|
7 ـ المكي و المدني
س 7 ـ عرّف مصطلح المكي و المدني بعدة تعاريف تختلف بحسب اتجاهات
الباحثين في علوم القرآن و قد نجم عن هذه الاختلافات اختلاف ـ الخطاب ـ الاسلام
المعاصر بين دعاة يؤسسون برنامجهم على مرحلة العهد المكي و آخرين يؤسسونه على مرحلة
العهد المدني كيف نوحد رؤيتنا الاسلامية اليوم لكلا المرحلتين؟
ج ـ صدق المكي و المدني على السورة و الآية و لكن هذا البحث يكوّن
عدة علاقات:
1 ـ علاقتهما بالناسخ بالمنسوخ.
2 ـ علاقتهما بالنزول.
3 ـ علاقتهما بالزمان.
4 ـ علاقتهما بالمكان.
و قبل معرفة وجه العلاقة فيما بين هذه الأمور مع المكي و المدني تكون
السورة أو الآية مكية و مدنية في موضوع واحد كما في سورة الفاتحة كما يذكر مجمع
البيان و قيل انزلت مرتين مرة بمكة و مرة بالمدينة.
و ذكر السيد الأستاذ الخوئي رضوان اللّه عليه ان محل نزولها ـ المعروف ان
هذه السورة مكية، و عن بعض أنها مدينة و الصحيح هو القول الأول
و اطلاق السبع المثاني على الفاتحة كما يطلق السبع المثاني في سورة الحجر نزلت قبل
فاتحة الكتاب و هي قوله تعالى: «و لقد آتيناك سبعا من المثاني و القرآن العظيم».
و سورة الحجر مكية بلا خلاف فلابد أن تكون فاتحة الكتاب مكية أيضا.
و ذكر السيد الأستاذ الخوئي في البيان بقوله و ذهب بعض الى آنهانزلت مرتين
مرة في مكة و أخرى في المدينة تعظيما لشأنها و هذا القول محتمل في نفسه و ان لم
يثبت بدليل.
و ذكر الجعبري ان لمعرفة المكي و المدني طريقتين سماعي و قياسي فالسماعي
ما وصل الينا نزوله باحدهما و القياسي قال علقمة عن ابن مسعود كل سورة فيها «يا
أيها الناس» فقط أو (كلا) أو أولها حرف تهجّ سوى الزهراوين (البقرة و آل عمران)
و الرعد ـ و في وجه ـ أو فيها قصة آدم و ابليس سوى الطولى (البقرة) أو فيها قصص
الأنبياء و الأمم الخالية فهي مكية و كل سورة فيها حد أو فريضة فهي مدنية و في
رواية و كل سورة فيها «يا أيها الذين آمنوا»فهي مدنية.
قال الزركشي و هذا القول ـ الأخير ـ ان أخذ على اطلاقه ففيه نظر فان سورة
البقرة مدنية و فيها «يا أيها الناس اعبدوا ربكم»
ـ في الهامش و فيها «يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً»
و سورة النساء مدنية و فيها «يا أيها الناس اتقوا ربكم»
و فيها «ان يشأ يذهبكم أيها الناس»
ولكن مثل هذا ليس على نحو الضابطة و ان ورد على نحو الغالب و لذا قال مكي بن حموش
هذا انما هو في الأكثر و ليس بعام و في كثير من سورة مكية «يا أيها الذين آمنوا»ولكن
عند الاستقراء لم نجد ما يثبت ان السورة المكية تعرضت لمثل يا أيها الذين و انما
تعرضت لكثير في مثل (الذين آمنوا) كما في سورة ص و الزمر و غافر و فصلت و نحوها و
ان زعم الزركشي ان ما ورد في قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا»
بانها مكية بالاسم إلا أنهافي الحقيقة مدنية و ليس مكية.
و قال القاضي ابوبكر كانت العادة تقضي بحفظ الصحابة ذلك غير انه لم يكن
من النبي صلىاللهعليهوآله في ذلك قول. و لا ورد عنه صلىاللهعليهوآله انه
قال ما نزل بمكة كذا و بالمدينة كذا و انما لم يفعله لأنه لم يؤمر به و لم يجعل
اللّه علم ذلك من فرائض الأمة و كذلك الصحابة و التابعون من بعدهم لما لم يعتبروا
ذلك من فرائض الدين لم تتوفر الدواعي على اخبارهم به و مواصلة ذلك على اسماعهم و
اذا كان الأمر على ذلك ساغ ان يختلف من جاء بعدهم في بعض القرآن ـ هل هو مكي أو
مدني و أن يعملوا في القول بذلك ضرباً من الرأي و الاجتهاد.
كما ان هناك تصوراً آخر يمكن أن نعبر عنه في بيان معرفة المكي عن المدني
يرجع الى ضوابط معيارية:
1 ـ الاختلاف بينهما بمميز لفظي.
2 ـ الاختلاف بينهما بمميز معنوي.
3 ـ الاختلاف بينهما بمميز زماني.
4 ـ الاختلاف بينهما بمميز مكاني.
و توضيح هذه الاختلافات فان ما يرتبط بالمميز اللفظي و ذلك ان ينظر لجهة
الفرق بين المكي و المدني ان في المكي مثل يا أيها الناس و لكن اتضح ان ورود يا
أيها الناس للمكي بنحو الغالب و ليس على نحو المقياس الكلي في بيان الفرق ان ما يرد
فيه يا ايها الناس للمكي خاصة و لذا اشار مكي بن حموش انما ورود ذلك انما هو الأكثر
وهذا لا يعطى أن يفرق بينهما بنحو الاختلاف اللفظي دائما.
كما ان المدني يختلف تعبيره اللفظي عن المكي في تصدير الآية بقوله تعالى
«يا أيها الذين آمنوا» ولكن بما اشرنا الى عدم اعطاء ضابطة كلية في كل ما
تتصدر به الآية من قوله «يا أيها الذين آمنوا» اذ في مثل ما ورد في البقرة
مع كونها مدنية قد ورد فيها التصدير «يا أيها الناس»
و كذا في سورة النساء في قوله تعالى: «يا أيها الناس اتقوا ربكم»
و كذا قوله تعالى: «ان يشأ يذهبكم أيها الناس».
و حكي عن علقمة و الحسن انه قال كل شيء في القرآن «يا أيها الناس»فانه
مكي و ما كان «يا أيها الذين آمنوا» فبالمدينة قال القاضي هذا الذي ذكروه ان
كان الرجوع فيه الى النقل فمسلم و إن كان السبب فيه حصول المؤمنين بالمدينة على
الكثرة دون مكة فهذا ضعيف لأنه يجوز أن يخاطب المؤمنين مرة بصفتهم و مرة باسم جنسهم
و قد يؤمر من ليس بمؤمن بالعبادة كما يؤمر المؤمن بالاستمرار على العبادة و
الازدياد منها فالخطاب في الجميع ممكن.
2 ـ و أما الاختلاف بالمميز المعنوي و هو أن ينظر للآية المكية بما فيها
جهة الوعيد و الخوف و التحذير من العقاب و العذاب الأليم و ينظر للآية المدنية بما
فيها من الوعد و الرحمة و الخير و اللطف الآلهي للمؤمنين الذين أقبلوا على الطاعة
والحب الآلهي و الذين تركوا لذة الحياة و أقبلوا على دار الآخرة بكل شوق و حسن نية
صادقة من غير نفاق و إنما انصاعوا للحق المطلق و اقتربت نفوسهم إلى درجات الكمال.
و يمثل هذا المميز المعنوي طبيعة الآية في مقام التخاطب بين القرآن و بين
العارف الحقيقي للمسيرة القرآنية المنعكسة على عمله و سلوكه و يرجع هذا النوع إلى
القدرة الاستنباطية لملكة المستنبط.
3 ـ و أما الاختلاف بالمميز الزماني كما يحدثنا يحيى بن سلام (ما نزل
بمكة أو في طريق المدينة قبل أن يبلغ صلىاللهعليهوآله فهي مكية و ما نزل بعدما
قدم صلىاللهعليهوآله المدينة أو في بعض أسفاره و حروبه فهو مدني قال جلال الدين
و هذا أثر لطيف يؤخذ منه أن ما نزل في سفر الهجرة مكي اصطلاحا.
فيكون المعتبر في الفرق بين المكي و المدني لحاظ هجرة النبي
صلىاللهعليهوآلهووصوله إلى المدينة فما قبل الهجرة ان نزل الوحي القرآني عليه
صلىاللهعليهوآله أو كان النزول في أثناء الطريق قبل وصوله إلى المدينة يعتبر
مكيا و ما بعد نزوله إلى المدينة يكون مدنيا و يمثل هذا النوع بالاعتبار الزمني بما
قبل الهجرة و ما بعد الهجرة حتى لو كان ما قبل وصوله إلى مكة يعتبر من المكي دون
المدني كما أنه لو كان بعد الهجرة و لو في غير المدينة كما لو كان في عام الفتح و
كان في مكة أو في حجة الوداع يعتبر مدنيا و ليس بمكي و يكون على هذا الاتجاه أن ما
نزل في الغزوات والحروب والأسفار يعتبر من المدني لأن الملاك فيها نزولها بعد
الهجرة.
فمثل قوله تعالى: «إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد»
تعتبر مدنية و ليست مكية حيث نزلت في الجحفة و هي في طريق الهجرة إلى المدينة.
4 ـ و أما الاختلاف بالمميز المكاني و هو أن ينظر إلى أن الفارق بين المكي
و المدني بلحاظ المكان الذي نزل فيه القرآن فإن كان نزول القرآن في مكة و ما حولها
يطلق على الآية أو السورة مكية و إن كان نزول القرآن في المدينة و ما حولها يطلق
على الآية أو السورة مدنيّة و ما خرج عن المكانين فلا يسمى بالمكي و لا بالمدني
كقوله تعالى «كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا
إليك و هم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت و إليه متاب».
حيث إن مثل هذه الآية نزلت بالحديبية حينما صالح النبي
صلىاللهعليهوآله شركي قريش قال رسول اللّه صلىاللهعليهوآله لعلي
عليهالسلام اكتب بسم اللّه الرحمن الرحيم فقال سهيل بن عمرو و سائر المشركين ما
نعرف الرحمان إلا صاحب اليمامة ـ يعنون مسليمة الكذاب فنزلت الآية و هكذا آية
الأنفال ـ )
فإنها نزلت في بدر عندما اختصم المسلمون في تقسيم الغنائم
و هي ليست بمكية و لا مدينة.
و على ضوء هذا الاختلاف في ناحية معرفة المكي عن المدني أوجب اختلافا في
كثير من الآيات و السور هل هي مكية أم مدنية كما في مثل قوله تعالى: «إنَّ
اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها و إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل
ان اللّه نعّما يعظكم به إن اللّه سميعا بصيرا»
أما البحث بما يخص العلاقات بين المكي و المدني و بين الناسخ و المنسوخ.
أ ـ علاقتهما بالناسخ و المنسوخ
بمقتضى حصول الاختلاف بين المكي و المدني و إن تعريف النسخ هو رفع أمر
ثابت في الشريعة المقدسة بارتفاع أمره و زمانه سواء كان ذلك المرتفع من الأحكام
التكليفية أم الوضعية و سواء كان من المناصب الإلهية أم غيرها
و قد وردت فيه عدة تعاريف لسنا في حاجة إلى سردها مع ما بنينا على المناقشة في
التعاريف جميعا و عدم إمكان الوصول إلى تعريف حقيقي فعليك بمراجعة ما كتبناه في
عناصر العلوم.
و المهم أن ما يناسب موضوع بحثنا هو وجود العلاقة بين المكي و المدني و
بين الناسخ و المنسوخ و هذا يحتاج إلى استعراض شروط النسخ و تقع على النقاط الآتية:
أ ـ حصول المباينة الحقيقية بين التشريع الأول و التشريع الثاني و
الاختلاف الذاتي بحيث لا يمكن تصوير الجمع بين التشريعين أساسا كآيات العفو و الصفح
وآيات القتال أو بين آية الامتناع إلى الحول و بين آية الاعتداد بأربعة أشهر و عشرة
أيام و آية المواريث فإن بين هذه الآيات يمكن النسخ لحصول التنافي، و أما عند عدم
حصول المباينة فلا يصدق عليه نسخا كما في آية الانفاق و آية الزكاة.
ب ـ من جملة شروط النسخ عدم إمكان الجمع بين التشريع الأول و الثاني كما
في صورة الجمع بين المطلق و المقيد و العام و الخاص فإن الحمل فيها يوجب التوفيق
بين الدليلين و لايتصور فيهما النسخ فإن مثل آية القواعد من النساء في قوله تعالى:
«والقواعد من النساء اللاتي لايرجون نكاحا فليس عليهنّ جناح أن يضعن ثيابهنَّ
غير متبرجات بزينة و أن يستعففن خير لهن واللّه سميع عليم».
لا تقع ناسخة لآية الغض الوارد في سورة النور في قوله تعالى: «وقل للمؤمنات
يغضضن من أبصارهن و يخفظن فروجهن و لايبدين زينتهن إلا ما ظهر منها»
إذ الآية الأولى ناظرة إلى حكم الخاص و الثانية ناظرة إلى حكم العام فلا يمكن أن
يقع النسخ بين العام و الخاص.
ج ـ إذا كان الحكم في مقام أصل جعله محددا و صريحا في التوقيت فهو بذاته
ينتهي أمده تلقائيا من غير حاجة إلى وجود نسخ رافع له مثل قوله تعالى: «فقاتلوا
التي تبغي حتى تفىء إلى أمر اللّه»
إذ لامجال لورود النسخ بعد أن تفيء وهي الطائفة المعتدية (الباغية) بعد رجوعها إلى
السلم و الخضوع لحكم اللّه.
دـ ما يختص به موضوع النسخ في الأمور الانشائية دون الأمور الخبرية فإن
مثل قوله تعالى: «ثلة من الأولين و ثلة من الآخرين»
لايكون ناسخا لقوله تعالى «ثلة من الأولين و قليل من الآخرين»
كما ذكر مقاتل بن سليمان أن الآية في مقام الإخبار عن قضية خبرية فلا تتغير بالوجوه
و الاعتبار.
و إذا كانت الإباحة ثابتة بطريق البراءة العقلية فبورود النسخ لا تسمى
المنسوخة لأن موضوعها في ظرف عدم التشريع لأنه بورود التشريع يرفع موضوعها كما في
قوله تعالى: «فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره»فإن
مثل هذه الآية لا ناسخة لقوله تعالى «و ما على الذين يتقون من حسابهم من شيء».
لأن جواز القعود قبل نزول آية النساء لم يكن مستفادا من آية الأنعام و إنما كان على
مقتضى جريان أصالة البراءة العقلية (البراءة الأصلية) و إنما نزلت آية الأنعام لدفع
توهم الحظر لأن النهي كان مختصا بالنبي صلىاللهعليهوآله فتوهم المسلمون شموله
للمؤمنين.
5 ـ مما يشترط في النسخ وحدة الموضوع بين موضوع الحكم الأول و موضوع الحكم
الثاني لأنه في ظرف تبديل موضوع حكم إلى موضوع آخر لابد من تغير الحكم تبعا لتغير
موضوعه لإناطة الحكم بموضوعه و تقيده به و بذلك لايصدق في مثل قوله تعالى: «إلاّ
الذين تابوا واصلحوا و بينوا»
أن تقع ناسخة لقوله تعالى «إنّ الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات و الهدى»
لأن الذي بيّن غير الذي يكتم.
و بذلك نلاحظ الكثير ممن توسع في دائرة النسخ لعدم معرفته في موارد
الاستثناء و التخصيص عند ورودهما على حكم العام حيث جعلوهما من أقسام النسخ مع أن
الأمر ليس كذلك.
و هناك موارد أخرى مما توجب رفع الحكم الأولي وورود حكم ثانوي مثل الدليل
الاضطراري أو دليل الحرج و التقية و إن كان الاختلاف بين الاضطرار و الحرج يقصد بها
الضرر الشخصي و بين التقية يراد بها الضرر النوعي و على أي الحالين فإنه عبد ورود
الدليل الثانوي لايكون ناسخا في مثل قوله تعالى: «فمن اضطر غير باغ و لا عاد فلا
إثم عليه».
لقوله تعالى «إنما حرم عليكم الميتة و الدم».
و يمكن بهذا العرض أن نرجع إلى وجه العلاقة بين المكي و المدني و الناسخ و
المنسوخ بما تتجلى في إحدى المميزات و هما المميز المعنوي إذ يثبت جهة الاختلاف بين
المكي و المدني مع الناسخ و المنسوخ و ذلك لحصول المعاينة بين التشريع الأول و
التشريع الثاني فتكون حقيقة التشريع فيما بينهما مختلفة و هذا لا يتحدد إلا لجهة
اختلاف التشريع على اختلاف ما يحتويه مؤدى المكي و المدني و عليه لابد من حصول
العلاقة بينهما لارجاع كل من المكي و المدني إلى شرطية الناسخ و المنسوخ في جهة
الاختلاف الواقعي بين التشريعين.
ب ـ
علاقتهما بالنزول
بما أن النزول يحقق سببية واقعية كما ورد في قول المسعودي أول ما نزل
عليه صلىاللهعليهوآله من القرآن (اقرأ باسم ربك) و أتاه جبرائيل في ليلة السبت
ثم في ليلة الأحد و خاطبه بالرسالة يوم الاثنين و ذلك بغار حراء و هو أول موضع نزل
فيه القرآن و خاطبه بأول السورة إلى قوله « اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي
خَلَقَ * خَلَقَ الاْءِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ *
الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الاْءِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ »
و نزل تمامها بعد ذلك.
و كان ذلك بعد بنيان الكعبة بخمس سنين على رأس عشرين سنة من ملك كسرى
ابرويز و على رأس مئتي سنة من يوم التحالف بالربذ.
و الملاحظ أن النزول لايحقق جهة التقييد في المحل و إنما هو أعم من المكان
و الزمان فإن مثل قوله تعالى: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن»
و قوله تعالى: «انا أنزلناه في ليلة مباركة».
و قوله تعالى: «إنا أنزلناه في ليلة القدر»
فإن كل هذه الآيات في اتجاه الحالة العروضية في حال الانزال و إن كان ذلك يصادف
الشهر و الليلة و أنها في ليلة القدر و هذا لايحدد أن ما ينزل عليه لابد أن يحدد
بالمكان أو الزمان على نحو التقييد لأن مقام الانزال أعم من ذلك لأن حال الانزال
ليس حقيقة عين التعلق بطرف الإضافة و هو إما المكان أو الزمان لأن الآيات ناظرة إلى
جهة إثبات حقيقة ماوراء المكان و الزمان و يثبت من ذلك أنه لاعلاقة بين المكي و
المدني والنزول من حيث هو بدون لحاظ طرف الإضافة في مقام التعلق.
و يتجلى بما حررناه أنه فرق بين النزول و حال النزول و المنزل بالفتح و
المنزل عليه و المنزل بالكسر و النزول و مقارنته للمحل أو الزمان أو النزول و
تفييدة بالمحل أو الزمان لأن لكل واحد أسسه و قواعده.
ج ـ
علاقتهما بالزمان
يقع الحديث على وجود العلاقة بين المكي و المدني و بين الزمان و لا يخفى
أن معرفة الزمان تارة بحسب النظر الفلسفي بما يراه ملاصدرا الشيرازي أنه وجود
تحليلي عقلي، وإنما الاختلاف في الزماني دون الزمان إذ الاختلاف بالنسبة إلى متعلق
الزمان دون ذات الزمان فإذا قيل قرن أو عام أو شهر أو أسبوع أو يوم أو ساعة فإن
الاختلاف ليس في واقع الزمان و إنما بلحاظ الإضافة و المتعلق و أخرى ذهب بعض
الفلاسفة القدماء إلى الاختلاف في حقيقة الزمان و ذلك عن طريق حركة الأفلاك أو
تعاقب الليل و النهار أو التصرمات الآنية فإن كل هذه الأمور لاتوجب اختلافا في ذات
الزمان و إنما هو حقيقة واحدة.
وإما إذا أخذنا الزمان بالمنظار العرفي إذ قيام الاعتبارات العرفية و
الشرعية قائمة على الأمور الاعتبارية دون الأمور العقلية فلابد من تحديد الحدث و
الواقعة بزمان لكي يترتب عليه الأثر الشرعي و لكن في الحقيقة أن مثل صوم شهر رمضان
و نزول القرآن في ليلة القدر و بعثة النبي صلىاللهعليهوآله في سبعة و عشرين من
رجب كلها في مقام الزمانيات و ليست في مقام الزمان نفسه و على أي حال فإن العلاقة
الزمانية بين المكي و المدني لا تثبت موقفا تحديدا فيما بينهما و لذا أشرنا في جهة
المميز الزماني و بما ينزل على النبي صلىاللهعليهوآله من الوحي في حال الهجرة و
ليس للمكان من طرف المكي أو من المدني ما يوجب تقييدا و عليه لم تثبت العلاقة بين
المكي و المدني و الزمان المتقيد بهما لا بالنظر إلى كلي الزمان الذي أخذ فيه جهة
التقارن بين الفعل و الزمان فإن ذلك له مفهوم آخر.
د ـ
علاقتهما بالمكان
إن لحاظ الخصوصية المكانية في مقام النزول القرآني مثل قوله تعالى: «فولِّ
وجهك شطر المسجد الحرام»
يثبت أنَّ الخصوصية المكانية لها أثر تشريعي تارة لبيان موضوع حكم التشريع كموضوع
القبلة و أخرى لبيان منطلق التشريع من المحل الخاص و هو في مسجد القبلتين في
المدينة و ثالثة لبيان أن إناطة التشريع أن يكون مقومه خصوصية المدنية دون المكية و
هو ما نعبر عنه بتتابع الخصوصيات المكانية.
و هناك ملاحظة أخرى في أن التقييد بالمكي و المدني لايراد به التحديد
الجغرافي وإنما المراد به على نحو الانتساب الإضافي و هو الذي توصلنا إليه عن طريق
استخراج مضامين البقعتين بماينطويان على علاقة مجتمعهما العقائدي في المحل فتكون
الملاحظة إضافية بما للمستنبط من القدرة في استنباط مضمون ما تناسبه الآية أو
السورة من مناغمة التخاطب بين القرآن المكي و بين القرآن المدني فيكون التحديد فيها
على نحو الأمر التلقائي و ليس على نحو الأمر الاشتراطي الخاضع تحت الجعل.
. البرهان للزركشي ج 1 ص 190 ـ192.
. التفسير الكبير للفخر الرازي ج 2 ص 82ـ83.
. البرهان ـ الزركشي ج 1 ص 197.
. السيرة لابن هشام ج 2 ص 322.
. البيان للأستاذ السيد الخوئي ص 277ـ278.
. الواقعة 39ـ40
. النساء 140.
. تلخيص التمهيد ص 419 ـ للعلامة الشيخ هادي معرفت.
. هامش الجلالين ج 2 ص 160.
. تلخيص التمهيد ص 419ـ420. البقرة 173.
. مروج الذهب للمسعودي ج 2 ص 282.
. البقرة / 144 ـ 149 ـ 150
|