|
تفسير سورة البقرة
مدنية وآياتها مائتان و ست و ثمانون ـ إلاّ آية 281 نزلت بمنّي في حجة
الوداع.
قبل
الشروع في المنهج التفسيري الّذي نسير حوله ننطلق الى ما صدرت به الآيات من الحروف
مثل الم و الر و حم و كهيعص و المص و ق و عسق و تقع بين اتجاهين و ان معاني هذه
الحروف ليست واضحة الدلالة استأثرها اللّه تعالى ان معاني ولم يمكن الاطلاع عليها
و قد ورد عن على عليهالسلام ان لكل كتاب صفوة و صفوة هذا الكتاب حروف التهجي و سئل
الشعبى عن هذه الحروف فقال سر اللّه فلا تطلبوه و روى عن ابنعباس قال عجزت
العلماء عن ادراكها و افترق المتكلمون على قسمين.
أ ـ انكار حجب معاني الحروف حيث ان الآيات صريحة في قوله تعالى افلا
يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها حيث امر المجتمع البشري بالتدبرالقرآن و لو كان
غير معلوم لما اوكل الامر إلى التدبر و هذا دليل على قدرة التدبر و الوصول الى
معرفة اسراره كما في قوله تعالى افلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير اللّه
لوجد وافية اختلافاً كثيرا و معنى الرجوع الى التدبر لانه لو كان من غير
اللّه لحصل التناقض و الاختلاف و هو معنى الوصول الى قدرة التمييز و ورد ايضا في
قوله و انه للتنزيل رب العالمين نزل به الروح الامين على قلبك لتكون من المنذرين
بلسان عربى مبين ـ و هذا فيه دلالة على ان رسول اللّه صلىاللهعليهوآله له
القدرة على ان يكون منذرا فلو لم يكن مفهوما لما حصل له القدرة على الانذار كما
استدل ايضا في قوله تعالى لعلمه الذين يستنبطونه منهم ـ حيث ان الاستنباط لا يمكن
الا بوجود المعرفة على موارد حصول ملكه الاستنباط.
و استدل بالاخبار ايضا في قوله صلىاللهعليهوآله: انى تارك فيكم ما ان
تمسكتم به لن تضلوا كتاب اللّه و عترتي اذ لا معنى للتمسك مع فرض عدم العلم و عن
الامام على عليهالسلام قال عليكم بكتاب اللّه فيه نبأ ما قبلكم و خير ما بعدكم و
حكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمة اللّه و من تبع الهدى في
غيره اضله اللّه و هو حبل اللّه المتين و الذكر الحكيم و الصراط المستقيم هو
الّذي لا تزيغ به الاهواء و لا تشبع منه العلماء و لا يخلق على كثرة الر و لا تنقضي
عجائبه من قال به صدق و من حكم به عدل و من خاصم به فلج و من دعا اليه هدي الى صراط
مستقيم.
و استدل بالدليل العقلي انه لو ورد شىء لا سبيل الى القلم به لكانت
المخاطبة به تجرى مجرى مخاطبة العربى باللغة الزنجية و لما لم يجز ذاك فكذا هذا و
المقصود من الكلام الافهام فلو لم يكن مفهوما لكانت المخاطبة به عبثا و سفها و هنا
لايناسب الحكيم.
ب ـ ان ما يفتتح بها السور معلومة و انما وقع الاختلاف على وجوه.
1. انها من اسماء السور كما عليه اكثر المتعلمين كما عليه الخليل و
سيبويه.
2. انها اسماء للّه تعالى كما ورد عن علي عليهالسلام بكهيعص بحم عسق.
3. انها ابعاض اسماء اللّه تعالى كما جاء عن سعيد بن جبير قوله (الر ـ
حم ـ ن) مجموعها هو اسم الرحمن ولكنا لا نقدر على تركبها في البواقي.
4. انها اسماء القرآن و هو قول السدي والكلبي و قتادة.
5. ان كل واحد منها دال على اسم من اسماء اللّه تعالى و صفة من صفاته
كما ورد عن ابنعباس قال في (الم» الالف اشارة الى انه تعالى احد اول آخر ازلي ابدى
و اللام اشارة الى انه لطيف و الميم اشارة الى انه ملك مجيد منان.
و قال في كهيعص انه ثناء من اللّه تعالى عن نفسه و الكاف يدل على كونه
كافيا و الهاء يدل على كونه هاديا و العين يدل على العالم و الصاد يدل على الصادق.
6. بعضها فيها الدلالة على اسماء الذات وفي بعضها على اسماء الصفات قال
ابنعباس: الم انّ اللّه اعلم و في المعنى انّ اللّه افضل و في الر انا اللّه
ارى.
7. قل من هذه الحروف منها ما تدل على صفات الافعال كالالف الآؤه و اللام
لطفه و الميم مجده.
8. بعضها ما يدل على اسماء اللّه حيث ورد عن الضحاك الالف من اللّه و
اللام من جبريل و الميم من محمد صلىاللهعليهوآله اى انزل اللّه الكتاب على
لسان جبريل الى محمد صلىاللهعليهوآله.
9. كل واحد منها ما يدل على فعل من الافعال و فالالف معناه الف اللّه
محمد فبعثه نبياً و اللام اي الجاحدون و الميم اى ميم الكافرون غيظوا و اكبتوا
بظهور الحق.
و قال بعض الصوفية الالف معناه انا، اللام معناه لى و الميم معناه مني.
10. ما ذهب اليه المبرد و غيره ان اللّه تعالى انما ذكرها احتجاجاً على
الكفار و ذلك ان الرسول صلىاللهعليهوآله لما تجدا هم ان ياتوا بمثل القرآن او
يفسر سور او بسورة واحده فعجزوا عنه انزلت هذه الحروف تنبيهاً على ان القرآن ليس
الا من هذه الحروف و انتم قادرون عليها و عارفون بقوانين الفصاحة فكان المحتم ان
تاتوا بمثل هذا القرآن.
11. ان هذه الحروف تدل على انقطاع كلام فيجيء كلام جديد قال احمدبن يحيى
بن ثعلب ان العرب اذا استأنفت كلا ما فمن شانهم ان ياتوا بشىء غير الكلام الّذي
يريدون استئنافه فيجعلونه تنبيها للمخاطبين على قطع الكلام الاول و استئنافاً لكلام
الجديد.
12. ان هذه الحروف ثناء على نفسه تعالى كما ورد عن ابنالجوزى.
13. قال الاخفش ان اللّه تعالى اقسم بالحروف المعجمة لشرفها و فضلها و
لأنّها مباني كتبه المنزلة بالاسنة المختلفة و اسماء اللّه الحسنى و صفاته العليا
و اصول كلام الامم بها يتعارفون و يذكرون اللّه و يوحدونه ثم انه تعالى اقتصر على
ذكر البعض.
ان مجموعة هذه الآرلاء في الحروف المصدرة قبل السور يمكن ان تصاغ على
وجهين.
1. الحروف الرمزية.
2. الحروف السرية.
اما الحروف الرمزية و هى اما دالة على الذات او الصفات او الافعال و يمكن
ان تنطلق بحسب ما نسير علية من الأصل المعياري و الضوابط الكلية في الأصول
التفسيرية لمعالجة الاحداث على شكل قانوني عام و ليست مسيرة القرآن شخصية تحدد و
بواسطة حدث جزئي و انما اتجاهه الى خط نوعي لمعالجة العقل البشري كنظام عالمي يسير
عليه خط البشرية جمعاء.
فالرمزية الّتي يمكن ان تكون مدرسة للاجيال يستنبط منها نظام قانوني عام
في حل المشاكل و الارجاع الى عاملين:
أ ـ عامل التباني العقلائي و الاعتبار العرفي.
ب ـ عامل الابداع الفنّي.
اما عامل التباني العقلاني فقد سارت المجتمعات في السير نحو الرمزية جميع
المعاهدات و الالتزامات و الشعارات.
مثل الرمزية في المعاهدات و الالتزمات كما يحدث ذلك في التعاقد في اجراء
المعاملات العقدية كما في البيع و الشراء فانهما كلمتان رمزيتان لاجل النقل و
الانتقال و الايجاب و القبول في النكاح لحصول الزوجية كما ان التباني العقلائى سار
في رفع الاعلان للاشعار على حدوث وقع معين فاذا كان موفوعا على سفارة دولة كانت
علامة و رمزا لوجود السفارة على هذا البناء المعين.
و اذا رفع امام جيش الدلالة على التحرك نحو العدو او ان لوّن بلون السواد
كان شعار الاجل الحزن كما عليه شعارات مقتل سيدالشهداء ارواحنا فداه يوم عاشورا.
و هذا ما نعبر عنه بالرمزية المتحركة من قبل اعتبار المعتبرين لوجود
الرمزيه و ان كان في واقع الرمزيه و ذاتها امر غير متحرك و قد اثبتناها في كتابنا
نقد المذهب التجريبي من الامور التجريديه دون الامور التجربية حيث لا تخضع تحت
عوامل المؤثرات الخارجية.
و اما بيان العامل الا بداعى الفني و هو الّذي سار عليه العلم
الحديثالاجهرة الاكترونيه و ترتكز على الجانب الرمزي في اصل الاختراع كالتخزين في
المكاسيت والدسك في الكامبيوتر و كلما صار الامر معقدا علميا رجع الى الوجود الرمزي
فالرمزية هي في الحقيقة تعقيد علمى.
و لذا سارت عليه المناطقة في استنتاجاتهم في الاشكال الاربعه بالارجاع
الى اصغر من اكبر من و حصول ثلاثه نقاط للتدليل على النتيجة و هكذا في المجال
الرياضي و الهندسي و حل المعادلات الرياضية و كذا في المجادلات العلميه الاخرى من
الكيميائية والفيزيائية و اذا تابعنا طرف ما طبعة العلماء الجانب
الرمزى لفتحنا ابواباً كثرة.
و على ضوء الرمزية و اقسامها يمكننا ان نتوصل الى موضوع العلاقة بين
الرمزية و المرموزالية في ناحية الانتقال الى المعنى و الكشف عنه من خلال وجود
العلاقة اما الذاتيه و اما العقلية و اما الطبيعية فلم يكن بين الرمزية و المرموز
اليه بعدا وشاراً و حجابا و انما هناك قابلية للوصول الى ما بين الدال و المدلول و
عليه لا تكون هذه الحروف المقطعة مهمله و ان كان في واقعها من المتشابهات و اما
الحروف السريه و هى الّتي فيها جانب الغيب و عدم الوصول الى اسرار ما ثبت عليه تلك
الحروف ولكن اما تكون السرية مطلقة بحيث لم يمكن الوصول اليها حتى لمن خاطبه القرآن
و هم الرسول صلىاللهعليهوآله و اهلبيته عليهمالسلام و اما ان تكون السريه
مقيدة عن خاطبة القرآن فانهم الادلاء على الوحي التنزيلي الّذي قال اللّه سبحانه «فاسئلوا
اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون ».
فيمكنهم معرفة معاني تلك الحروف و لم تكن بهذه السوية المطلقة.
و الّذي نعقعه في الاطروحة القرآنية للحروف التالي بحالين.
1. الرمزية المطلقة.
2. الرمزية المقيدة.
اما جهة الرمزية المطلقة فقد جاءت الحروف لبياناً النظام المعياري طبيعة
الرمزية و هذا مما يتناوله البناء العقلائي و العرف العام كما يسير عليه العامل
الفني.
و اما الرمزية المقيدة و هي ما قصد بوجود هذه الحروف على اساس من القيمة
الموضوعية الّتي يمكن لامناء الرسل ان يؤدوا معانيها حال ما تقوم الحاجة الماسة في
تقديمها للكشف عن اسرار غيبته تعود في النتيجة إلى الاعجاز القرآني و المصلحة
العامة و عندنا قسم ثالث من الرمزيه الّتي يمكن ان يدركها عامة الناس.
و ذكر في تفسير الصافي و من الاسرار الغريية في هذه المقطّعات انها تغيير
بعد التركيب و حذف المكررات «على صراط حق نمسكه او صراط على حق نمسكه».
و المهم ان الحروف المقطعة اما ان تكون من نوع الاسرار الغيبية بين
اللّه و رسوله و رموز لم يقصد بها افهام غيره و غير الراسخين في العلم من ذريته
والتخاطب بالحروف المفردة سنة الاحباب في سنن (سنة خ ل) المحابّ فهو سر الحبيب مع
الحبيب بحيث لا يطلع عليه الرقيب.
و مما يؤكد على وجود الترابط الرمزي المطلق و الرمزي المقيد بما ورد عن
ابي لبيد المخزومي قال ابوجعفر عليهالسلام يا ابالبيد انه يملك من ولد العباس اثنا
عشر يقتل بعد الثامن منهم اربعة تصيب احدهم الذبحة فتذبحه فئة قصيرة اعمارهم خبيثه
سيرتهم عنهم الفويسق الملقب بالهادي و الناطق و الغازى يا ابالبيد ان لى في حروف
القرآن المقطعة لعلما جما ان اللّه تبارك و تعالى انزل (الم) ذلك الكتاب فقام محمد
حتى ظهر نوره و ثبتت كلمته و ولد يوم ولد و قد مضى من الالف السابع ماءة سنة و
ثلاثين سنين ثم قال و تبيانه في كتاب اللّه في الحروف المقطعة او اعادتها من غير
تكرار و ليس من حروف مقطعة حرف تنقضي ايامه و قام من بنىهاشم عند انقضائه ثم قال
الالف واحد و اللام ثلاثون و الميم اربعون و الصاد تسعون فذلك ماء و واحد و ستون ثم
كان بدور خروج الحسينبن على عليهالسلام الم اللّه فلما بلغت مدته قام قائم من
ولد العباس عند انقضائها و يقوم قائمنا عند انقضائها بالمر فافهم ذلك وعد و اكتمه.
و من هذا العرض التاريخي يدل على وجود ان الرمزية في الحروف المقطعة تاره
تكون الحروف من اسرار اللّه الغيبية الّتي لا يمكن الوصول اليها و
اخرى انه يمكن ان يصل الى معانيها بواسطة حملة العلم و الذين خاطبهم اللّه خاصة
دون غيرهم و هم اهلالبيت عليهمالسلام دون من سواهم.
كما يقول صاحب تفسير الصافي اقول: هذا ايضا يدل على انها من جملة الرموز
المفتقره إلى هذا البيان فيرجع الى الاول و كذا سائر ما ورد في تأويلها و هي كثيرة
و عليه لا تكون هذه الحروف مهملة و ان كانت من المتشابهات و ان العلم بها مختص
باللّه و بمن نزل الوحى الالهي عليه و اهلبيته عليهمالسلام و ان لها الاهمية
الكبرى و ذكر ان الم من الحبيب الى الحبيب و هى القريب من القريب و ان جاز تركب
منها الكلام و تصل الى غاية الاعجاز و نهاية في البلاغة و الفصاحة و ذكر الوالد
قدسسره في عقله البشرى ما اعجب هذه القدرة و المشيئة يخلق من حروف المعاني جملا
يعجز عن ايجادها البشر و يقصد عنها كل مدرك عاقل او انها رموز الحوادث او اسرار
عينيه و لكن كل ذلك تجويز و احتمالات و لم يطلع على هذه الرموز الا من بعثت اليه
الرسالة وآله المعصومين عليهمالسلام و ورد في تفسير الحروف المقطعة عن الامام علي
بن الحسين بن على عليهالسلام يقول كذب قريش و اليهود بالقرآن و قالوا هذا سحر مبين
تقوله فقال اكثر الم ذلك الكتاب ... اى يا محمد هذا الكتاب الّذي انزلته اليك هو
الحروف المقطعة الّتي منها الف و لام و ميم و هو بلغتكم و حروف هجائكم فاتوا بمثله
ان كنتم صادقين
و ورد عن الامام الرضاء عليهالسلام في قوله ثم قال ان اللّه تبارك و
تعالى انزل هذا القرآن بهذه الحروف الّتي يتداولها جميع العرب ثم قال قل لئن اجتمعت
الانس و الجن على ان ياتوا بمثل هذا القرآن.
و على هذا العرض ثبت وجود علاقه بين الحروف الرمزيه و المقطّعة و
عظمه القرآن و قد اشار القرآن الى الحروف المقطعة مثل:
« الر * كتاب أحكمت آياته »
« طس * تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ ».
« الم* تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ».
« المص* كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ ».
. تفسير الفخر الرازى، ج 1.
. تفسير الصافى.
. تفسير الصافى، ج 1، ص 90 ـ 91.
. تفسير البرهان، ج 2، ص 54.
. توحيد الصدوق، ص 16، ط سنه 1375 ه ق.
. هود / 2 ـ 1 .
. النمل / 1 .
. لقمان / 2 ـ 1 .
|