12 ـ صراع ملكات الانسان

 

 

          س 12 ـ ماذا يريد القرآن من الانسان؟ و كيف تصور مبادؤه و قيمه و تعاليمه مهمة استخلاص الانسان على الأرض.

          ج ـ بما للانسان من ملكات يحملها بين وجوده وطيات نفسه تتصارع بعضها مع بعض ولكن هناك وجود حاكم عليها هو العقل الذي أوّل ما خلقه اللّه‏ فقال له أقبل فاقبل وقال له أدبر فادبر و لم يكن هناك مفارقة منهجية و بين المنهج الشرعي لحصول التلازم بين حكم العقل و حكم الشرع.

          و على ضوء هذه اللمحات يتناسب أن نتناول دور هذه القوى و الملكات ثم بعد ذلك نبحث عن مبادى‏ء الإنسان و قيمه و تعاليمه بما يصلح أن يكون خليفة على وجه الأرض و هذا يستدعي تقديم عدة نقاط.

 

أ ـ قوة النفس

          و من المعلوم أن البحث يقع تارة في القوة من حيث هي و أخرى البحث عن إضافة القوة للنفس ثم أن الكلام في بيان معرفة النفس بما هي أمر تجريدي أو أمر مادي ولكن أشرنا إليه في كتابنا نقد المذهب التجريبي و هناك موضوعات أخرى تتفرع من
دائرة النفس كما أنه تطلق النفس على النامية والحيوانية و الناطقة و إن الفصل الحقيقي لدى الفلاسفة للإنسان النفس الناطقة.

          إلا أن المهم هو معرفة معنى القوة و المراد بالقوة عبارة عن تلك الطاقة التي توجب من خلالها وجود أثر يختلف بلحاظ متعلقه أو بعبارة أخرى أن القوة هي مبدء التغير من شيء إلى شيء آخر من حيث هو و عليه يختلف بحسب ما تضاف إليه القوة من الأمور الطبيعية كالهواء و الماء و الحجر و الزلزال والصاعقة و النار فيقال كم مقدار قوة سرعة الهواء؟ و كم سرعة جريان الماء؟ و كم ضربة الحجر؟ و كم يساوي وزنه أو ضربة الملاكم (كلاي)؟ كم وزن ضربته أو كم سرعة الصاروخ الفلاني عند أول انطلاقه إلى وصوله للمكان الفلاني و هل يخرق نسبة سير الضوء و عليه تكون القوة معنى عاما يشمل القوة الفاعلة و المنفعلة كما تطلق القوة على مرحلة القوة والعقل أيضا. بما تضاف إليه القوة بالنسبة إلى المحركة الحيوانية حيث قال الشيخ ابن سيناء في الفصل الخامس من المقالة الأولى من الفن السادس من الطبيعيات ـ القوة المحركة على قسمين اما محركة بأنها باعثة على الحركة و إما محركة بأنها فاعلة لها و المحركة على أنها باعثة هي القوة النزوعية الشوقية و هي القوة التي إذا ارتسمت في التخليل صورة مطلوبة أو مرهوبة عنها بعثت القوة المحركة الأخرى على التحرك ولها شعبتان شعبة تسمى قوة شهوانية وهي قوة تنبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المتخلية ضرورية كانت أو نافعة طلبا لللذة و شعبة تسمى غضبيّة و هي قوة تنبعث على تحريك يدفع به الشيء ضارا أو مفسدا طالبا للغلبة[1].

         و بذلك سار صاحب المنظومة إلى تسمية القوة بالشوقية تبعا لمذهب ابن سيناء و الغرض أن ما تختلف به القوة بالقياس إلى إضافتها للمتعلق فتنسب إلى متعلق به كالقوة الشهويّة والقوة الغضبيّة و القوة الرياضية النفسية.

          و أما البحث بالنظر إلى مرتبة إضافة القوة إلى النفس الذي هو موضوع انطلاق
بحثنا لأن إضافة القوة إلى النفس بما أنها كمال أول للجسم و لا نعني بالجسم الجانب المادي كما يتصور في تعريف النفس و إنما المراد به بما أن النفس كمال أول لجسم طبيعي كما يشير إليه ملاصدرا إذ ليست النفس كمالاً للنار و لا للأرض بل النفس التي في هذا العالم كمال لجسم طبيعي يصدر عنه كمالاته الثانية بالآن يستعين بها على أفعال الحياة كالإحساس والحركة الإرادية[2].

         كما أن المراد من كمالها للجسم الطبيعي هي عبارة عن صورة تخرج بها المادة عن دائرة القوة إلى دائرة الفعل و بهذا المنظار يكون الكمال في مرتبة يصبح النوع له وجود بالفعل و أما إذا أخذنا الكمال على نحو الفصل الحقيقي الذي يستوجب خروج الجنس عن ابهامه إلى مرتبة التحصل يكون الكمال عندئذ ما يتبع النوع في تقرره كالعلم و القدرة للإنسان و لذا يقولون فبالأول يتم النوع في ذاته و بالثاني يتم النوع في صفاته و الأول يتوقف الذات عليه و الثاني يتوقف على الذات[3] و عليه تكون إضافة القوة للنفس نظير علاقة الحواس للنفس في ناحية الاستخدام من غير أن يخضع تحت أمر و نهي و إنما هي منقادة تلقائيا.

 

ب ـ النفس النباتية

          أطلق الشيخ ابن سيناء (370 ه ـ 428 ه ـ / 980 م ـ 1027 م) في كتابه الشفاء النفس على النباتية و عرفها بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يتولد و يربو و يولد[4].

         والمراد بالتولد عن طريق الغذاء و المراد به تلك القوة التي تحيل جسما إلى مشاركة الجسم الذي هي منه و بذلك يذهب الخط الفلسفي التقليدي كما عليه اتجاه ابن سيناء بأن النفس النباتية ترتكز على ثلاث قوى:


 

          أ ـ القوة الغاذية و هي التي تحيل جسما إلى مشاكلة الجسم الذي هي فيه.

          ب ـ القوة المنمية و هي ما تستدعي زيادة في الجسم.

          ج ـ القوة المولدة و هي التي تستخرج من مادة مشابهة لتلك المادة من الجسم من جهة القوة.

          نكتفي بهذا العرض الموجز للإرجاع إلى العلوم الحديثة في معرفة البنية النباتية وجذورها و أنواعها من غير أن نخوض بمطالب فلسفية تقليدية إلا أن المهم أن هناك نقطة مشتركة في ناحية الجسم النامي و الحيوان المتحرك بالإرادة العاقلة أو بالإرادة الغريزية وإن كلا من هذه الأمور تحمل طاقات و قوى تختلف باعتبار متعلقاتها و لكن ينبغي أن يذكر في النباتية القوى النباتية فهو أجدر مما ذهب إليه ابن سيناء.

 

ج ـ النفس الحيوانية

          إن المعنّي بالنفس الحيوانية هو الشعور بالحركة عن إرادة إما مدركة للكليات عن طريق القوة العاقلة فيدخل الإنسان أو الشعور بالحركة عن إرادة بطريق الأمور النزوعية فيشمل سائر الحيوانات غير العاقلة إلا أن مايختلف عنه سير الإنسان فإن فيه عدة طاقات كالقوة العاقلة و قوة الوهم و قوة الخيال و إن معنى القوة العاقلة هي التي يمكنه من خلالها التمييز بين الحق و الباطل و بين الخير و الشر و بين السعادة و الشقاوة كما أن القوة الواهمة فيقول ملاصدرا و أعلم أن الوهم عندنا و إن كان غيرالقوى التي ذكرت إلا أنه ليس له ذات مغاير للعقل بل هو عبارة عن إضافة الذات العقلية إلى شخص جزئي و تعلقها به و تدبيرها له فالقوة العقلية المتعلقة بالخيال هو الوهم و ليس للوهم في الوجود ذات أخرى غيرالعقل انتهى[5] وإن كنا نوافقه في هذا الاتجاه و إنما الاختلاف بلحاظ الإضافة و المتعلق كما عليه مسلكه في وحدة العقل و الروح و النفس حيث أن العقل له القدرة على إدراك المفاهيم العامة و الأمور الكلية و الروح
متعلقة بالجسد و محركة له على نحو تحرك الآلة لذي الآلة و النفس مدركة للجزئيات و هي متعلقة بالبدن تعلق التدبير و التصرف كما ستعلم، و معلوم أن بالنفس المعنية ليست مدبرة للبدن الكلي وإلا لكانت عقلاً مفارقا بالكلية[6].

 

د ـ النفس الإنسانية

          وهي المراد بحسب مصطلح الفلاسفة النفس الناطقة والتي يصطلح عليها العرف المنطقي بالناطق وهوالفصل الحقيقي له بحسب معتقدهم و هو غير النفس الناطقة و المشهوري لدى الأصوليين.

          و تكون طريقة معرفة الإنسان عن غيره بما يحمل من النفس الناطقة و إدراك الكليات كما أنه يفترق الإنسان عن غيره بحمله للكمالات و الفضائل النفسانية و يختلف عن سائر الأجناس الأخرى بالقوة العاقلة المدبرة للصورة المتخلية و الواهمة بينما أن سائر الحيوانات تنقاد للقوة المتخيلة و الواهمة ولكن الإنسان يشترك مع الحيوانات و يفترق عنها بالقوة العاقلة المدركة للكيات التي بها يميز بين الخير و الشر و بين الضار و النافع و بين السعادة و الشقاوة و يكون بها مختارا غير مجبروبها يرتقي إلى الكمالات و قوة النفس حتى يكون أفضل من الملائكة لأنها أجبرت على الطاعة و ترك المعصية كما أن بهذه القوة العاقلة يختلف عن الشيطان حتى أن فيه جهة التمرد و الطغيان على ساحة المولى.

          ولكن ما يبتنى عليه الجواب أن الإنسان مجمع الفضائل النفسانية والكمالات الأخلاقية من الصدق و الإيمان و الأمانة و الوفاء بالعهد و الحلم و الفقه و النجابة و حب الخير و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الابتعاد عن اقتراف الآثام و ترك الكذب و النفاق و الزنا و الخمر و المقامرة و طلب العلم و الارتقاء إلى المعارف الحقة و التقرب إلى اللّه‏ بالصلاة و الدعوات و الاذكار و فعل المبرات و التصدق للفقراء.


 

          كما أنه بعين ذلك يحمل طاقات مناقضة كالكذب و النفاق و المخادعة و الظلم و الهتك و سلب حق الآخرين و التلذذ بالظلم و التشفي والاستغراق به و لعب اللهو و المجون و التعدي على الأعراض و النفوس و سلب الأموال.

          و لما كان الإنسان فيه مجمع هذه الصراعات في نواحي القوى الحقة و الباطلة كان من باب اللطف على اللّه‏ سبحانه أن يرسل الأنبياء مبشرين و منذرين لطريق السعادة و السير نحو الخط المستقيم الذي به هداية البشرية جمعاء.

          وعليه فالإنسان محط نظر اللّه‏ في تعليمه و هديه و إرشاده حتى لا يكون في أخلاقه كالعجماوات و الحيوانات التي لاتعقل و إنما أراد له أن يكون أشرف الموجودات و أكملها على سطح هذا الكوكب بالأخلاق و الفضائل النفسانية لا كالبهيمة همها علفها و إنما أحب له أن يكون ملكا على وجه هذه الارض بالأخلاق الكريمة و النفس الفاضلة.

          ليس من البشرية و الأخلاق أن يقتل الإنسان الإنسان و يتعدى على كرامته و سلب حقوقه و هو ينادي بالعدالة مع كونه غير مطبق لها؟

          إن ما نشاهده كل يوم في التلفاز و المذياع و الصحيفة و سائر الطرق الإعلامية قتل بالمكان الفلاني و حصل الانفجار بالمكان الفلاني و هجمت الطائفة الفلانية على الطائفة الفلانية إما بخلاف عقائدي وإما بخلاف قومي أو إقليمي و الضعيف يقع تحت هذه البراكين الساخنة فأين العدالة و أين المساوة و أين طالب الدفاع عن حق المظلومين الأبرياء و أين يقظة الضمير و أين الفكرة الحرة و أين حقوق الإنسان؟ كلها ألفاظ عابرة و كلمات فارغة و أصوات مثيرة.

          وإنما على الإنسان ان يرجع إلى صوابه و ينتبه من غفلته و رقاده و يبتعد عن عصبيته فإن القرآن هو هديه و إرشاده و به إصلاحه و اعتداله إذ القرآن هو المجمع لمسيرة الحياة الإنسانية عبر الأجيال حامل للقيم و التعاليم و العبر و المواعظ و الإرشاد و العدالة و المساواة و يريد بالإنسان أن يكون هو الخليفة اللّه‏ على وجه
الأرض عندما يطبق القانون بحذافيره و لم يدخل تحت الأمور الاعتبارية و المصالح الفردية.

          وقد ورد عن صاحب الفتوحات في الباب الحادي و الستين و ثلثمائة إن الإنسان الكامل خليفة اللّه‏ مخلوق على صورة الرحمان بعدما روى الحديث الآلهي لأهل الجنة من أنه ورد في خبر أهل الجنة يأتي إليهم الملك فيقول بعد أن يستأذن عليهم في الدخول فإذا دخل ناولهم كتابا من عند اللّه‏ بعد أن يسلّم عليهم في الدخول فإذا في الكتاب لكل إنسان يخاطبه من الحي القيوم إلى الحي القيوم أما بعد فإني أقول للشيء كن فيكون و قد جعلتك اليوم تقول للشيء كن فيكون.

          و قال  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فلا يقول أحد من أهل الجنة لشيء كن إلا ويكون[7].

         فإذا سار الإنسان على نهج الحق و الرشاد و طبق ما فرضته الشرائع و الأديان الحقيقية واعترفت بها رسالات السماء و لاسيما أن ما هو أكمل الأديان بعد اليهودية و النصرانية هو الإسلام فيكون الإنسان هو الخليفة الشرعي الذي يرشد القرآن إليه بقوله: «إنا جعلناك خليفة في الأرض»[8] فيكون الخطاب للإنسان و ليس للفرد الخاص لأن المورد لايخصص الوارد.


 

[1] . الشفاء الطبيعيات.

 

[2] . الحكمة المتعالية ج 8 ص 15 ـ16.

 

[3] . درر الفوائد للآملي ج 2 ص 296.

 

[4] . الشفاء.

 

[5] . الحكمة المتعالية ج 8 باب النفس.

 

[6] . نفس المصدر ج 8 ص 225.

 

[7] . الفتوحات المكية لابن عربي باب 361.

 

[8] . ص / 26