف المفهوم ايضاً بنحو الحجية الدلالية أو الجهة الاجماعية لعدم تمامية الملاك فيما بين العقدين للاختلاف السنخي فيما بينهما، هذا مع ان كبرى اثبات معاقد الاجماع محل نظر.

          و اما بالنسبة الى الاستصحاب فانّه لا يقال في تقريب الاستصحاب فيما كانت الاستحاضة مسبوقة بالحيض كانت هذه محرمة عليها، و بعد تبدل حالها من الحيض الى الاستحاضة يستصحب بقاء الحرمة السابقة لو شك في بقائها و فيما لم تكن مسبوقة بالحيض يلحق بالمسبوقة به لعدم القول بالفصل[13].

         فانّه يقال ان ما عليه موضوع الحيض حقيقة مختلف عمّا عليه موضوع الاستحاضة و لذا يكون الحكم تابعاً للموضوع وجوداً و عدماً و ان كان الحكم فيما بين الحيض و الاستحاضة واحداً. و هذا ليس من باب تبدل حال المرأة في ناحية الدم بل تبدلّ موضوع الدم لما يطرء على المرأة فيكون الاختلاف بلحاظ حقيقة الدم.

          فانّه يرد عليه كما حرر في محله بعدم الاختلاف بين الحكم و الموضوع فيما يطرء عليها المرأة من حصول الدم، و لذا يمكن القول بعدم الفصل، الا انّه اتضح ممّا حررناه بعدم تمامية الدعوى حيث ذكرنا ان ما يبتنى عليه موضوع الحيض يباين لما بتني عليه موضوع الاستحاضة واقعاً و عرفاً فعليه ما يترتب عليه احدهما يباين ما يترتب عليه الآخر.

          و بذلك لا مجال للقول بعدم الفصل لأنّ مساق ما يترتب عليه موضوع الحيض أمر واقعي و ما يترتب عليه الحكم ايضاً حكم واقعي.

          و هذا بخلاف ما يترتب عليه موضوع الاستحاضة بلحاظ ما يترتب عليه الحكم ظاهراً لا واقعاً و عندئذ لا مجال لما يترتب عليه مفهوم الاجماع بالنسبة الى ما يبتني عليه أثر الحكم في الاستحاضة، فان ما يترتب عليه اثر الحيض عدم جواز المكث في المسجدين و عدم الدخول فيهما و عدم قراءة العزائم، كما انّه لا يجوز وضع شيء في المساجد.

          و هذا بخلاف المستحاضة فانّه يجوز لها في بعض الموارد، و ذلك للبناء على الاختلاف فيهما من حيث الجهة الواقعية و الظاهرية بمقتضى الاثر في احدهما دون الأثر التام في الآخر و عندئذ لا يتم صدق الاجماع في المفهوم.

          و كذلك من جملة ما يثبت به جهة الفرق بين ما يترتب عليه حكم الحيض، و بين ما يترتب عليه حكم الاستحاضة كما هو المستفاد من اطلاق قوله تعالى: « و لا تقربوهنّ حتّى يطهّرن »[14] أو بقراءة حتى يطهّرن (بالتشديد) فانّ للغاية مفهوماً.

          و ذلك بانّه بعد انقطاع الدم أو القيام بالاغتسال لم يثبت الدليل على الحرمة و اذا كانت المرأة في حال الاستحاضة يجوز وطؤها، و ذلك بمساق الآية ايضاً بالاضافة الى ما يستفاد من الروايات ان المستحاضة يأتيها بعلها اذا شاء[15].

    و اذا تمّت هذه الادلة فلا مجال للرجوع الى الاصول العملية لأنّه كما ذكر في محله بانّه مع وجود الدليل الاجتهاد لمخالفته و لا مجال للرجوع الى الدليل الفقاهتي لمحكومية.

          هذا مع انّه يشكل في حال الأخذ بالاستصحاب فانّه في ظرف عروض الاستحاضة بعد الغسل من الحيض فيوجب بحسب جريان الاستصحاب جواز الوطى‏ء و ليس ذلك من نوع حرمة الوطى‏ء و بذلك يعلل السيّد الاستاذ  قدس‏سره لأنّ الازمنة ثلاثة:

          احدها: زمان القطع بالحرمة و هو ما قبل اغتسالها.

          ثانيها: زمان القطع بالجواز و هو ما بعد اغتسالها.

          ثالثها: زمان الشك في الحرمة و هو زمان حدوث الاستحاضة و مع تخلل اليقين بالجواز بين اليقين بالحرمة و الشك فيها لا مجال لاستصحاب الحرمة بوجه هذا[16].

         ثمّ انّه بعد ان اتضح جهة الفرق بين موضوع الحيض و موضوع الاستحاضة، فاذا قدر جواز الوطى‏ء بعد انقطاع الدم و قبل قيامها بالاغتسال يلزم استصحاب الحرمة و ذلك للبناء على وحدة الدمين موضوعاً أو حكماً فيوجب ان تكون الاستحاضة متصلة بدم الحيض، فاذا قدر حصول الفصل بين الدمين، ثم عرضت الاستحاضة في ظرف قيامها بالاغتسال أو بعد الانتهاء منه فيوجب بذلك الفصل بين زماني القطع بالحرمة و بين الشك في الجواز و عليه يختص الحكم بالنسبة الى انقطاع الدم كما في صورة الوطى‏ء و الطلاق. و هذا لا يسري في صورة ما يترتب على الغسل عند الدخول في المسجدين.

          و على ضوء هذا العرض يرى السيّد الاستاذ  قدس‏سره انّه لا وجه للقول بتوقف الافعال المذكورة في حق المستحاضة على الاغتسال لأنّه محتاج الى دليل و لا دليل عليه.

          ما لم يقال بانّ صاحب الوسيلة ذهب الى التفصيل بين الكعبة فلا يجوز للمستحاضة دخولها و بين سائر المساجد حتى المسجدين فيجوز[17].

         الا انّه قد يشكل في ذلك بعدم تمامية المستند الاّ من خلال مرسلة يونس بن يعقوب عمّن حدثه عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام قال: المستحاضة تطوف بالبيت و تصلّي ولا تدخل الكعبة[18]. ولكنها ضعيفة بواسطة الارسال.

         و امّا النظر الى حكم الطواف سواء كان على نحو الأمر الوجوبي أو الاستحبابي فانّه بحسب اطلاق الروايات جوازه على المستحاضة بدون الحكم عليها بوجوب الاغتسال.

 

         و هذا ما يدلّ عليه خبر عبدالرحمن بن أبي عبداللّه‏ قال: سألت أبا عبداللّه‏  عليه‏السلام: عن المستحاضة أيطؤها زوجها و هل تطوف بالبيت؟ قال  عليه‏السلام: تقعد قراءها و كل شيء استحلّت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف بالبيت[19].

         و ذهب صاحب الحدائق  قدس‏سره الى صحة سندها و هي بحسب الدلالة تدلّ على الملازمة بين جواز دخولها في الصلاة و بين جواز وطئهاو طوافها.

          و من خلال هذا العرض ان صحة استحلالها في الدخول في الصلاة يكشف، امّا عن مؤدى الاستحلال بمعنى المشروعية من حيث الشأنية و مرحلة الاستعداد أو يراد بالاستحلال بمعنى الفعلية و يكون على الأوّل جواز الوطى‏ء و الطواف من دون الاشتراط عليها بالغسل لحلية الدخول في الصلاة حيث ان مفاد الشرط بالنتيجة الى شرط المأمور به و هو الصلاة و ليس لذات الحكم بالصلاة و لذا يجوز لها الصلاة.

          و أمّا على الثاني فانّه لابدّ من الغسل للبناء على ان الشرط قائم على المأمور به و لذا اذا جاءت بالطواف أو الصلاة بدون الغسل يكونان باطلين حيث انيط الشرط بالمأمور به دون الحكم.

          ثمّ انّ المراد بشرط الطهارة للمستحاضة تارة يراد به الاتيان بالغسل أو الوضوء أو الغسل مع الوضوء و الّذي يبدو من عبارة الماتن  قدس‏سره اناطة طهارتها بالغسل في خصوص الطهارة؛ ولكن الظاهر من الروايات ارجاع المستحاضة الى ثلاثة اغسال للكبيرة و غسل واحد للمتوسطة و الوضوء للصغيرة.

          و هذا يكشف عن عدم اثبات غسل رابع للطواف و انّما لسان الأدلّة انّه يتوضأ للطواف الاّ في الطواف المندوب فانّه لا يصحّ منها الطواف الاّ مع الوضوء[20].

         و عليه يكون الحكم فيما لو جاءت المستحاضة بالغسل من غير وضوء لما صح منها الطواف و بذلك لابدّ من اشتراط الطواف بالوضوء كما ان حكم الطواف حكم الصلاة في ناحية الاشتراط بالطهارة و ان حكمها واحد في كلا الأمرين.

          و هذا ما يدلّ عليه خبر عبدالرحمن بن عبداللّه‏  عليه‏السلام قال: سألت أبا عبداللّه‏  عليه‏السلام عن المستحاضة أيطؤها زوجها؟ و هل تطوف بالبيت. قال  عليه‏السلام: تقعد إقراءها الى ان قال  عليه‏السلام: و كل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها و لتطف  بالبيت[21].

         ثمّ ان التعبير بقوله  عليه‏السلام: استحلت فتارة يراد به لفظ الحل الجواز بما يقابل الجواز و هو الحرمة و هو تقابل حكم تكليفي لحكم تكليفي و اخرى يراد بالحل و هو الصحة بما يقابل الفساد و هو تقابل حكم وضعي لحكم وضعي و الظاهر من سوق الخبر هو تقابل حكم تكليفي لحكم تكليفي و عليه يكون المؤدّى انّه يجوز للزوج حكماً ان يطى‏ء زوجته و ذلك في صورة ما لو جاز لها الصلاة.

          و المهمّ ان البحث في حدثية دم الاستحاضة بما يترتب عليه من اعمال المستحاضة و انّه يتوقف جواز عملها على الغسل و الوضوء لأجل الصلاة أو على اتيان ما هو وظيفتها ولو بنحو تغيير القطنة و الخرقة و غسل ظاهر اليدين و يكون ذلك لمطلق الغايات.

          و ذهب صاحب الجواهر  قدس‏سره الى عدم الظهور في اثبات حدثية دم الاستحاضة و انّما يعطي لسان الحدثية في خصوص الصلاة و الصوم و الطواف و ليس لمطلق الحدثية.

          و امّا بالنسبة الى المساجد في حال المكث فيها أو مثل الدخول في المسجدين أو قراء العزائم أو وضع شيء في المساجد فلم يثبت حدثية دم الاستحاضة لمثل هذه الغايات. و ان كان في نظر المشهور حصول الخلاف في توقف جواز المستحاضة في خصوص الغسل أو لمن كانت وظيفتها ولو بتغيير القطنة و الخرقة و غسل ظاهر اليدين.

          و على أي حال فهل الميزان القيام بالغسل أو ممّا يجب عليه لمطلق أداء الوظيفة لخصوص الغاية الصلاتية بدون النظر الى قيامها بوظيفة المستحاضة لأجل بقية الغايات الاخرى.

          و عندئذ تصبح تلك الغايات حلالاً عند العمل بوظيفتها و يكون وجه الاستدلال بالحلية و الطهارة لبقية تلك الغايات امّا بطريق المفهوم و ذلك لقولهم ان فعلت ما عليها تكون بحكم الطاهر.

          و قد أشرنا الى دور المناقشة في اثبات الظهور للمفهوم كما يمكن للمدعي ايضاً المناقشة من طرف الاجماع أيضاً في اثباته من خلال المفهوم كذلك.

          و اما استدلال بما هو المروي عن الباقر  عليه‏السلام في قضية اسماء بنت عميس و فيه: و امّا الآن فاخرجي الساعة  و اغتسلي و طوفي و اسعي، فاغتسلت و احتشت و طافت و سعت و صلّت[22].

         و وجه الاستدلال بناءً على صحة الظهور كون الغسل لمطلق الغايات أو كون الغاية فيها منوطة لأجل الصلاة أو يكفي الغسل للصلاة و يجوز الاغتسال لغايات اخرى. و حيث ثبت الاجماع على جواز ادخال تلك الغايات تحت غاية الاغسال للصلاة.

          و هذا ما عليه ظاهر خبر البصري في الاكتفاء بالغسل الصلاتي لبقية الغايات الاخرى و عندئذ يتم القول بادخال الغايات تحت الغاية للغسل الصلاتي.

          و بالجملة يقع البحث في أخذ الغايات إمّا بنحو الغايات التراكمية و ذلك بالنظر الى أخذها بنحو الوحدة المجموعية في الغاية و اما ان ينظر اليها على نحو الغايات الانفرادية بحيث لكل بما لها جهة مستقلة بدون ملاحظة المداخلة فيما بين الغايات؛ ولكن ما يستفاد من الادلة و قيام الاجماع على اخذ الغايات مجموعية فيما بينها و بين الصلاة.

          هذا مع انّه يمكن دعوى القول بتبعيّة تلك الغايات لافعال الصلاة حيث لم ينظر لتلك الغايات على نحو الجهة الاستقلالية.

          كما انّه يقع الكلام في انّه بعد التمسك بارجاع الغايات تحت الغاية الصلاة فهل يشترط وقوع الغاية الصلاة في وقتها الصلاتي أو يمكن أن تقع الغاية ولو بعد خروج وقت الصلاة فذهب في حاشية الارشاد الى ان وضوء المستحاضة للصلاة يبطل بالفراغ منها و غسلها للوقت لا يبطل الاّ بخروج الوقت فلو اغتسلت للصبح لم يبطل الى طلوع الشمس.

          و في الروض ليس للمستحاضة ان تجمع بين صلاتين بوضوء واحد سواء
في ذلك الفرض و النفل بل لابدّ لكل صلاة من وضوء و أمّا غسلها فللوقت به ما شاءت من الفرض و النفل اداء و قضاء مع الوضوء لكل صلاة و تغيير القطنة و غسل المحل ان اصابه الدم ولو ارادت الصلاة في غير الوقت اغتسلت لاول المورد و عملت باقي الاعمال لكل صلاة (انتهى).

          و عليه يكون اناطة الغاية بوقت الصلاة، و لذا لو أرادت ان تغتسل لصلاة الليل قدمت غسل صلاة الفجر. و هذا ممّا يكشف عن عدم تمامية الغسل للعشائين حيث لا يكتفى باتيان صلاة الليل في غاية غسل العشائين و انّما كان وظيفتها تقديم غسل الفجر لصلاة الليل.

 

وطىءُ الزوجة المستحاضة

          قد اختلفت الاقوال في جواز وطى‏ء المستحاضة فبعضهم ذهب الى الاباحة و بعضهم الى الكراهة، و يكون مدرك القول بالاباحة ما ورد في خبر ابن سنان في قوله  عليه‏السلام: و لا بأس ان يأتيها بعلها متى شاء الاّ في ايام حيضها.

          و كذا بما ورد في موثقة زرارة: فاذا حلت لها الصلاة حل لزوجها ليغشاها، و ذلك لحمل لفظ الحل على الجواز.

          و هو كما اشرنا تقابل حكم تكليفي لحكم تكليفي و ليس الحل بما يقابل الفساد الذي يقصد منه الحل بمعنى الصحة و هو تقابل الحكم الوضعي لحكم وضعي كما انّه يستدل على الجواز بخبر ابن سنان و موثقة زرارة و ذلك لمساق تضمنها على رجحان الفعل و على من يرى القول بالتوقف يذهب الى مرجوحية الفعل مع رجحان الترك أو للحمل على الكراهة بناءً على عدم التوقف أو يكون من نوع
تقديم طرف الرجحان في جانب الفعل دون الترك فيكون الحمل فيه على الاستحباب.

          و حيث انّ ما تدلّ عليه الآية بقوله تعالى: « و لا تقربوهنّ » أو كونه أذى و نحو ذلك فانّه منصرف الى خصوص دم الحيض و امّا بحسب اطلاق الادلّة فانّها دالّة على جواز الوطى‏ء في حال الاستحاضة.

          امّا أخذ سوق ما دلّ عليه منطوق الحيض بما يدلّ عليه مفهومه فانّه لا يثبت كون الاخلال بما يجب على المستحاضة للصلاة ان يترتب عليها الوطى‏ء حيث ان ما يترتب عليه مفهوم الحيض لا يترتب عليه مفهوم الاستحاضة بعد ان كان لكل منهما جهة الاستقلالية في ناحية الموضوع و الحكم.

          و لذا وردت عدة روايات حول ارتباط جواز وطى‏ء المستحاضة و انّه هل تطوف بالبيت قال  عليه‏السلام: تقعد قرئها التي كانت تحيض فيه، فان كان قرئها مستقيماً فلتأخذ به، و ان كان فيه خلاف فلتحتط بيوم أو يومين و تستدخل كرسفاً فانّ ظهر على الكرسف فلتغتسل ثم تضع كرسفاً آخر ثمّ تصلّي، فاذا كان الدم سائلاً فلتؤخر الصلاة الى الصلاة، ثم تصلّي صلاتين بغسل واحد، و كل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها فلتطف بالبيت[23].

          و في موثق الفضيل و زرارة عن احدهما  عليهماالسلام: المستحاضة تكف عن الصلاة ايام اقرائها و تحتاط بيوم أو يومين ـ ثم ذكر عمل المستحاضة ـ الى أن قال  عليه‏السلام: فاذا حلّت لها الصلاة حلّ لزوجها ان يغشاها[24].

         و في صحيح صفوان بن يحيى عن أبي الحسن  عليه‏السلام بعد السؤال عن المرأة اذا مكثت عشرة ايام ترى الدم ثمّ طهرت فمكثت ثلاثة ايام طاهراً ثم رأت الدم بعد ذلك تمسك عن الصلاة؟ قال  عليه‏السلام: لا هذه مستحاضة تغتسل و تستدخل قطنة بعد قطنة و تجمع بين الصلاتين بغسل و يأتيها زوجها ان اراد.

          و أيضاً ممّا ورد في صحيح ابن مسلم في المعتبر عن كتاب المشيخة في الحائض: اذا رأت دماً بعد ايامها التي تقعد فيها فلتقعد عن الصلاة يوماً أو يومين ثم تمسك قطنة فان صبغ القطنة الدم لا ينقطع فليجمع بين كل صلاتين بغسل و يأتيها زوجها اذا احب و حلّت لها الصلاة، بناءً على ان يكون قوله  عليه‏السلام: «و حلّت لها الصلاة» عطفاً على قوله: «احب ليصير مدخولاً لكلمة اذا و شرطاً» لقوله: «و يأتيها زوجها».

          و من مجموع هذا العرض الروائي فان بعض الروايات لها الدلالة على المفهوم كما هو المنساق من خبري البصري و زرارة و فضيل و ذلك لما تضمنته الجملة الشرطية الدالة على كلمة (الفاء) في قوله: فليأتها فى الأوّل و اداة الشرط في الثاني و انّ ناقش المحقق الآملي  قدس‏سره بعدم الانصراف الى الحلية الفعلية و انّما الظاهر منها حلية الصلاة للمستحاضة بواسطة انتقالها عن حال تحرم عليها الصلاة فيها و هي حالة الحيض الى حالة تحل لها و هي الاستحاضة[25].

         و يرد عليه بان المنساق الى كبرى المفهوم فيما اذا أخذ لبيان طبيعي التعليق دون أخذ المعلق على نحو الفعلي أو الشأني و امّا ما يقتضيه المعلق عليه فيناسبه ان يكون فعلياً اذا لوحظ فيه حالة الناظرية بين المعلق و المعلق عليه و المورد يناسبه الفعلية دون الارجاع الى المعلّق عليه بنحو الشأنية و ذلك في أخذه بنحو التلبس في حينه كما هو الحال في الزوجة الطاهرة عن الحيض مع اشتراط الخلو عن الصوم و الاعتكاف و الاحرام و نحوها. و ينتج من ذلك جواز وطئها فعلاً بناءً على الحلية الفعلية و عدم الجواز بناءً على الحلية الشأنية.

          و امّا بالنسبة الى دلالة خبر صفوان، فأخذ فيه المفهوم على نحو السوق التراكمي دون السوق التجريئي، و امّا اذا لوحظ فيه على الثاني فيمكن المناقشة بعدم الدلالة على المفهوم لعدم الاستظهار فيه على التعليق لخلو الجملة من الترتيب و ذلك لعدم الاستظهارمن مفاد (الواو) و هكذا الكلام بالنسبة الى صحيح بن مسلم.

          كما ان ما يستدل أيضاً بروايات اخرى كخبر عبدالخالق المروي عن الصادق  عليه‏السلام، في قوله: قلت: يواقعها زوجها. قال  عليه‏السلام: اذا طال بها ذلك فلتغتسل و لتتوضأ ثم يواقعها ان اراد.

          و دلالتها على اعتبار اشتراط جواز الوطى‏ء عند ما يكون معلقاً على الغسل و الوضوء ولكن الخدشة في ناحية السند مع عدم جبره من قبل الاصحاب و بذلك لا يكون محلاً للقبول.

 

الشرط في المستحاضة

          تعرض الماتن  قدس‏سره في قوله: و امّا المسّ فيتوقف على الوضوء و الغسل و يكفيه الغسل للصلاة الخ؛ حيث ان ما يبتبي عليه موضوع المسّ تارة لخصوص المستحاضة و اخرى للاعم.

          و هذا ما اشار اليه الماتن  قدس‏سره في المسألة رقم 17 في قوله: فيجب عليها تكراره بتكررها حتى فى المسّ يجب عليها ذلك لكل مسّ على الأحوط.

          و هذا ما عليه ظاهر قوله تعالى: « لا يمسّه الاّ المطهّرون »[26] حيث يستفاد ان كل مس لابدّ ان يقع قبله وضوء و طهارة و بما ان المسّ قد يكون واجباً أو قد يكون مندوباً فامّا الواجب فيتحقق ذلك بنحو العنوان الثانوي كما لو كان القرآن في محل الهتك فيجب مسّه لرفع الهتك عنه و عليه لابدّ من الوضوء قبله.

          و المراد بالمسّ الظاهري دون أخذ المسّ على نحو ادراك حقائقه و معانيه العاليه، فانّما يكون ذلك لمن خوطب به و هم الّذين نزلت الآية في حقهم، بقوله تعالى: « و يطهّركم تطهيراً »[27].

         و المهمّ انّه قد وردت في موثقة أبي بصير قال: سألت أبا عبداللّه‏  عليه‏السلام: عمّن قرأ في المصحف و هو على غير وضوء (طهر) قال: لا بأس و لا يمس الكتاب[28].

          فقد دلّت على عدم جواز المس سواء كانت للمستحاضة أو غيرها فاذا مست المستحاضة كان الواجب عليها قبل المسّ الوضوء.

          و من الملاحظ فيما سبق في المسألة السابقة أنّه وقع الخلاف بالنسبة الى المستحاضة فيما لو ارادت المس هل يجب عليها الغسل و الوضوء معاً أو يكفي الغسل بدون حاجة الى الوضوء و سواء كان الغسل و الوضوء لأجل الصلاة أو كان لأجل المسّ خاصه.

          فاذا لوحظ في المسّ قيد الخصوصية فيجب الغسل و الوضوء معاً. و امّا لو كان المسّ لأجل العنوان الثانوي من حيث وقوع القرآن في مواضع الهتك فيجب عليها المبادرة فوراً لاخراجه، و رفع ما عليه من النجاسة فاللّمس في هذه الصورة ممّا يجب عليها مباشرتها، و عليه لابدّ من الغسل و الوضوء و يكفي بالغسل و الوضوء للصلاة عند ما لم يستلزم في التأخير هتكاً لحرمة الكتاب كما يجوز لها الغسل و الوضوء مستقلاً.

          و امّا اذا كان وجوب المسّ بامر عرضي كالنذر و نحوه فقد ذهب في شرح النجاة الى الاكتفاء بالغسل و الوضوء للصلاة و لغيره، أو يقال بالفرق بين الوقت الموسّع فيؤخذ فيه المسّ مع سعة الوقت و بين الوقت المضيّق فيجب المبادرة أو يكون من نوع انحلال النذر لسبب الضيق.

          و هذا كما اشار اليه في مصباح الهدى يكون نظير النذر المعيّن عندما يصادف الاستحاضة فيوجب بذلك سلب القدرة عن اتيان المتعلق لعروض الاستحاضة[29].

         و اما البناء على ارجاعها الى حكم الطهارة للاجماع في ذلك فيجب عليها المسّ.

 

         (مسألة 19) يجوز للمستحاضة قضاء الفوائت مع الوضوء و الغسل و سائر الاعمال لكل صلاة و يحتمل جواز اكتفائها بالغسل للصلوات الادائية، لكنّه مشكل(1)؛ و الاحوط ترك القضاء الى النقاء.

 

جواز القضاء للمستحاضة

          (1) و ذلك بما أنّ المستحاضة يجب عليها بقيّة الامور العبادية الشاملة للجهة الادائية لغيرها من حيث عنوان اطلاق الأدلّة أو ارجاعها الى جهة الناظرية الى خصوص موارد الامور القضائية فتحتاج بذلك الى التجديد للغسل و الوضوء، فامّا على الاتجاه الاوّل فذهب فى الروض بقوله: ليس للمستحاضة أن تجمع بين صلاتين بوضوء واحد سواء في ذلك الفرض و النفل و أمّا غسلها فللوقت تصلّي به ما شاءت من النفل و الفرض اداء و قضاء.

          و امّا على الاتجاه الثاني فذهب السيد الاستاذ  قدس‏سره بأنّ الظاهر عدم مشروعية القضاء في حقها لما استفدنا من الاخبار من ان الاستحاضة حدث و ان جاز لها الفرائض بعد اغتسالها مرّة أو ثلاث مرات بمعنى ان الدم الخارج عنها حال غسلها أو بعده أو في اثناء الصلاة لا يكون ناقضاً لطهارتها الاّ أنّها محدثة كصاحب السلس و من هنا وجب عليها ان تتوضأ او تغتسل للصلوات الآتية و ان لم تحدث في اثنائها بحدث آخر و مع الحدث كيف يسوغ لها القضاء.

          و بعبارة اخرى ان صلاة المستحاضة اضطرارية من جهة عدم طهارتها من الحدث و القضاء واجب موسع له افراد اختيارية فكيف تأتي بالفرد الاضطراري مع التمكن من الأفراد الاختيارية و لا سيما في المستحاضة المبتلاة بنجاسة البدن غالباً و صلاتها اضطرارية من هذه الجهة ايضاً مع أنّه لم يقم دليل على عدم مانعية دم الاستحاضة في قضائها فلابدّ من ان تصبر حتى ترتفع استحاضتها.

          ثمّ ان السيّد الاستاذ  قدس‏سره يتعرض في الجهة الثانية عند ما يوجه دعوى ان الغسل كما انّه طهارة في حقها بالاضافة الى صلواتها الأدائية فهو طهارة بالاضافة الى صلواتها القضائية أيضاً فيجب بقوله ممّا لا يمكن المساعدة عليه لعدم قيام الدليل على ان الغسل طهارة في حق المستحاضة. و انّما الادلة دلّت على ان غسلها طهارة لفرائضها الأدائية و حسب[30].

         و الملاحظ لدينا ان كان عنوان الغاية للفريضة الادائية أخذ بنحو الجهة الاطلاقية لطبيعي طهارة المستحاضة فيمكن القول بالتعميم للادائية و القضائية بالاضافة الى دعوى القول بإطلاق الأدلّة على وجوب القضاء لعامة الأوقات و لا يتحدد بوقت الاداء.

          و انّه بناءً على تمامية الاستناد الى الاجماع بانّ المستحاضة اذا قامت بتمام وظيفتها كانت محكومة بالطهارة حكماً لا حقيقة و بضميمة هذين الأمرين يتم التمسك بقيام الطهارة القضائية عن وجود الطهارة الادائية فيجمع بين الغسل و الوضوء معاً و يكتفى بالطهارة القضائية من غير حاجة الى اعادة الطهارة بعنوان القضاء على نحو الجهة الاستقلالية.

          و امّا اذا كان البناء في الطهارة مأخوذة على نحو الغاية المقيدة بعنوان الناظرية الى الطهارة الأدائية خاصة حيث أخذت الحيثية فيها على نحو الجهة التعليلية فلا يمكن تسرية الطهارة الى القضائية لأنّ سوق الأدلّة في بيان الحيثية التعليلية دون الحيثية التقييدية.

          و هذا ما عليه المختار دون أخذ الغاية بنحو التوسعة و يكون الحق كما عليه رأى السيد الاستاذ  قدس‏سره كما ان الاستدلال بالاجماع على ان المستحاضة اذا أتت بوظيفتها فهي بحكم الطاهرة فذاك لكونه منساقاً الى الصلاة الأدائية دون أخذه بنحو التعميم للادائية و القضائية حيث كما اشرنا الى ان الاطلاقات اللفظية منصرفة الى الادائية فكيف الحال بالنسبة الى الأدلة اللبية فهي منساقة الى ما هو القدر المتيقن منها دون تسريتها الى ما هو الشامل للادائية و القضائية معاً.

          (مسألة 20) المستحاضة تجب عليها صلاة الآيات و تفعل لها كما تفعل لليومية و لا تجمع بينهما بغسل و إن اتفقت في وقتها(1).

         (1) يمكن دعوى الفرق أيضاً فيما بين الغاية الصلاة الأدائية و الصلاة للآيات بلحاظ أخذ الغاية في كل منهما بنحو الحيثية التعليلية. و هذا ممّا يوجب حصول المفارقة و يكون بنفس ما حررناه في الفرق بين القضائية و الأدائية و انّه لابدّ من اجراء الغسل و الوضوء بنحو الجهة الاستقلالية دون الجهة التبعية.

          أو يقال بعدم الفرق بينهما و ذلك لا لسبب أخذ الغاية بنحو التعليلية، و انّما لجهة اطلاق الدليل في كل منهما بالاضافة الى الأخذ بالاجماع على أنّها اذا فعلت ما عليها من الوظيفة تكون بحكم الطاهرة.

          أو يكون المورد بعدم الفرق من جهة ان صدق طبيعي الصلاة بما ينطبق على اليومية و الآيات. و هذا ما استدل به السيد الاستاذ  قدس‏سره الا انّه دفعه بأن الغسل لم يقم دليل على كونه طهارة للمستحاضة، بل مقتضى اطلاق الموثقة آنفاً كفاية الوضوء لصلاتها و صلاة الآيات صلاة فتتوضأ لها و تأتي بها[31].

         أو انّ المورد ممّا ينظر اليه لا بنحو الوحدة الصلاتيه من حيث ملاك الوحدة الصلاتيه بين الادائية و الآيات أو لجهة اطلاق الادلة و انّما لما ورد بانّه لا تجمع بين الآيات و اليوميه طهارة واحدة للاختلاف بينهما من جهة الوقت و لاناطتها بغاية مخصوصة فما يترتب عليه غاية اليومية لوقت معين لا يمكن أن تسري الغاية لوقت الآيات.

          و مع فرض اتفاق الوقت فيما بين اليومية و الآيات و ان صدق على ان ما جاءت به المستحاضة من الطهارة بحكم الطاهرة بطريق الاجماع فان ذلك لا يحقق موضوع الوحدة للاختلاف في ملاك الغاية بينهما فيوجب التعدد في الغسل و ما ورد بعدم الجمع في يوم واحد فذاك لخصوص الجمع بين الظهرين و العشائين و لا تسري لغيرهما.

          (مسألة 21) إذا أحدثت بالاصغر في أثناء الغسل لا يضر بغسلها على الأقوى؛ لكن يجب عليها الوضوء بعده و ان توضأت قبله(1).


[1]» التنقيح، ج 8، ص 121 ـ 122. 

[2]» الوسائل، باب 1، ابواب المستحاضة، ح 7. 

[3]» نقلاً عن مصباح الهدى، ج 5، ص 214. 

[4]» الوسائل، باب 1، باب الاستحاضة، ح 7. 

[5]» الوسائل، باب 1، ابواب الاستحاضة، ح 6.

 [6]» كشف الغطاء، ص 140. 

[7]» مصباح الفقيه، ص 327، السطر 18. 

[8]» الوسائل، باب 1، ابواب المستحاضة، ح 1 ـ 7 ـ 9. 

[9]» التنقيح، ج 8، ص 131.

 [10]» الواقعة 56 : 79. 

[11]» الوسائل، باب 1، ابواب الاستحاضة، ح 6. 

[12]» التنقيح، ج 8، ص 134. 

[13]» مصباح الهدى، ج 5، ص 219.

 [14]» البقرة 2 : 222. 

[15]» الوسائل، باب 1، ح 4، ابواب الاستحاضة. 

[16]» التنقيح، ج 8، ص 137. 

[17]» الوسيلة، ص 61، في احكام المستحاضة. 

[18]» الوسائل، باب 91، ح 2، ابواب الطواف.

[19]» الوسائل، باب 1، ابواب الاستحاضة، ح 8.

[20]» الوسائل، باب 38، ح 2 ـ 3 ـ 7 ـ 8 ـ 9، ابواب الطواف. 

[21]» الوسائل، باب 1، ابواب الاستحاضة، ح 8. 

[22]» الوسائل. 

[23]» الوسائل، باب 1، ابواب الاستحاضة، ح 8. 

[24]» الوسائل، باب 1، ابواب الاستحاضة، ح 12.

 [25]» مصباح الهدى، ج 5، ص 227. 

[26]» الواقعة 56 : 79. 

[27]» الاحزاب 33 : 33. 

[28]» الوسائل، باب 12، ابواب الوضوء، ح 1. 

[29]» مصباح الهدى، ج 5، ص 130.

 [30]» التنقيح، ج 8، ص 142 ـ 143. 

[31]» التنقيح، ج 8، ص 144.