الضمير

         جاء في لسان العرب الضمير الشيء الّذي تضمره مع قبلك نقول أضمرت صرف الحرف إذا كان متحركا فأسكنته و أضمرت في نفسي شيئا و الاسم الضمير و الجمع الضمائر أو بمعنى السر داخل الخاطر القاموس.

          و جاء في معجم لالاند في تعريف الضمير هو خاصية العقل في إصدار أحكام معيارية تلقائية و مباشرة على القيمة الأخلاقية لبعض الافعال الفردية المعينة و حين يتعلق هذا الضمير بالافعال المقبلة فإنه يتخذ شكل صوت يأمر أو ينهى و إذا تعلق بالافعال الماضية فإنه يترجم عن نفسه بمشاعر السرور (الرضا) أو الالم (التأنيب) و هذا الضمير يوصف تبعا للاحوال المختلفة بوصف الواضح الغامض المريب المخطى‏ء الخ.

          و قد نوقش بأن كلمة الصوت إشارة إلي اللاهوت و ذك لأنه يجعل من الضمير أمرا مفروضا من الخارج على الارادة.

          و يمكن ملاحظة التعريف أن إصدار الحكم من قبل الضمير ليس هو حقيقة الضمير لأنّ الحكم ناشى‏ء عن وجود موضوع و متفرع منه و كلمة صوت الضمير أو يقظة الضمير أو الرضا أو تأنيب الضمير كلها آثار لوجوده و ليست عين حقيقته فيكون تعريفه بآثاره كما نلاحظه من الدكتور أحمد أمين في أخلاقه بقوله هذه القوة الآمرة الناحية تسمى الوجدان[1].

         و عرفه بواراك بأنه معرفة الخير و الشر و قد انتقده لوسن و قال ان هذا التعريف يكشف عن تصور للاخلاق يجعلها أساسا معرفة نظرية و يفترض تحت اسم الخير تحديدا للوجود و تحت اسم الشر تحديدا للوهم تعود عليه المعرفة لمشاهدته و كأنه موضوع سابق عليها و لكن الخير ليس وجودا أو شيئا ما على المعرفة إلا أن تراجعه كما يراجع المرء نموذجا ينسخه بل الخير نظام يراد إقراره بعد اختراعه و قيمة هذا النظا في كونه مطابقا لما ينشئة العقل الكامل الّذي يعمل وفقا للأحسن و الخير في أول العقل يستدعى فقط و يستشعر و لهذا لا ينبغى في الأخلاق الذهاب من الموضوع الذات من الماضى و نتيجته إلي معرفتهما بل العكس من الذات‏الموضوع و من الحاضر إلي المستقبل.

          ثم إن الأخلاقية هي أكبر من أن تكون مجرد معرفة و إنما هي تشمل طاقة الميول و تنفيذ تصميم و بالجملة تعلقا من الانا بغاية إقرارها متضمن في التعلق و ذلك قبل تحقيق الغاية.

          و يتعقد لوسن أن يكون تعريف الضمير الاخلاقى أن يقع ابتداء من الفعل الأوّل الذى به الذات تستشعر أنها فاعلة للموضوع و يفضل صيغة تنطبق على المشروع المخطط للغاية كما تنطبق على الغاية بعد أن تكون قد تحققت.

          و لقد لخص تعريف الضمير الاخلاقى أنه ماهية مزدوجة و تقوم‏الاستحسان والاستهجان أو الموافقة و عدم الموافقة و الأخلاق تبدأ حين يكون ثمة موافقة أو عدم موافقة إقرار أو استهجان (الضمير هو ملكة الاقرار و الاستهجان)[2].

         و يمكننا أن نناقش كلا التعريفين، أما تعريف بواراك بأنه معرفة الخير و الشر فليس الضمير أداة لمعرفة الخير و الشر إذا فسرنا الضمير بمعنى الحكم و الواجدان و اذا فسرناه بمعنى العقل فهو أداة تميز بين الخير و الشر ان كان الضمير و الوجدان و العقل كلها من مراتب العقل الا أن اللاختلاف بينهما بلحاظ الاضافة إلي المتعلق هذا مع أن التعريف يقع ناظرا إلي الآثار لا يلائم طبيعة الوجدان و حقيقته و لا بد أن ينظر الى ذات الشيء دون النظر إلي آثاره و لوازمه.

          أما ماقشة لوسن لتعريف بواراك فقد جاء من زاوية الأخلاق النظرية و أن الخير لم يقع معرفا لحقيقة الوجود و إنما الخير نظام يسير على وفق العقل و لا يرتئي دائرة الاخلاقية في مقام المعرفية و إنما هي طاقة الميول و تنفيذ تصميم.

          و الّذي نلاحظة في نقده لم يأت بنقد موضوعى و انما أخذ في اتجاه نقطة معينة تستند إلي طرد من الوجود و إنما هو نظام و لكن كيف يصح اخراج النظام عن دائرة الوجود مع أنه من مصاديقه.

          و ليس هناك سنخ آخر يسمى بالوجود و النظام و العدم و أما كون النظام يسير على وفق الموازين العقلائية لا يخرج عن دائرة الوجود لأنّ النظام لابد أن يكون ناشئا عن وجود مصلحة أما في الفعل أو المتعلق على طبق النزاع الجاري في ميدانه و إن كنا نوافقه في عدم الاتجاه الاخلاقى في مقام التعريف لان التعريف يقع دائما في كشف الحقائق كما أن الأخلاق ليست هي عبارة عن تمييز الخير من الشر و النافع من الضار بل الأخلاق بحسب معتقدنا تعديل الصفات النفسانية و الضمير هو الّذي يستندجانب الحق و إن كان هذا التعريف غير مبين لحقيقه الا أنه يكفي و لو يستند إلي جانب الحق و ان كان هذا التعريف لوسن لا يخلو من مناقشة أيضا لان الضمير في قوله هو ملكة الاقرار و الاستهجان لا يكسب صبغة واقعية عن حقيقة الضمير و إنما هو بلحاظ أثره لا بلحاظ ذاته إذا قصد بذلك التعريف الحقيقي.

          و تجد جبريل مادينييه لا يرتثي كون الضمير الاخلاقى هو علم الخير كما أنه ينكر كونه معرفة نظرية و إن احتوى على عناصر و نظريات أخلاقية فهو عقلي و عملي و عاطفي و أنه يتذوق الخير و ينفر من الشر ورد فعل تلقائي من جانب الأنا كله فيكون الضمير معرفة و تقديرا للذات فعال و يتعلق بالعفل مباشرة لا بقانون الفعل و ان تضمن عناصر عقلية.

          و لكن على عكس نظريته ذهب فولكييه إلي أن الضمير هو في جوهره عقل.

          و ذهب توما الأكوينى إلي أن الضمير هو على نحو الحكم الصادر من العقل[3].

         و لكن بعد عرضنا للمناقشة تعرف عدم التوصل إلي معرفة الصمير على نحو التعريف الحقيقي فمثل تعريف جبريل جاء من زاوية الأخلاق العلمية و هو أجنبي عن ذات الضمير و تعرفه الحقيقي مع ما نجده من التناقض في التعريف نفسه فتارة يفسر الضمير بالعقل و أخرى بالعمل.

          و أما تعريف فولكييه في إرجاع الضمير إلي العقل و هذا لا يجعلنا أن نحصل على معرفة حقيقة الضمير نفسه لأنه ربما يتحدان بحسب الحمل الشائع و لكنهما يختلفان بحسب الحمل الاولى.

          و أما تفسير الضمير بالحكم الصادر من العقل الا أن هذا تعريف بالأثر و اللازم و قد أشرنا إلي عدم صحة التعريف بالأثر إذا قصد من التعريف بيان الحقيقة و التعريف الماهوي.

          و أما ما يتراءى لنا في التعريف فالضمير عبارة عن مجاراته للحق ضد الباطل و هو أقرب إلي الحقيقة و إن كان في الدقة لا يخلو من نقد أيضا.

          و ذهب الغزالي إلي تفسير الضمير فقال أولاً في بيان النفس أن لها قوتين تسمى كل واحدة منهما عقلاً على طريق الاشتراك في الاسم إحداهما القوة العاملة و الاخرى القوة العالمة الاولى و هي القوة الّتي بها ينزع الإنسان إلي الاعمال الارادية الّتي منها الحسن و منها القبيح[4].

         و يشير ثانيا إلي بيان حقيقة الضمير بأنه تلك القوة العاملة من قوتي النفس و العقل العملي هو مرجع الأخلاق و مبدؤ هما هو ما يسمى بالضمير.

          فالضمير في رأي فلاسفة الأخلاق هو القوة الّتي تعتبر المرجع في بيان الخير من الشر و الحسن من القبيح و الّتي تأمر بالامر و تثيب عليه بالارتياح و الطمأنينة و تنهي عن الثانى و تعاقب عليه بالتأنيب و الندم هذه القوة من قوى النفس رأى بعض علماء الأخلاق أنها فطرية و ذهب آخرون إلي أنها مكتسبة من البيئة بمعناها الواسع العام و ذهب غير هؤلاء و أولئك إلي أنها فطرية في جرثومتها و للبيئة و التربة دخل‏نموها و كمالها[5].

         و ذكر أن الضمير يتألف من مجموع التراكيب و من ملكة في الحكم بالتمييز بين الخير و الشر و توجد الملكة في صورة الحوار و الؤخذ و العطاء في مجال التصور الذهني الاخلاص نحو الطاعة و لامتثال في الأفعال المأمور بها بما فيها من قيمة موضوعية ترشد إلي الصلاح دون الأفعال القبيحة كالزنا و الغش و السرقة  السكر و المقامرة و نحوها و لا بد يسير الضمير على موضوعية لها قيمة أخلاقية فطرية و لا يكون ينقظا في جميع الحالات و انما يحتاج إلي مرشد وقائد يدفعه للخير و يبعده عن الشر فحكم الضمير قضاء من اللّه‏ غرسه في الذهن مبادى‏ء الحق و الصواب فأصبحت راسخة فيه رسوخ الغرائز الوراثية و تزيدها قوة التربية الدينية و الاجتماعية و الاختيار الشخصي وسعة المعلومات التاريخية و إذا التبس الأمر على الضمير و احتاج ومرشد يستعين بأحكامه و تلمس دليلاً يوضح له طريق الصواب والادلاء خمسه.

          1 - الدليل الطبيعي و هو توقع الآلام الجسدية الّتي تنشأ عن مخالفة السنن الطبيعية كالاسراف في المآكل و المشارب.

          2 - الدليل السياسي و هو توقع العقاب عند مخالفة القوانين.

          3 - الدليل الجتماعي و هو موافقة الرأي العام في ثنائه أو سخطه.

          4 - الدليل الديني و هو الخوف من العقاب في الآخرة و رجاء الثواب فيها.

          5 - الدليل الخلقي و هو ارتياح النفس و سرورها أو قلقها و نفورها بموافقة السراء أو مخالفته.

          و قد يتأثر الضمير بعوامل أخرى بأن يتأثر بالعواطف و الانفعالات و الأعراف و العادات فهو عرضة للخطأ و للصواب في الحكم فإذا هارب من ظالم و سلمته له فقد خالفت العاطفة الحكم و من العادات وأد البنات في الزمن الجاهلي و دفن الزوجة حية مع زوجها الميت فانه مخالف للضمير الا أن العادة قاضية و كذا يتأثر في أمور اجتماعية فالضمير قبل العوامل المؤثرة صحيفة بيضاء و هو قابل للتربية.

          و خلاصة الأمر أنه معرض للأخطاء و لكن نموه بالادراك والارادة. والادراك ضوء للارادة الا أنها تستكمل بصفات ثلاث.

          1 - التروي و التجنب عن الأسباب الباعثة سلبا أو ايجابا.          2 - الحرية و الاختيار لأنّ الانسان خلق حرا و الاكراه ليس من الأخلاق‏شيء.

          3 - النية و هي العزيمة على العمل و بوجود هذه الصفات يكون القهر و السيطرة على الميولات و العواطف.

الضمير عند علماء النفس

          لنشرع في البحث حول مصدر تكوين الضمير من الوجهة النفسانية و هو بين اتجاهين:

          1 - مرجع الضمير إلي قوانين نفسانية أو بيولوجية.

          2 - حاصل من ضغوط أبوية كما هو في نظرية فرويد.

          اذ الأوّل يحكي عن علم النفس العادي كأن تصدر الأفعال محتمة و مفروضة على عالم الشعور و بهذا ينشأ الضمير بأسباب تداعي المعاني و العادة و الوراثة.

          و قد نوقشت هذه النزعة أنه بغض النظر عن كون وراثة الطباع المكتسبة أمرا مشكوكا فيه فان قوانين التداعي و العادة لا يمكن أن تولد غير ألوان من القهر و القسر لا الزاما أخلاقيا و العادة واقعة وزنها ثقيل لكن سلطانها معدوم اذ يكفي التفكير أن يرجع الى أصلها لكي يسلبها مظهرها الالزامي و لو كان الالزام الخلقي يفسرها شكلاً و موضوعا بواسطة قوانين نفسانية فلن يكون هناك الزام بل سيكون لدينا تركيب عقلي كونته الحياة و يقهرنا لكن أوامره لا يمكن أن تلزمنا عن عدل‏و حق أنى لمثل هذا القهر أن تنشأ عنه فكرة الازام و خصوصا فكرة القيم الا الّتي ينبغي لها أن تؤمن تفتح الانسان واشعال حماسته[6].


 

         و الّذي نتصوره أن الزام العادة لا يمثل دورا أخلاقيا و انما الأخلاق صبغة منشأ العادة و الأسباب الّتي دعت الالزام اليها هل هي قائمة على الاعتدال في الصفات فالزام العادة اما أن يكون خاضعا لقيم أخلاقية و اما أن على عادات موروثة ليس لها منشأ أخلاقي واقعي و انما حصل الالزام عن و تداعي المعاني من غير تركيز على مبدأ أخلاقي، و على الجملة ان الزام يرتبط بمبدأ الأخلاق اذ العادة قائمة على تكرر الشيء و التباني عليه من الأعراف الخاصة و هذا لا يعطي صبغة أخلاقية لأنّ الأخلاق يتمثل فيها الصفات و لا بد أن يرجع في الحكم بلحاظ منشئه.

          و أما النقد بكون الالزام الخلقي يفسرها شكلاً و موضوعا بواسطة نفسانية و لا يخفى أنه قد خلط بين قوانين النفس و الحكم العقلي فالالزام مع النفس يرجع‏ناحية السلوك الخاص في النفس و تتبع قوانينها و أما الالزام طريق العقل فلناحية التمييز بين الحق من الباطل و الالزام الخلقي قائم على الصفات فان المحاسب و القاضي هو الضمير.

          و بهذا لا بد أن تفكك في الالزامات بما يلي بلحاظ منشئها.

          1 - الالزام بمقتضى العادة و تداعي المعاني و ذاك يحصل من الأعراف الخاصة يبحث عند الاجتماع.

          2 - الالزام الخلقي و يحصل بواسطة تعديل الصفات و يبحث عنه الأخلاق.

          3 - الالزام بواسطة حكم العقل لادراه الحسن و القبح  يبحث عنه الكلاميون.

          4 - الالزام النفساني بمقتضى طبيعة السلوك و يبحث عنه علماء النفس.

          كما أنه لا بد أن يفرق بين الحكم و ذات الضمير و الّذي نلاحظه النفسانيين و الاجتماعيين الخلط بينهما كما يبدو من الأخلاقيين كذلك.

          و أما الثاني و هو الحاصل من ضغوط الوالدين و يبحث عنه في مجال و قال فرويد و أتباعه ان الضمير هو حاصل الضغوط الابوية على الطفل و هي تتألف من أوامر و نواه و تحريمات منها يتكون ما أسماه فرويد باسم الأنا و تكوين الأنا الفوقاني يسبق تاريخيا تكوين الضمير الأخلاقى ¨فهذا الأخير لا التكوين الا ابتداء من سن الثامنة عشرة و يستمر تكوينه عهد المراهقة كثير من التغيرات و الاكتساب النهائي للاستقلال الذاتي الأخلاقي يتم عادة عامة مع نهاية المراهقة أعني مع اكتساب النضوج العقلي، و من ناحية يؤذن النهائي للأنا الفوقاني نظريا على الأقل اذ أننا سنرى أن الفوقاني لا بهائيا أبدا[7].

         و الّذي يلمع في تصورنا الذهني أن حكم الأبوين دافع إلي دور الطاعة و ليس لحقيقة الضمير فالضمير حاكم عادل في قالب داخلي مبطن والحكم من قبل الوضعي أو الالهي أو من الأبوين أحكام خارجية توجب الدفع و الانقياد إلي فالضمير يقع‏الرتبة المتأخر على التشريع.

          و بعبارة واضحة ان الدفع على نحوين دفع خارجي و دفع داخلي و بينهما مراتب لا عرضية.

          و يبدو من فرويد الخلط بين الدفع الداخلي و الدفع الخارجي.

الضمير عند علماء الاجتماع

          ذهبت مدرسة دوركايم إلي أن تكون الضمير ناشى‏ءمن الهيئة الاجتماعية على من حيث الأسرة و المدرسة و هكذا إلي أن يرتقي إلي سائر النظم الاجتماعية من الأعراف والآيين و التقاليد و العادات و البيئة و الثقافة و هذه المجوعة بل (ضمير الفرد و ما الضمير الفردي الا انعكاس الضمير الجماعي الّذي ولد الفرد و به نشاء  تكون) و يقول دوركايم حين يتكلم الضمير فالمجتمع كله يتكلم الضمير الجماعي هويفكر و يشعر و يريد و ان كان لا يستطيع أن يريد أو يميل الا بواسطة الضمائر الفردية[8].

         و قد انتقد الأخلاقيون علماء الاجتماع و قال في ذلك جبريل مادينيه ان الحياة الاجتماعية لا تخلق الضمير بل تكيفها و تشكلها و إذا كان المجتمع لا يزود الفرد بأداة التمييز بين الخير و الشر فانه يساعده على امتلاك هذه الأداة فعلى شكل نظام متقرر و بواسطة سلسلة من الضغوط و القدرات يقدم المجتمع إلي الفرد، مادة لحكمه الشخصي و يوجه هذا الحكم و يحدد منحى العقل و قليل من الناس يتحررون من هذا السلطان و لا أحد يتحرر تماما منه لكن الضمير الأخلاقي يتضمن جوهريا حكما يصدر، الفرد حكما يمكن الوسط الاجتماعي أن ينشطه و يكونه و يحدده جزئيا و لكنه لا ينتجه آليا و قد يحدث أن يمارس هذا الحكم ضد المجتمع نفسه و أهمية هذا الحكم الشخصي هي الّتي نود أن نكشف عنها.

          و يبدو من الصعب أن يخلق المجتمع فينا فكرة الواجب لا فكرة أن هذا أو ذاك واجب بل الفكرة ذاتها في أن ثم واجبا ان لم تكن هذه الفكرة موجودة فينا على هيئة بذرة و جرثومة على الأقل و حين يأمرنا المجتمع فأما أن نطيع قهرا بأن ننحني أمام قوته ربما و نحن نزوم لكن في هذه الحالة لن يكون في ضميرنا أية فكرة عن الواجب و أما أن نطيع ممتثلين لسلطان هذا المجتمع أي مقرين بأن له الحق في أن يأمرنا و بأن علينا واجب اطاعته لكن يعني هذا أننا نفترض مقدما فكرة الواجب الّتي زعمنا أننا نفسرها  الواقع أن الحياة الاجتماعية و ضغوطها ليست مجرد واقع و لكن تتخذ هذه الضغوط طابعا الزاميا فلا بد أن يقر ضميرنا لها بذلك  لهذا فان الفرد مهما يكن طيعا لأوامر جماعته فانه ينبغي عليه أن يصادق عليها باطنا إذا شاء أن يفعل بوصفه كائنا وألا يكون مجرد صمولة في ماكينة و انحراطنا في المجموع الاجتماعي يجب على الأقل أن يكون موافقة منا والأشكال المتقررة و النظم الاجتماعية و العقلية السائدة و الشعور (أو الضمير) الجماعي يمكن بوصفها كذلك أن تبدو مقدسة عند الطفل أو عند الرجل البدائي لكنهاليست كذلك بالضرورة بالنسبة إلي العقل الّذي يطالب أولاً بفحصها و الحكم عليها و الطابع المقدس المرتبط بالسلطات الاجتماعية مستمد من القيم العقلية الّتي تتجسدها هذه السلطات[9].

         و الّذي يبدو أن الاجتماع لا يخلق ضميرا كما أن الأخلاق كذلك لا تخلق ضميرا و انما الضمير مخلوق بحسب فطرته و الّذي نلاحظه من آراء الاجتماعيين و الأخلاقيين هو الخلط بين الحكم و ذات الضمير اذ الحكم يعطي دور الاندفاع نحو الامتثال و الانقياد نحو المأمور به و ذات الضمير هو التحسس و الوعي الخاص‏الانتماء نحو الحق ضد الباطل فكل له اتجاهه الخاص.

          و أما تحكم المجتمع على الفرد فلا يوجب خلق الضمير فيه و انما يوجب الحكم عليه بأسباب التكتل الاجتماعي و ليس هو الضمير لأنّ الضمير يقع في رتبة متأخرة و لو تساءلنا عن مصدر تكوين ضمير المجتمع لكان الأمر دوريا حيث أن ضمير الفرد متوقف على ضمير المجتمع و ضمير المجتمع متوقف على انضمام الفرد اليه حتى يحصل منه هيئة اجتماعية.

الضمير عند العقلائيين

          يحدثنا كانت (1724 - 1804) أن أسوا خدمة يمكن أن تسري إلي الأخلاق‏أن نريد استخلاصها من القدوات لأنّ كل قدوة يشار على بها يجب أن يحكم عليها مقدما وفقا للمبادى‏ء الأخلاقية حتى يعرف هل تصلح أن تكون قدوة أصلية أي نموذجا يجتذى لكنها لا يمكنها بنفسها أن تزودنا بفكرة الأخلاقية و حتى نموذج القديس‏يتحدث عنه الانجيل يجب أن يقارن أولاً بمثلنا الأعلى عن الكمال الأخلاقي قبل أن نقر بأنه قديس و لهذا يقول هو عن نفسه لماذا تسميني خيرا انا (الّذي تراه) لا خيرا (لا نموذج للخير) الا اللّه‏ وحده (الّذي لا تراه) لكن من أين اكتسبنا تصورنا للّه‏ على أنه الخير الأسمى فقط من الفكرة الّتي يرسمها العقل قبليا للكمال الأخلاقي و الّتي يربطها ربطا لا انفصام له بتصور الارادة الحرة و في أمور الأخلاق لا محل أبدا للاقتداء و القدوات لا تفيد الا في التشجيع أي آنهاتزيل الشك عن امكان تنفيذ ما يأمخر به القانون و تدرج تحت العيان ما تعبر عنه القاعدة العلمية بطريقة أعم لكنها لا تستطيع أبدا أن تعطي الحق في اطراح أصلها الحقيقي القائم في العقل والسير وفقا لها[10].

         و يتخذ من سير كانت أن الأخلاق لها الأسبقية على التجربة و هي كامنة ى طبيعة العقل و لا تحدث الأخلاق من التجربة فالنموذجية الّتي يصطلح عليها كانت تعرف عن طريق فكرة الكمال الأخلاقي و يكون تصويرة للضمير عبارة أخرى عن العقل العلمي.

          و لكن الّذي يبدو أن الضمير هو العقل المنسجم مع طبيعة الحق ضد الباطل و ان كنا نوافق كانت من حيث كونه عقلاً عمليا الا أنه مع اجتماع قوة النفس كما سار عليه الامام الغزالي.

          و من الغريب من آراء كانت حيث يعتقد أن المعرفة قائمة على التجربة بينمامقام الأخلاق يرى لها الأسبقية على التجربة و هي في واقعها معرفة تجريدية فطرية.

الضمير في نظر الكلاميين

          يبحث الكلاميون عن الضمير من زاوية توجه الخطابات الايجابية أو الزجرية نحو المكلفين و علاقته مع الثواب و العقاب فيكون الضمير دافعا للمكلفين نحو الطاعة والانقياد نحو العمل و الا كان المكلف مستحقا للعقاب واللوم من قبل العقلاء لعدم امتثاله للخطاب من قبل المولى الحكيم و يصطلح على هذا المذهب الترابطي ويرأس هذا المذهب في العصر المتأخر استيوارت مل (1806 - 1873) حيث يرى (مل) أن الشعور بالخير و الشر الّذي تعزوه إلي الضمير الأخلاقى انما ينشأ عن الترابط الّذي يصدق و يحسن الفعل يكافا بما يسره و من يرتبط في عقل الطفل الكذب و السرقة بالعقاب أي بالشر و يربتط الصدق و الاحسان بالمكافأة أي بالخير فالخير و الشر يرجعان في نفس الطفل إلي انطباعات مادية هي العقاب و المكافأة و بالعبادة تنفصل هذه الأفكار عن التجربة الّتي ولدتها و بعد تطور معين يتبدى الكذب و السرقة للنفس على أنهما شر ويتبدى الصدق و الاحسان أنهما خير.

          و يوضح الكسندر بين (1818 - 1903) العلاقة بين الأخلاق و بين العقاب حيث يرى أن العقاب هو بداية حال النفس الّذي تسميه بهذه الأسماء المختلفة الضمير الاحساس الخلقي الشعور بالواجب[11].

         و يؤكد على أن الضمير لم يكن مفهومه غير التجنب عن العقوبات في الذهن والواقع و لكن الّذي نرتئيه أن العقاب و الحذر من ليس دخليلاً في مفهوم الضمير و انما الضمير لوحة عن الانتماء بنحو الحق ضد الباطل و لذا بحثنا هذا الموضوع في عدم دخالة الثواب و العقاب في أصل الخطابات الموجهة من قبل المولى الحكيم كما أن الحذر من العقاب و دور الانقياد الموجهة من قبل المولى الحكيم كما أن الخذر من العقاب و دور الانقياد ليس دخيلاً في مفهموم حقيقة الضمير و انما الضمير هو الوعى الخاص الّذي يعتنق الحق ضد الباطل أو بعبارة أخرى عن مجمع قوة النفس و العقل العملي.

          و بما أوضحناه يظهر لك عدم سحظ مذهب التطور في المجالات الأخلاقية كما سار إليه هربرت سبنر (1820 ـ 1903) لان التطور في ناحية الأخلاق لابد أن يكون له صلاحية التطور بينما المعنى الاخلاقى مفهوم واحد غير قابل للتعدد لأنه يحكى عن الاعتدال في الصفات النفسانية كما أنا قد أنكرنا التطور في الجمال الفكرى و قد حرزناه في كتابناه نقد المذهب التجريبي.

          و اليك ما ذكره سبنسر اذ يقول ان قانون التطور هو القانون الكلى الاساسى و تبعا له تنتقل الطبيعة بانظام من حال تجانس غير محدد و غير محكم إلي مزيد من اللا تجانس المحدد المحكم فمثلاً لو وجد وسط ليس فيه غير ظواهر فيزيائية و كيمياية تتكرر و تتركب إلي غير نهاية فيما بينها تبعا للصدفة فان هذا الوسط عينه و يتجه إلي تكوين ألوان من التوازن تسمح بتوالد كائنات حية و تكاثرها و هذه الحالة العضوية
للمادة تعد تقدما في اللاتجانس و مزيدا من الاحكام لان الظواهر الّتي تبدى عنها أكثر تنوعا و أوثق تضامنا بعضها مع بعض من الظواهر الفيزيائية  والكيميائية البحته‏ف و التقدم الاخلاقى تطبيق على حياة الانسان لقانون التقدم الكلى هذا.

          و قد لا حظنا في كتابنا نقد المذهب التجريبي أن تطور في الناحية الفكرية غير صحيح فكذلك التطور في الناحية المادية لان حقيقة التطور تستدعي من جنس الشى‏ء مع أن كل زيادة تعطي حجما معاكسا في كل آن، لأنه لا يستند ذلك الجزء الأوّل إلي الجزء الثاى و انما يكون من نوع الابداع و الاختراع في كل جزء أو آن و ليس من نوع التطور في مادة الشى‏ء و هذا هو مقتضى السير على موازين الدقة العقلية دون السير على الموازين العرفية و لذا ان من يحتذي حذو الدقة العقلية لابد أن لا يخضع إلي التطور في جميع الميادين كما ؤنه لا يمكن تصوير التطور في المجلات الأخلاقية لان الميزان في الأخلاق تعادل الصفات فلا تكون في دور التطور و انما هي من نوع وجود واحد بسيط لا تأتى عن طريق التعلم و الكسب و انما هي أمور فطرية وجدانية و أما الأخلاق بالمفهوم فهى قابلة للنمو و التربية.

ضمائر الناس أربعة

          تقسم ضمائر الناس إلي أربعة أصناف:

          1 ـ صنف أفسدتهم البيئة.

          2 ـ صنف ضعيف السلطات لانهم لا يعلمون الا خوفا منه أولئك هم المراءون.

          3 ـ صنف يرتاح ضمائرهم إلي احرتام القوانين السماوية و الوضعية أولئك هم الّذين يراعون حقوق الآخرين.

          4 ـ صنف قوى ضمير هم وسما شعورهم و ألهموا الصواب في أعمالهم أولئك هم أفضل الناس و خيارهم و هم المثل الكامل.

تأنيب الضمير

          يتسبب تأنين الضمير بعدة عوامل:

          1 ـ الخجل عند حدوث ما يوجب الخجل فيه كعدم امكانة لا لقاء محاضرة بسببب حشد المجتمع أو غيره من موارد الخجل.

          2 ـ أو اقتراف عمل سيء مخالف للأنظمة الأخلاقية كالزنا في ذات بعل أو لواط.

          3 ـ اقتراف قتل عن عمد و ليس بحق.

          4 ـ مخالفة القوانين عند لمسه لعقاب صارم أو عطاء مالية كثيرة عوضا عن المخالفة القانونية.

          5 ـ حصول الندم على انتهاك ذلك العمل المخالف فيه و يقول أسبينوزا ان الندم ليس فضيلة.

          و بعبارة ثاية الندم لا يتولد من العقل لكن من يندم على ما فعل يعد شقيا أو عاجزا مرتين و يقول ماكس ان الندم ليس عبئا ثقيلاً على النفس و لا خداعا للنفس و ليس مجرد عرض على نشاز نفسي و لا صدمة لا معنى لها تأتي بها النفس ضد الماضي و ما لا يمكن تغييره بل على العكس الندم‏ما نظر إليه من الناحية الأخلاقية المحضة هو شكل من أشكال علاج النفس لذاتها بل هو السبيل الوحيد الى استعادة قواها الضائعة و الندم دينيا أكثر من ذلك انه الفعل الطبيعى الّذي و هبه اللّه‏¨ للنفس كما تعود إليه وثبت حينما تبتعد عنه و ليس الندم هو المضير كما نشاهد من داروين (1809 ـ 1882)
الخلط بينهما قال إذا حكمت الغرائز الاجتماعية الثابتة عل يالانطاباعات الماضية الضعيفة هنا لك يشعر الانسان بالندم و التوبة و الاسف أو الخجل و تبعا لذلك يصمم بدرجة متفاوتة في العزم على أن يغير سلوكه في المستقبل، و هذا هو الضمير، و قد أنكر عليه تاريس أنه ليس بصحيح تماما أن تأنيب الضمير أو الندم هو الضمير بل الندم أو التأنيب ينجم عن الضمير و هو يحكم ويدين انه الشعور الانفعالى المصاحب للوم الضمير.

          هذا بالنظر إلي الندم و قد يكونن قيام العمل لدى الشخص مرضياا و مقبولاً فيكون راضياا به وقانعا مما أدى من عمل فإذا قتل شخص شخصا بقناعة أنه ظالم أو هاتك عرض و نحوهما فتجره‏قناعة و اطمئنان و ليس في حالة ندم أو تؤأنيب ضمير و هذا لا ينظر إلي موافقة القانون له أو لا يوافقه في ذلك و انما الميزان في قناعته الذاتية نظير من قام بمحاربة عقيدة يحسبها وفى نظرة عقيدة فاسدة فحكم عليه بالاعدام فهو في دور القناعة و الرضا و ان كان القانون مخالفا له و قيام شخص بالاضراب عن الطعام لتحرير بلاده من الاستعمار حتى الموت فانه في قناعة و ان كان مخالفا لنظام تلك الدولة المستعمرة.

الضمير كسبي أو فطري

          وقع خلاتف في نظر الفلاسفة الاخلاقيين في كون الضمير كسبيا أم فطريا فمن ذهب‏الكسبة حيث أن الضمير مرجعه إلي الشرائع و العادات و التقاليد كما سار على هذه النظرية ستيورات مل و هربرت سبنسر و جماعة من أنصارهما و هؤلاء ذهبوا إلي أن الضمير قوة كسبية وليدة الجماعات الإنسانية كسبها المرء بعوامل نفسية و اجتماعية و بقوة قانون التطور.  

       و ذهبت جماعة أخرى من بينهم (كانت) الالمانى إلي أن الضمير أمر فطرى و يعبر عن هذا المذهب أصحاب مذهب الحاسة الأخلاقية و قد ذكر الدكتور يوسف موسى في كتابه تاريخ‏من الخطر الكبير على الأخلاق أن يقال ان الضمير الّذي يرضى عن كذا من الاعمال و يعدها خيرا و يستنكر كذا من الاعمال و يعدها آثاما كسبي لا فطرى لان هذا يذهب بجمال الفضلية و قداستها و يشجع على انتهاكها ما دامت ليست الا من نسج العصور و لا قيمة لها في ذاتها كنا لا يجعل للبحث الاخلاقى قيمة.

الشعور بأداء الواجب

          مما يحرض على أداء الواجب و هو على ثلاث فصائلك:

          1 ـ الشعور بمخالفة المجتمع العام يحرضه على الاندفاع نحو اداء الواجب فالجنديساحة القتال يجد من نفسه الاندفاع التام في قتال عدوه لأنه مؤمن بعقيدته‏الدفاع عنها إلي غير ذلك من الغايات الّتي يندفع نحو القتال و كذا عندما يقول الشخص الصدق للخوف من سخط المجتمع عليه.

          2 ـ الايمان بتطبيق الأنظمة سواء كانت عن طريق التشريع الالهى أو التشريع الوضعى حيث يجد الفرد أن مثل هذه القوانين لابد من رعايتها و تطبيقها سواء مان تفكيره به عن جهة المصلحة للمجتمع أم بوجود المخالفة يستحق العقوبة فإذا سرق أو ارتشى و نحوها فانها توجب انحلال المجتمع و تفتت عراهف هذا من وجهة المصلحة أو ادراك المفسدة أو يقدم على رعايتها و المحافظة عليها من جهة العقوبة القانونية.


 

          3 ـ الشعور بما يراه حقا من غير نظر إلي المجتمع سواء كانوا متفقين معه أم مختلفين معه و انما يقدم على تنفيذه مهما حصل من تبعات كما يتعاطاه بعض قادة الاصلاح كالامام الحسين  عليه‏السلام عند قيامه ضد الجور و الاستبداد و هكذا في سير الانبياء عامة.

اختلاف الوجدان

          يختلف الوجدان من حيث تقويم الخير و الشر و ربما يرجع ذلك اما إلي جهة البيئة الاجتماعية أو المناخية أو باختلاف العصور في الناحية التاريخية كالارتياح‏الاسترقاق حين ذاك و عدم الارتياح و الاشمئزاز في العصور المتأخرة، و لكن الّذي نتأمله أن هذا الاختلاف لم يطرا علس صفحة الوجدان و انما وقع على صفحة الامر الخارجى لان الوجدان الواقعي لا يختلف باختلاف الازمان و الاحوال كما يتصوره الدكتور أحمد أمين[12] و هكذا لا نعرض عليه صفحة الخطأ و الاشتباه و انما له دور الصيانة و الرعصيمة و لكن بلحاظ مقامه الشخصي دون مقامه النوعى لان الخطأ و الاشتباه على ساحة الوجدان انما يعرض على الامر الخارجى دون ذات الوجدان و بما استعرضناه يمكنك أن تعرف الفرق بين الوجدان الفردى و الوجدان النوعى فان الوجدان الفردى يختلف بطابع الوجود الخارجى بخلاف الوجدان النوعي فإنه غير صالح للاشتباه أو لوقوع الاختلاف فيه كما أنه غير صالح لعروض التربية عليه.


 

[1] . الأخلاق ص 68 ط دار الكتاب عام 1969 الطبعة الثالثة.

 [2] . الأخلاق النظرية ص 56 ـ 57.

 [3] . نفس المصدر ص 58 ـ 59. 

[4] . معارج القدس ص 20.

 [5] . فلسفة الأخلاق في الإسلام للدكتور يوسف موسى ص 138 ط 3.

 [6] . الأخلاق النظرية ص 60 - 61.

 [7] . نفس المصدر ص 61.

 [8] . نفس المصدر ص 62.

 [9] . نفس المصدر ص 64.

 [10] . نفس المصدر ص 67 - 68.

 [11] . المصدر نفسه ص 68 - 69 - 70.

 [12] . الأخلاق ص 70.