سورة العلق

 

بِسْمِ اللّه‏ِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ«1» خَلَقَ الاْءِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ«2» اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ«3» الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ«4» عَلَّمَ الاْءِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ«5» كَلاَّ إِنَّ الاْءِنسَانَ لَيَطْغَى«6» أَن رَآهُ اسْتَغْنَى«7» إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى«8»  أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى«9» عَبْداً إِذَا صَلَّى«10» أَرَأَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْهُدَى«11» أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى«12» أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى«13» أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللّه‏َ يَرَى«14» كَلاَّ لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ«15» نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ«16» فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ«17»

سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ«18» كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ«19»

 الأصل الموضوعي التقليدي

سبب النزول

          ذكر ان هذه السوره اول سورة نزلت من القرآن بنحو الوجود الدفعى و هى مكية و ورد عن جماعة من الروّاد انها نزلت خمسة آيات الاولى منها في مطلع نزول الوحي لما ورد في ان رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما كان في غار حراء نزل عليه الوحى اقرأ يا محمد قال ما انا بقارى‏ء فاحتضنه جبرائيل و ضغطه و قال له اقرأ يا محمد و تكرر الجواب ثم اعاد جبرائيل عمله ثانية و سمع نفس الجواب والمرة الثالثة قال
«اقرا باسم ربك الّذي خلق » الخ الى تمامية خمس الآيات من هذه السورة.

          ثم اختفى من نظر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و بعد ذلك شعر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بتعب شديد فذهب الى خديجة و قال زملونى و دثرونى.[1]

         و قد ورد الطبرسى في مجمعه يروى عن الحاكم النيشابورى قصة اول نزول الوحى ما ينبى‏ء ان سورة الحمد كانت اول ما نزل على النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقول ان رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال لخديجة انى اذا خلوت وحدى سمعت نداء فقالت ما يفعل اللّه‏ بك الا خيرا فواللّه‏ انك لتؤدى الامانة و تقبل الرحم و تصدق الحديث قالت خديجة فانطلقنا الى ورقه‏بن نوفل و هو ابن‏عم خديجة فاخبره رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بما رأى فقال ورقة اذا اتاك فاثبت له حتى تسمع مايقول ثم ايتينى فاخبره فلما خلا ناداه يا محمد قل باسم اللّه‏ الرحمن الرحيم الحمدللّه‏ رب العالمين ... حتى بلغ و لا الضالين قل لا اله الا اللّه‏ فاتى ورقة فذكر له ذلك فقال له: ابشرتم ابشر فانا اشهدانك الّذي بشر به ابن‏مريم و انك على مثل ناموس موسى و انك نبي مرسلي و انك سوف تؤمر بالجهاد بعد يؤمك هذا و لئن ادركنى ذلك لا جاهدن معك فلما توفى ورقة قال رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لقد رأيت  ورقة في الجنة عليه ثيات الحرير لانه آمن بى و صدقني.[2]

         فان مثل هذه القصه لاتتناسب مع مقام النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و هو اكمل الانبياء و انه خاتمهم فلايمكن ان يستفسر من شخص عادي او يكون في حال تردد او ما مرّ عليه من الوساوس كما يتعاطاه الآخرون فمن لا خيرة له في ذلك و انما مثل هذه الامور من الاسرائليات التي يراد بها اضعاف شخصية النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و ان يستورد معارفه من العراف و نحوهم و يكون مآل ذلك الى اضعاف الاسلام و هذا ما
نورده في الأصل الروائي و المهم الرجوع الى موضوع الأصل التقليدي.

          قوله تعالى: « اقرأ باسم ربك الّذي خلق » ـ قال الراغب و القراءة ضم الحروف و الكلمات بعضها الى بعض في الترتيل و ليس يقال ذلك لكل جمع لايقال قرأت القوم اذا جمعتهم و يدل على ذلك انه لايقال للحرف الواحد اذا تفوه به قراءة ـ انتهى.

          و ذكر ان مفعول اقرأ محذوف و تقريره اقرأ القرآن باسم ربك و قيل ان الباء في لفظ باسم زائدة اى اقرأ اسم ربك و هذا لايناسب فصاحة القرآن حيث ان ما مقتضي التعبير ان يقول اذكر اسم ربك لااقرأ و جيء بلفظ الرب لاجل اثبات كونه المتعاهد لاصلاح خلقه و لم يتركهم يعملون من غير توجيه نحو الدعوة الى الوحدانيه للكشف عن وجود العلاقة بين حركة التكوين و التشريع.

          و ذكر ان مجى‏ء الباء للالصاق و السببيه في جعل الملازمة بين الخالق و المخلوق و انه لايمكن فصل الخلق عن الخالق و الا لاستلزم انفكاك المعلول عن العلة و هو محال كما يمكن ان يستدل بان الباء اخذت للملابسة و هذا لاينافى اخذ البسمله جزء من السورة فهي من كلام اللّه‏ قصد بها الافتتاح و انه امر بها لاجل الابتداء به و انها دالة على كون القارى‏ء يجب ان ينصاع نحو العمل كما يقال بالنسبة الى الامر بالاستثناء في قوله تعالى: « و لاتقولن شى‏ء انّى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء اللّه‏ »[3][4]

         ثم ان في الآية الكشف عن رد المشركين عندما ذهبوا بان لفظ الرب مختص للتربية دون الخلق فدفع ذلك بقوله ربك الّذي خلق فهو بمعنى بيده الخلق و الايجاد.


 

          يراد بكلمة العلق لغة الالتصاق بشى‏ء و لذا اطلق الدم المنعقد في بداية تكوينه المتلاصق او الحيوان الملاصق للجسم لمصّ الدم بالعلق و عليه يكون لفظ العلق الدم المنجمد و انه في مقام السير نحو المراتب الكامله بعد ان انتقل العلق من النطفة و قد حدث في اصل تكوينه منه الى حالة الاستحاله من وجود الى وجود آخر بعد التغيير في الجهة النوعية فيما بين الوجودين و قبل ان العلق الّتي تعرضت اليه الآية عن حالة سير الانسان من بداية الطين الّذي خلق منه آدم عليه‏السلام و هي مادة متلاصقة حيث ان الرب خلق آدم عليه‏السلام من طين لازب او يطلق العلق بمعنى صاحب العلاقة و هذا لبيان الكشف عن حقيقة النوع الانساني او ان العلق بمعنى (الحيمن) و هي نظير دودة العلق عند الكشف عنه بواسطة الجهاز المجهول بانه يسبح في ماء النطفة و يتجه نحو بويضة المرأة في الرحم كل ذلك لاجل يقظه الانسان و توجهه نحو الطريق المعرفي ليكتسب بواسطه العلم الكسبي كيفية التدرج و الانتقال الى النتائج بعد تحريك قدرات الانسان العقليه.

          قوله تعالى: « اقرأ و ربك الاكرم » فتارة ان المراد بالقراة الثانية تاكيد للاولى اوانها مختلفة فان الثانيه يراد بها القراءة للناس و بيان للنوع و الاول يراد بها القراءة لشخص النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما يحتمل ان تكون القراءة في الاولى و الثانية للجميع و تكون هذه السوره في الامر بالقراءة لاجل ما اورده جبرائيل عليه‏السلام على النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالامر بالقرأه بالنسبة الى الاولى ما انا بقارى‏ء تارة للنفي و اخرى للاثبات حيث ان الاولى انها في مقام المرحلة الاستعدادية و بيان الملكة و الثانية للكشف عن فعلية الملكة في ناحية القراءة و يكون الخطاب لبيان الامر بالقراءة للنوع و انه ليس لبيان الشخص حتى يكون الى مرحلة الاهتمام بالدعوه قوله تعالى: « الّذي علم بالقلم ».

          قوله تعالى: « علم الانسان ما لايعلم ».

          فاما بالنسبة لقوله تعالى « و ربك الاكرم » حيث وصف نفسه بالكرم بما ان عطاءه لخلقه غير محدود و انه يعطى من دون مقابل و انما هو فيض لامتناهي و
يكون مقتضى وجوده العطاء المطلق بخلاف الخلق و ان اتصف بالعطاء فهو عطاء محدود نابع عن داعي كالحب و الايثار و حب الخير و جلب النفع و نحوها و هذه كلها في حقه تناسب ذاته.

          و اما قوله تعالى: « الّذي علم بالقلم » فتارة يرشد في علمه الى ناحية الكشف و الالهام و الايحاء و هذا ما يسمى بالعلم اللدني و العلم الروحي و هو ما يقال بانه نوريقذقه في قلب من يشاء ولكن بما يقع على قابلية تلك النفوس القدسية و النفوس الملهمة و اخرى بما ترشد اليه لفظ الباء و هو السبب ويقصد بها كون العلم بما جاء بواسطة القلم و هو عبارة عن العلم الكسبي و ذلك لعنوان الفعلية للطبيعة البشرية ان علمها يكون كسبيا بواسطة التعلم من ذي علم و تكون الجملة حالية او استئنافية ولكن ذلك بما عدا الانبياء فان علمهم حضوري على اختلاف انواعه ولكن لابنحو العلة للمعلول و انما من نوع خصوص المعلوم لدى العالم و كأنه قال اقرء كتابك الّذي ما انت عليه من الفعلية لا القراءة الفاعلية حيث انها عالم بها بنحو الحضور الفاعلي ولامجال للقول بانه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان اميا لايقرأ و لا يكتب فان ذلك من نوع ارجاعه الى مرحلة النقص دون الكمال.

          و ما ذهب اليه صاحب الميزان  قدس‏سره مع علو مقامه فان ذلك من سهو القلم لما فى قوله: والكلام مسوق لتقوية مسوق النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و ازالة القلق و الاضطراب عنها حيث امر بالقراءة و هو أمي لايكتب و لايقرء كأنه قيل اقرء كتابك الّذي يوحيه اليك و لاتخف و الحال ان ربك الاكرم الّذي علم الانسان القراءة بواسطة القلم الّذي يخط به فهو قادر على ان يعلمك قراءة كتابه و انت أمي و قد امرك بالقراءة و لو لم يقدرك عليها بامرك بها.[5]

         و يرد عليه بما ذكر بان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان عالما على نحو الحضور الفاعلي دون
الحضور الفعلي و انما اراد اللّه‏ ان يخرجه من عالم الفاعلية الى عالم الفعلية ليكون فى مرحلة التطبيق دون الانطباق ليكون من مرحلة الصور العلمية الى الصور الكسبية ليحقق بذلك صورة العمل الخارجي و ذكر في مجمع البحرين عن كتاب بصائر الدرجات[6] كان يقرأ و يكتب بكل لسان باسناده الى جعفربن محمد الصوفي قال سألت اباجعفر محمدبن على الرضا عليه‏السلام يابن رسول‏اللّه‏ لم سمى النبى الامي قال ما يقول الناس قلت يزعمون انما سمى الامى لانه لم يكتب فقال كذبوا عليه لعنهم اللّه‏ انى يكون ذلك و اللّه‏ تبارك و تعالى يقول في محكم كتابه « و هو الّذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته و يزكيهم و يعلمهم الكتاب و الحكمة »[7] فكيف يعلمهم ما لا يحسن و اللّه‏ لقد كان رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقرء و يكتب باثنين و سبعين لسانا و انما سمي الامى لانه من اهل مكة و مكة من امهات القرى و ذلك قول اللّه‏ تعالى في كتابه «  لتنذر ام القرى و من حولها  »[8].

         و عن عبدالرحمن بن الحجاج قال قال ابوعبداللّه‏ عليه‏السلام ان النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يقرأ و يكتب ما لم يكتب.[9]

         و قوله تعالى: « علم الانسان ما لم يعلم » و هو اشارة الى ان الكشف العلمي تارة مما يقع بواسطه التكسب و الطريق بالآلات والا جهزة ابسطها القلم و اعقدها الاجهزة المتطوره الاكترونية الحديثه ثم الانتقال الى العلم الماورائى و هو عالم الطبيعة و الافلاك و علم الانجم و علم الرمزيه.

          و ان المراد بالانسان هو ذلك الجنس البشري او ما كان الاداة الاولى ادم عليه‏السلام او ادريس عليه‏السلام لانه لما ورد بانه اول من خط بالقلم و قيل كل نبي و كان يكتب و ان
اورد ذلك صاحب الميزان بانها وجوه ضعيفة بعيدة عن الفهم و ان كان بالنظر الى الانبياء لا مانع منه لان ذلك يناسب مقتضى استعداد ذواتهم و كمالهم على اممهم.

          قوله تعالى: « كلا ان الانسان ليطغى ان راه استغنى  » و هذا بيان للكشف عن مسير الانسان نحو الماديات و بعده عن المجردات و الروحانيات فيكون بذلك متجها نحو الملذات و الشهوات كما هو سير الاغنياء عندما تأخذهم نشوة الغنى فينسون حياتهم الماضية و يدغمون نحو ملذات الدنيا الزائلة فبعد الهم و لما يتمتعون حيث تركوا النعيم الخالدة الّتي كانت الحياة طريقاً لها.

          و انما كان سوق هذه الآية بما سبقها من دون الانتقال من عالم العلم و المعرفة الى عالم الماديات فتكون الرابطة بين نعمة القلم و نعمة الثروة فان الاولى تفيد الاستقرار و البقاء و الركون الى استقرار النفس بينما الثانيه موجبة للاضطراب و القلق و عدم الاستقرار فلابد ان يقارن بين النعمتين نعمة العلم ونعمة الثراء فان الثانية توجب الترفع و الكبرياء و الاولى توجب الركون و التواضع و البقاء.

          و ان قوله تعالى: « ان راه استغنى » قصد بالرؤيا القلبيه دون البصرية و ان الرأتى لتلك النعم المادية هو الانسان لما يحكى مقتضى التطابق بين نفسه بما انه مادى و يشاهد أيضاً الماديات مما انها مادية فيكون ذلك من نوع التطابق بين المادية و المادية على نحو وحدة السنخية بينهما و ذلك لما اقترب الانسان الى جانب المادة يكون ماديا بخلاف ما لو ابتعد عن تلك الآفاق المادية يكون روحانيا كما عليه سير الانبياء و الاولياء قوله تعالى: « ان الى ربك الرجعى » و هذا اشارة الى حركة الانسان للوصول إلى الغاية فيما بين المبدأ و هو ما اشار اليه في قوله تعالى: « ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ».

          و قوله تعالى: « فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما »[10]  كل ذلك
لاثبات حركة المبدأ في وجود الانسان و تدرجه من مرحلة القوة الى مرحلة الفعلية ليتدرج بذلك الى الوصول نحو الغاية و هو قوله «ان الى ربك الرجعى» و ان محطته الاخيرة يوم البعث و هذا الخطاب قصد به مشافهة للنبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله و ان كان المعنيّ به الوجود النوعى للانسان و ان الى ربك الرجعى ان جميع السموات و الارض للّه‏ سبحانه لقوله تعالى « و للّه‏ ميراث السموات و الارض »[11].

         قوله تعالى: « ارايت الّذي ينهى عبدا اذا صلى  »

          و كان سبب النزول ان اباجهل قال هل يعفّر محمد وجهه بين اظهركم ـ أى هل يسجد محمد بنفسكم قالوا نعم قال فبالذى يحلف به لئن رايته يفعل ذلك لأطان رقبته فقيل له‏ها هو ذاك يصلى فانطلق ليطأ على رقبته فما فاجأهم الا و هو ينكص على عقبيه و تبقي بيديه فقالوا مالك يا ابا الحكم قال ان بيني وبينه خندقا من نار وهو لا واجنحة وقال نبي اللّه‏ و الّذي نفسي بيده لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوا عضوا فانزل اللّه‏ ارايت الّذي ينهى الخ.

          ويكون مؤدى هذه الرواية بحسب سيرها ان الآية نزلت في اول البعثة او يقال انها نزلت حين اعلن الدعوة و على اى حال فبحسب مفهومها تكون عامة و ان كانت نازلة في موارد خاصه و هناك آراء تعرض اليها الميزان فعليك بمراجعها.

          قوله تعالى: « ارايت ان كان على الهدى او امر بالتقوى » يشير الى دور التقابل بين الفرد الّذي ينهى عن الصلاة سواء كان ذلك بنحو الشخصي او النوعي وبين الفرد الّذي يكون سلوكه الهدى و يامر بالتقوى و يكون ذلك من نوع المفارقة بين شخصيه الحق و شخصيه الباطل حيث انه بالنسبة الى هذه الآية تشير الى ان الّذي كان على الهدى و هو ذلك العبد و هو رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الّذي هو الزمز الحقيقي للعبودية الحقة حيث تقول في صلاتك و اشهد ان محمدا عبداللّه‏ و رسوله فهو
الّذي على الهدى و هو الّذي يامر بالتقوى.

          و كلمه ارأيت هو استفهام قصد به التعجب وان مؤدى ارأيت بمعنى اخبرنى و ان كلا من أرايت الاولى و الثانى مفادهما اخبرنى عن الّذي ينهى عبدا اذا صلى و اخرى عن العبد الّذي على الهدى و قد تضمنت كلتا الآيتين مؤدى الشرط للاشارة بان المتمرد على جادة الحق و الصواب سوف يرى بانه على غير هدى بخلاف من كان مصليا و هو على الهدى.

          قوله تعالى: « كلا لئن لم ينته لنسفعن بالناصية  » قال المجمع و السفع الجذب الشديد يقال سمعت بالشى‏ء اذا قبضت عليه و جذبته جذبا شديدا ـ انتهى و وصف الناصية بالكذب على نحو المجاز حيث ان الوصف لصاحب الناصية و ليست لذات الناصيه نفسها و ان ما تشير اليه الآية ان مثل أبيجهل و اضرابه سوف يسحبون الى النار من مقدم شعرهم و هي اعلى قمة الرأس من الشعر و ذكر ان وردت رواية عند نزول سورة الرحمن قال النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من يقرؤها على رؤساء قريش فتثاقلوا كلهم مخافة بطشهم فقام ابن‏مسعود و قال انا يا رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فاجلسه عليه‏السلام ثم قال من يقرؤها عليهم فلم يقم الا ابن‏مسعود ثالثا كذلك الى ان اذن له و كان عليه عليه‏السلام يبقي لما كان يعلم من ضعفه و صغر جثته ثم انه و صل اليهم فرآهم مجتمعين حول الكعبة فافتتح قراءه السوره فقام ابوجهل فلطمه فشق اذنه و اوماه فانصرف و عيناه تدمع فلما راه النبى صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رق قله و اطرق راسه مغموماً فاذا جبريل عليه‏السلام يجى‏ء ضاحكا مستبشرا فقال يا جبريل تضحك و ابن‏مسعود وقال ستعلم فلم ظهر المسلمون يوم بدر التمس ابن مسعود فذهب يطلع القتلى واذا ابوجهل مصروعا ان يكون له حظ في المجاهدين فاخذ يطالع القتلى فاذا ابوجهل مصروع يحوز ... فصد على صدره فلما رآه ابوجهل قال يا رويعى الغنم ارتقيت ارتقيت مرتقى صعبا، فقال ابن‏مسعود الاسلام يعلو و لا يعلى عليه فقال ابوجهل بلغ صاحبك انه لم يكن احدا بغض الى منه في حياتى وأحد ابقض الى منه في
حال مماتي روى انه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما سمع ذلك قال فرعوني اشد من فرعون فانه قال آمنت و هو قدازا دعتوا ثم قال ابوجهل لان مسعود اقطع راسي بسيفى هذا لانه احد و اقطع فلما قطع راسه لم يقدر على حمله فجره بحده على ناصيته الى رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهو بذلك تحقق قوله سبحانه لنسفعاً بالناصية في هذه الدنيا.[12]

         و بذلك تطلق الناصية على مقدم شعر الرأس و على الجزء النفيس كما يقال بارك اليه بالنواصى و الاقدام او تقول ناحية البيت و وصف الناصية بانها (كاذبة خاطئة) يعنى ان صاحبها كاذب في اقواله و خاطى‏ء في اعماله.

          و عليه يكون سوق الآية لبيان الروع و التهديد و انها قد كشفت عن سرّ غيبي بانه سوف يؤول امره الى جرّ ناصية مثل ابيجهل و سائر الطغاة من الجبابرة كما شاهدنا ذلك في ما صنع بطاغي العراق وسحبه من الحفرة و جعل الاقفال في يديه و رجليه فى محاكمته قد التحى لحية كثيفة تتوقد عيناه شروا كل ذلك لاجل اذلال الجبابرة عندما تكون آخر حياتهم الى الذل و الهوان و ان ناصروهم الاعداء في مسلكهم لوحدة الحقيقة فيما بين نفوسهم فسحقا لهم و لاتباعهم من الذين باعوا دينهم و دنياهم.

          قوله تعالى: « فليدع ناديه سندع الزبانيه  » يطلق النادي على المجلس او قوله و عشيرته و النادى من المكان الّذي يجتمع فيه القوم المشتق من النداء حيث ان القوم ينادي بعضهم او من النداء بمعنى الكلام لان افرادهم يكرم بعضهم بعضا.

          و المراد من الزبانيه جمع زبنية و هى في الأصل قصد بها الشرطة من ماده زين و هو الدفع و الردع و الابعاد و هذا ما جيء معنى الملائكة و خزنه جهنم و تشير الآية الى حاله ما وقع عليه ذلك الطاغي انه فليدع زبانيه حيث قصد بالامر
التعجيز و انه يؤخذ باشد الاحوال من القسوة و انه فليدع هذا النادي عندما اخذ فى ضرب مثل ابن‏مسعود و جماعته فانه يقابل بالمثل بين جماعته و جماعة تلك الملائكة الذين يأخذون بناصيته و يجرونه باشد الاحوال جزاء بما عمل و لم يكن له ناصر و مدافع عما هو عليه من كبريائه و طغيانه قوله تعالى: كلا لا تطعه و اسجدو اقترب فكرر الرد لاجل التأكيد و قوله: لا تطعه بمعنى انه لاتطع نهيه الانكار عن الصلاة و ان المراد بالسجود بمعنى الصلاة فتارة يراد بها ذات الاقوال و الافعال او مجرد الذكر و هى المراد بها لغة دون بيان حقيقتها الشرعية الّتي تعارف عليه عرف المتشرعة في ذلك الزمان فيما بعد الهجرة بناء على ان تاريخ وصغها بعد الهجرة او انها ثابتة قبل الهجرة الا انها لم تأخذ سعة الا بعد الهجرة او يراد بالسجود هى قراء هذه السورة الّتي هي احدى العزائم و الاقتراب بمعنى اخذ السجود او الصلاة متقربا الى اللّه‏ او الاقتراب من ثواب اللّه‏.[13]

 الأصل الروائي

          ورد في الدر المنثور ـ عن عائشه انها قالت اول ما بدى به رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من الوحى الرؤيا الصالحة في النوم فكان لايرى الا جاء مثل فلق الصبح ثم حبب اليه الخلاء و كان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه و هو التعبد الليالى ذوات العدد قبل ان ينزع الى اهله و يتزود لذلك ثم يرجع الى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاء الحق و هو في غار حراء فجاءه الملك فقال اقرء قال قلت ما ان بقارى‏ء قال فاخذنى فغطى الثانية حتى بلغ من الجهر ثم ارسلنى فقال اقرء فقلت ما انا بقارى فاخذنى فغطى الثالثة حتى بلغ من الجهر ثم ارسلنى فقال اقرء باسم ربك الّذي خلق خلق الانسان من علق اقرء و ربك الاكرم الّذي علم بالقلم الآية.

          فرجع بها رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال زملونى زملونى فزملوه حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة و اخبرها الخبر لقد خشيت على نفسي فقالت خديجة كلا ما يخريك اللّه‏ ابداً إنك لتصل الرحم و تحمل الكل و تكسب ـ تكسي (بدل خ) المعدوم و تقرى الضيف و يقنن على نوائب الحق (الحق) فانطلقت خديجة حتى اتت ورقه‏بن نوفل بن اسد بن عبدالعزى ابن عم خديجة و كان امره قد تنصر في الجاهلية و كان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الانجيل بالعبرانية ماشاء اللّه‏ ان يكتب و كان شيخا كبيرا قد عمى فقالت له خديجة بابن عم اسمع من ابن اخيك، فقال له ورقة يا ابن اخي ماذاترى فاخبره رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خير ما رآه فقال له ورقة هذا الناموس الّذي انزله اللّه‏ على موسى يا ليتنى اكون فيها جذعا يا ليتنى اكون فيها حبا اذ يخرجك قومك فقال رسول‏اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله او مخرجي هم قال نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به الاعودى و ان يدركنى يومك انصرك نصرا مؤزرا ثم لم ينشب ورقة ان توفّى في فترة الوحى.

          قال ابن‏شهاب و اخبرنى ابوسلمه‏بن عبدالرحمن ان جابربن عبداللّه‏ الانصاري قال و هو يحدث عن فترة الوحى فقال في حديثه بينما انا امشي اذ سمعنا صوتا من السماء فرفعت بصرى فاذا الملك الّذي جاءنى بحراء جالس على كرسي بين السماء و الارض فرعبت منه فرجعت فقلت زملونى زملونى فانزل اللّه‏ «يا ايّها المدثر قم فانذر و ربك فكبر و ثيابك فطهر و الرجز فاهجر» فحمى الوحي و تتابع.

          و فيه اخرج بن شيبة و ابن‏جرير و ابونعيم في الدلائل عن عبداللّه‏ بن شداد قال اتى جبريل محمدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال يا محمد اقرء قال و ما اقرء فضمه ثم قال يا محمد اقرا قال اقرء باسم ربك الّذي خلق حتى بلغ ما لم يعلم فجاء الى خديجة فقال يا خديجة ما اراه الا قد عرض لى قالت كلا ما واللّه‏ ما كان ربك يفعل ذلك
بك و ما اتيت فاحشة قط فأتت خديجة ورقة فأخبرته الخبر قال لئن كنت صادقه ان زوجك لنبي و ليلقين من امته شدة و لئن ادركته لاومنن به.

          قال ثم ابطأ عليه جبريل فقال خديجة ما ارى الا قد قلاك فانزل اللّه‏ و الضحى و الليل اذا سجى ما ودعك ربك و ما قلى.

          و حيث تعرضنا الى مثل هذه القصة ابتداء و قلنا انها لا تتناسب مع مقام النبوة بالاضافه الى الاشكال في سند مثل هذه الروايات.

 الاصول التعلمية

          من منطلق هذه السورة حيث تستعرض التحرك العلمي ابتداء من القراءة و البحث عن العلاقة فيما بين الاسم على الدال الذات المقدسة و بين الخلق و الانطلاق نحو المعرفة من عالم الاستقراء و الانتقال من الجزء و هو العلق الّذي خلق منه الانسان حتى اصبح متكاملا لايفتح له ابواب المعرفه الا اذا فتح باب العلم ابتداء من العلم الكسبي و يكون حركه التعليم لابد ان تقوم بالطرق الآلية إلى فتح المناهج حتى ترتقي إلى سلّم المقامات العالية حيث كان الانسان القديم يقوم بالتعليم في نحت الاحجار و اثبات مرتكزاته على النقوش في صفائح الاحجاز ثم النحاس و هكذا الى ان ارتقى الى مرحلة وضع الاعلام و الدواة معبرا عن صور أفكاره في القرطاس ثم تدرج الى ناحية الابداعات العلمية في ترسيم عبارته عبر الطابعة البدوية ثم اخذ بالاندراح إلى عصر الانترنيت و هى ما تسمى بالفقرة العلمية المتطوره الى ان يرتقى الى اكثر من ذلك بين عصر و عصر و بذلك يحرك القرآن قدرات الانسان التعليمية على مراحل كل ذلك لمقدار استعداد الانسان في ناحية المعرفة كما انه توصل في معرفته بواسطة القلم الى جهة قلم التشريع و بيان النظام لتدبير المجتمع البشرى كما انه تعين ذلك بجد وجود قلم التكوين في اصل هذه الامور الخارجية و اعطى منها الضبط العلمي.

الاصول الاخلاقيه

          بعد ان كشف القرآن حالة الانسان التعليمية انطلق إلى اثبات العلاقة بين النظريه في المعرفة و بين الاخلاق العلمية عندما يكون في مقام الخارج و ذلك لقوله تعالى « كلا ان الانسان ليطغى ان رآه استغنى  » و هذا يعطى طبيعة ما وصل اليه الانسان في مقام تكامله النسبي فيحد من نفسه بالاضافة الى الآخرين انه اكمل و اقوى و ان ما يقابله الضعف و عدم القدرة فيورث في نفسه التعالي و الارتقاء المزعوم فتاخذه حالة من العجب بينما سأله الى العدل الآلهى و الحساب الاخروي مآله الّذي سوف يلاقي الانسان اعماله ان خيرا فخير وان شرا فشر يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره و انه لا يغادر صغيرة و لاكبرة الا احصاها و ان ذلك كله بمراى من اللّه‏ في خلقه حيث ان علمه بنحو الحضور و الكاشفية المطلقة و انه مؤثر في خلقه تأثير العلة في المعلول و ليس حضور المقاربة بل حضور العلية و المؤثرية.

 الاصول القفز العلمي

          من مجموع بعض الآيات في هذه السورة يمكن ان يكون لدى الرائد العلمي حالة من الاستنباط في ناحية القفز العلمي تارة من منطلق الاستقراء فيما بين الجزئيات للوصل الى الامر الكلي العام و اخرى بالنظر الى حالة من الوصول بمنطقية الانتزاع الكبروي لان ما تطرحه السورة ابتداء رقم الاول بقوله اقرء باسم ربك الّذي خلق و هو اثبات الوعي العلمي بواسطة حركة القلم و اثبات علاقته في عالم الفكر و توصله الى ما بينه و بين الّذي الهمه هذا الفكر و هو اللّه‏ الّذي خلق هذه الموجودات يتدنبر و قدرة و علم و ان ابتداء الانسان من وجود تلك العلقة الّتي هي منبع حركة الانسان نحو نشوء البشري وانه قد علمه سبحانه بعد ان لم يكن عالما و هو على نوعين: لم يعلم في اصل الغريزه و الفطرة او لم يعلم بواسطة
العلم الكسبي فانطلق نحو المعرفة بواسطه العلم و هو كناية عن التعليم و القلم اداة التحريك الفكري و ان الانسان مهما بلغ من الطغيان عند استكباره و تعاليه فهو راجع الى الفناء و بعد ذلك جعل في الانسان طاقة الادراك و المقابلة ليتوصل الى البعد الثالث في الاستنباط كوصول الانسان الى ما بين ما هو على الطريق الباطل كمن الّذي ينهى على الصلاة و بين من رآه مصليا و أمره بالتقوى و هو الرجوع الى المقارنة بين الحق و الباطل لينفر الى الطريق الحق.

 

 

[1] . التفسير الكبير، ج 12 ـ ص 96 و هذا ما اورده جملة من المفسرين مع اضافات اخرى.

 [2] . مجمع البيان، ج 10، ص 514.

 [3] . الكهف / 24.

 [4] . الميزان، ج 20، ص 323.

 [5] . الميزان، ج 20، ص 324.

 [6] . بصائر الدرجات، ص 225، باب 4 ـ ح 1.

 [7] . الجمعه / 2 .

 [8] . الانعام / 92 .

 [9] . نفس المصدر، ص 227، باب 4 ـ ح 5.

 [10] . المؤمنون ـ الحج / 5 .

 [11] . آل عمران / 180 .

 [12] . تفسير الفخر، ج 32، ص 23.

 [13] . تفسير الميزان، ج 20، ص 327.