|
الشرط الأول الإجمالي اللفظي: تعرض علماء البيان الى تعريف الإجمال اللفظي بأنه عبارة عن عدم وضوح المعنى لدى السامع فعلى البليغ أن يلقي المعنى بالفاظ سهلة التعبير بعيدة عن الغرابة والمنافرة والتعقيد مطابق لمقتضى الحال. وتطرق اليه علماء الأصول كما ورد في الكفاية أن لمراد من المبين في موارد اطلاق الكلام الّذي له ظاهر، ويكون بحسب متفاهيم العرف قالباً لخصوص معنى والمجمل بخلافه فما ليس له ظهور مجمل وأن علم بقرينة خارجية ما أريد منه كما له الظهور مبين وإن علم بالقرينة الخارجية أنه ماأريد ظهوره وأنه مأول ولكل منها في الآيات (القرآنية) والروايات وإن كان افراد كثيرة لا تكاد تخفي إلا أن لهما افراد مشتبهة وقعت محل البحث والكلام لأعلام في أنها بين افراد كثيرة أيهما كآية السرقة مث ل حرمت عليكم أمهاتكم وأحلت لكن بهيمة الأنعام مما أضيف التحليل الى الأعيان ومثل لا صلاة إلا بطهور ولا يذهب عليك أن إثبات الغجمال أو البيان لا يكاد يكون بالبرهان[1]. والميزان لدى صاحب الكفاية أن المبين ما كان له ظهور والمجمل على عكسه ولكن الرجوع الى واقعية المجمل والمبين يرتبط على مقياس الأمور النسبية والموضوعات الإضافية . وذكر استاذنا السيد الوجنردي في كتابه منتهى الأصول أنه قد عرفوا المجمل والمبين بما ليس له ظاهر وما له ظاهر، وحيث أنه لا ثمرة فقهية في مفهوم المجمل والمبين لا يهمنا ذكر تعريفات القوم لهما والنقض والإبرام فيها مع وضوح هذين المفهومين وعدم إجمال فب البين ثم أن ألإجمال والتبيين كما يكونان في مداليل الأفراد كذلك قد يكونان في المجمل قرب كلام تام من حيث اركان الكلام، ومع ذلك ليس له ظاهر يستكشف مراد المتكلم منه ولا شك في أهما معنيان اضافيان يختلفان باختلاف الأشخاص فرب كلام أو لفظ يكون مجملاً بالنسبة الى شخص ومبيناً بالنسبة الى آخر[2]. وذكر السبزواري في كتابه تهذيب الأصول المجمل والمبين وهما من مفاهيم المعروفة في المحاورات وليس العلماء فيهما اصطلاح خاص فالمجمل ما لم يتضح المراد منه ولو بالقرائن والمبين بخلافه عند الدجميع حتى الأصوليين هذا بحسب المفهوم . وأما بحسب المصداق فالمرجع في تعيينه الى الأذواق السليمة والأذهان المستقيمة والظاهر كونهما من الأمور الإضافية فرب مجمل عند بعض مبين عند آخر وبالعكس وللإجمال منا شيء كثيرة كتشابه اللفظ وداختلاف القراءة ونحو ذلك، ويصح وقوع الإجمال في كلام الحكيم تعالى اذ قد يتعلق الغرض بالإجمال والإهمال لمصالح شيء، وأما حمكه فهو أنه إن كان مما يتعلق بالأحكام فلا بد من التفحص التام لعله يزول الإجمال والإبهام ومع عدم الزوال يرجع الى ادلة أخرى ومع عدمها فإلى الأصول العلمية وهي مختلفة باختلاف الموارد[3]. وتطرق السيد الصدر الى المجمل والمبين أنه ليس مهم الأصولي هو البحث عن اللفظ الفلاني أو مبين فإن هذا وظيفة اللغوي لا ألأصولي وإنما المهم هو البحث عن موازين رفع الإجمال في الدليل المجمل بالدليل المبين، ومقصودنا من المجمل ما ليس له معنى ظاهر يمكن العمل به وهو على قسمين لأنّه تارة يكون مجملاً بالذات أي ليس له معنى ظاهر في نفسه بالنسبة الينا من قبيل إجمال كلمة (الرطل) وتردده بين العراقي والمكي والمدني وأخرى يكون مجملاً بالعرض وهو ماكن له معنى ظاهر في نفسه لغة وعرفاً، ولكنه ثبت عدم ارادته فتعذر العمل بظاهره فأصبح المراد منه مجملاً[4]. ويتضح من خلال هذه الآراء أن النظر الى المجمل والمبين تارة الى ذات المعنى وأخرى الى الإرادة والدواعي في إظهار ما تكنه الإرادة من خفاء وثالثة في الدليل ومايستفاد منه في مقام الإظهار وعدمه كما أن ظهور المعنى تارة ينظر اليه من حيث الأصالة وأخرى من حيث العارض ونعني بالعارض في فهم المعنى من هلال وجود القرينة على اقسامها المحررة في البيان والأصول وتوضيح هذه النقاظ يحتاج الى شرح مستوعب نتطرق اليه في علم الأصول إن شاء اللّه . وبالجملة إذا جئنا الى حقيقة المجمل فهو الّذي لا يظهر له صورة أمام المخاطبات ولكنه حقيقة من الامور النسبية والحيثيات الإضافية بن الأشخاص لأنّه قد يكون مجملاً عند شخص ومبين عند آخر وهذا قد يكون بأسباب الغفلة عند شخص وانتباهه عند شخص آخر أو لحدة الذكاء وفطنته في الإنتقال الى المعنى الموضوع له اللفظ وينطبق الإجمال على الأنحاء الآتية: 1ـ المجاز وهو استعمال اللفظ في غير ما وضع له وقد ورد في القرآن كثير على أنواعه من الزيادة كما في قوله تعالي « ليس كمثله شيء » الشورى 42 ـ 43 أي ليس مثله شيء أو النقصان كقوله تعالي « واسأل القرية » يوسف 81 ـ 82 أي أهل القرية، أو التقديم والتأخير كقوله تعالى « والّذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى » الأعلى 87/5 أي أخرج المرعى أحوى فجعله غثاء، أو الإستعارة كقوله تعالى: « يوم يكشف عن ساق » القلم 68 ـ 42 ـ فكان معبراً عن الشدة الّتي يستلزمها كشف الساق[5]. وهناك رأى معاكس وهم أهل الظاهر وقد منعوا المجاز في القرآن الكريم كما ورد عن ابن داود[6]. 2 ـ استعمال الواحد الدال على معنيين أو أكثر كالعين للباصرة والنابعة والقرء الشامل للحيض والطهر واللمس المعتور للجماع والقبض باليد . وذهب أبوهشام وأبو الحسن البصري و الكرخي والإمام فخر الدين الرازي والإمام الغزالي الى عدم استعمال اللفظ الواحد في معنيين مختلفين[7]. وذهب الشيرازي الى الإستحالة في قوله لنا أن كل معنيين جاز ارادتهما بلفظين جاز ارادتهما بلفظ يصلح لهما كالمعنيين المتفقين وذلك أن نقول إذا أحدثت فتوضأ نريد به لابول والغائط ولأن المنع من ذلك لا يخلو إما أن يكون لإستحالة اجتماعهما في الإرادة كإستحالة العموم والخصوص والإيجاب والإسقاط أو لأنّ اللفظ لا يصلح لها ولا يجوز أن يكون للوجه الأول لأنّه يستحيل أن يريد بقوله إذا لا مستمنم النساء المائدة 6 ـ6 الملامستين ولا أن يريد بقوله ثلاثة اقراء كلا القرئتين ولهذا يصح أن يصرح أن بهما فيقول إذا لمست باليد وجامعت فتطهر وإذا طلقت فاعتدي بثلاثة اقراء من الحيض والكهر، ولا يجوز أم يكون (اللفظ شاملاً لها ) لأنّ اللفظ لا يصلح لهما على سبيل الحقيقة أو على سبيل المجاز فلم يكن للمنع وجه[8]. وذكر صاحب الكفاية الى أنه إختلفوا في جواز استعمال اللفظ في أطثر من معنى واحد على سبيل الإنفراد والإستقلال بأن يراد منه كل واحد كما إذا لم يستعمل إلا فيه على أقوال أظهرها عدم جواز الإستعمال في الأكثر عقلاً، وبيانه أن حقيقة الإستعمال ليس مجرد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى بل جعله زجهأً وعنوناً بل بوجه نفسه كأنه الملقى ولذا يسري قبحه وحسنه كما لا يخفى ولا يكاد يمكن جعل اللفظ كذلك إلا لمعنى واحد ضرورة أن لحاظه هكذا في ارادة معنى ينافي لحاظ في ارادة الآخر حيث أن لحاظه كذلك لا يكاد يكون إلا بتبع لحاظ المعنى ثانياً فيه فناء الوجه في ذي الوجه والعنوان في المعنون ومعه كيف يمكن ارادة معنى آخر معه كذلك في استعمال واحد مع استلزامه آخر غير لحاظه كذلك، في هذا الحال، وبالجملة لا يكاد يكون في حال استعمال واحد لحاظه وجهأً لمعنيين وفانياً في الإثنين الا أن يكون اللاحظ أحوال العينين[9]. وعلى ضوء الآراء السابقة يتضح عدم إمكان استعمال اللفظ بأكثر من معنى في حال لحاظه مستقلاً لأنّ لحاظ له جهة استقلالية في انطباق اللفظ على المعنى الموضوع له فلا يعقل أن يشمل بأن واحد معنيين أو أكثر في لحاظ واحد لأنّ مقتضى اللحاظ الطريقية والمرآتية عن المعنى الموضوع له وهو من نوع المعنى الحرفي في المعنى الإسمي ولا يمكن اجتماع لحاظين على ملحوظ واحد بنحو العرضية لا الطولية، أما لو كان استعمال اللفظ المشترك علي نحو تعدد الدال والمدلول نظير الكنايات الدالة على المدلول المطابقي أو اللوازم علي ملزوم واحد فجائز لخروجها عن دائرة استعمال اللفظ بأكثر من معنى واحد على نحو الإستقلالية. وأما ما يواجه من النقد بأن الإستقلالية وعدمها من الأمور الإعتبارية الّتي لا تصلح في حقها تصور الإستقلالية من طرفين وجهتين فغير مرضي لأنّ قيام الإعتباران كان مبنياً على العقلاء فلا يتصور اللخاظ علي ملحوظ واحد، وإن كان مبنياً على الأعراف الخاصة فليس من موارده ومصاديقه، وعلى الجملة فمن مجموع العرض لا يمكن اثبات التعريف في استعمال اللفظ بأكثر من معنى . 3 ـ المشترك اللفظي: وهو عبارة عن وجود لفظ واحد كالعين لعدة معان كالعين للنفط والذهب والفضة، والجون لأبيض والأسود، والقرء للحيض والطهر، واللمس للجماع واللمس باليد . أما البحث من حيث وجوده فوقوعه دليل إمكانية ومنعه أبو هاشم وقال لا يجوز ارادة اللفظ الواحد لمعنيين مختلفين[10]. ومنعه جماعة لإخلاله بالتفهيم المقصود، ولكن يمكن القول بصحته إذا اعتمد على القرائن إلا أن اثبات التعريف من زاوية الإشتراك اللفظي غير ممكن لبعد المعنى من اللفظ فلا يكون اللفظ قالباً وإطاراً واقعياً للمعنى الموضوع له وأما إتيان القرائن في مقام التعريف فلا يتناسب أصالة التعريف أذا بني عليه الحدية التامة . ويكون محور كلامنا في موضوعية التعريف أنه لا يصح جعل اللفظ المشترك مبرراً لهوية المعنى الموضوع له اللفظ بين افراد متباينة الحقائق، ولا يكون حينئذ اللفظ مباشراً لحقيقة المعنى وطابعاً اساسياً لمفهومه وحقيقته والإستناد الي القرائن لا يتناسب التعريف الحقيقي فضلاً عن الإبتعاد عنه في مثل الحدية الذاتية . 4 ـ التعريف بالفاظ العموم أيضاً لا تكشف الستار عن هوية المعنى الموضوع له سواء كانت باداة أو النكرة في سياق النفي أما العموم المخصص فعلى الخلاف في إجمال العام وعدمه، وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة الى عدم الإجمال كما عليه المعتزلة[11]. والّذي نختاره أن العموم يرتفع إجماله بمجرد ورود المخصص عليه ولذا يحمل العام عليه ويكون موضحاً له ويصح إتيان التعريف في مثل هذه الحالات قولك ما الحيوان تجيبه كائن حي أو له روح أو ما هم السادات تقول من ولد هاشم الى غير ذلك من الأمثلة، وسوف نوضح هذا الموضوع بمناسبات أخرى . ولنرجع في الحديث حول الإشتراك اللفظي مرة أخرى فإنه إذا قصد تعريف موضوع بلفظ مشترك رددته بين معان كثيرة والترديد في المعنى لا يأخذ الشكل الواقعي لحقيقة الشيء بل يوجب الإجمال وعدم الوقوف على المعنى الموضوع له اللفظ، وهذا لا يؤثر فيما لني عليه من كون الوضع علاقة بين اللفظ والمعنى بلحظها الواضع لأجل دلالة اللفظ على المعنى أو أنه علامة أو تعهد أو أنه جعل وجوداً تنزيلياً لوجود المعنى أو بمعنى القرع والإقتران الشرطي كما عليه السيد الصدر[12]. وإن كان الّذي نرتئيه إرائة اللفظ الا أن المرآتية والكاشفية قد تكون بنحو المعنى الحرفي والمعنى الفنائي أو من المعاني كالعلم للمعلوم واللفظ في واقعه يعطي الضوء على المعنى. فأما أن نتصور اللفظ بالقياس للمعنى بنحو الإراءة والكاشفية أو بنحو فناء العنوان في المعنون. والّذي يبدو لدينا هو الثاني دون الأول لعدم استقلالية اللفظ في عالم التصور واللحاظ لأنّه لو كان مشيراً لا ستدعى الإستقلالية . وعدم وقوع التعريف لا يفرق الحال في هذه الماني الا من ناحية وقوع اللفظ بنسبة واحدة لسائر المعاني أما إذا تجلى اللفظ لأحد المعاني فيحمل اللفظ على اظهر المعاني المتجلية فيه ويكون التعريف من نوع شرح الإسم وليس من نوع المعرف الحقيقي الّذي سوف نذكره . ولو جاء اللفظ المشترك بطريق التثنية أو الجمع فلا يصح التعريف فيهما لعدم كاشفية اداة التثنية والجمع في تحديد المعنى الموضوع له لأنّ اداة التثنية وهي الألف والنون أو الوأو والنون قد يشيران الى اتحاد النوعية والسنخية من طبيعة واحدة وقد يوجبان التعدد في الحقيقة . والّذي نعتقده أن اللفظ في صياغة التثنية والجمع يقعان على نحو الإتحاد النوعي والإشارة الى وحدة الحقيقة، وعلى ضوء ما تطرقنا اليه نقدم اليك بعض النقاط لخروج التعريف عن إطارها وشبكتها . 1 ـ تردد المعنى على نحو البدلية فإنه لا يتم التعريف إذا كان المعنى مردداً بين معنى ومعنى آخر لأنّ التعريف قائم على الثبات والجزم . 2 ـ اللفظ المطلق الّذي قصد به الإهمال فإنه لا بد من إتجاه اللفظ الى المعنى الموضوع له فذا قلت تزوجت الحوراء أو ذات الساقين لا يمكن أن يتعين المعنى من محرد الإطلاق إلا أن تكون قرينة على التعيين . 3 ـ عموم المجاز كقولك لا أضع قدمي في دار بني فلان فشمل الراكب والناعل والحافي والماشي لأنّ المعنى مردد بين هذه المعاني أو كثر بنحو البدلية ويكشف هذا عن عدم الإستقرار على موضوع معين، والتعريف لا بد أن يقع على محل ثابت ومستقر وتردد المعنى بين فردين أو أكثر يكون في مرحلة الإجمال وعدم تعيين المعنى المقصود. وأما اللفظ المطلق، وهو الّذي قصد به الطبيعة المهملة الشاملة للابشرط المقسمي واللابشرط القسمي فأيضاً لا يدل اللفظ على واقعية المعنى إذا استعمل اللفظ في هذا المعنى بنحو التقييد وأما استعمال اللفظ في عموم المجاز فلا توضح المجازية الصورة الكاملة عن ذات المعنى فإذا قلت عرفني القاطرة فيجيبك أنها تسير علي الخط الحديدي لايكون هذا التعريف مقبولاً لأنّه يقع موضحاً لبيان الموضوع له وهكذا في قولك ما السفينة عندما يكون جوابك أنها تشق عباي الماء، أو ما كان لها هدير، وهكذا لو قلت عرفني الماشي وكان جوابك هو الناعل أو الراكب، والملاك في عدم صحة التعريف لوجود المعاني العرضية مرددة بين معان. [1] . كفاية الأصول ج1 ص207 ط حجرية محمد كاظم الخراساني .
[2] . منتهى الأصول ج 1 ص 481 ط 2 بوجنردي .
[3] . تهذيب الأصول ج 1 ص160،161 ط 1979 م الطبعة الاولى مطبعة الآداب النجف المؤلف عبدالأعلى السبزواري .
[4] . بحوث في علم الأصول مباحث الدليل اللفظي ج 3 ص 444 تقريرات السيد الصدر تأليف السيد محمود الهاشمي.
[5] . القرطبي ج 16 ص38 ج 9 ص 245 و ج 18 ص 248/ و ج 12 ص 68 .
[6] . التبصرة ص 177 تحقيق الدكتور محمد حسن هيتو دار الفكر دمشق ط عام 1980 م
[7] . أصول السرخسي ج1 ص 163 .
[8] . التبصرة ص 185 .
[9] . كفاية الاصول ج1 ص30 .
[10] . التمهيد لأسنوي ص42 .
[11] . راجع الإبهاج لإبن السبكي ج 2ص84 راجع أيضاً نهاية السؤول ج2 ص84 .
[12] . 1 الماكمات بين الكفاية والاعلام الثلاثة تقريرات سماحة الوالد ج1 ص 143 راجع أيضاً بحوث في علم الأصول ج1 للسيد الصدر.
|