|
5 ـ الواقعية ونظرية أصالة الماهية وأصالة الوجود من الأمور التي تعرض إليها الفلاسفة في مباحثهم بأنّ البناء على أصالة الماهية وذلك للنظر إلى أنّ الأصالة أولاً وبالذات لوجود الماهية بلحاظ تشخص الوجود بالموجود الخارجي أو بالوجود العياني وهو ما يعبر عنه بالكلي الطبيعي الذي يصطلح عليه العرفاء بالعين الثابت وإنّ المراد وبالكلي الطبيعي هو المقسم للماهية المطلقة والمختلطة (المخلوطة ) والمجردة، والمهم أنّ القائل بأصالة الماهية شيخ الإشراق لأنه يرى ارجاع الوجود إلى الموجود؛ لأنه لو كان حاصلاً في الأعيان لكان منطبقا على الوجود؛ لأنّ الحصول هو الوجود وذلك إن كل موجود له وجود ولازمه التسلسل، ويمكن قطع التسلسل بإنّ الوجود موجود بلحاظ وجوده العيني لإقالة وجود آخر حتى يلزم منه التسلسل. ويكون بتعبيرا آخر أنّ الأصالة الماهية ألاّ يكون للوجود أفراد في الماهيات ما عدا ذلك الوجود وأنه ليس كل من الموجودات أمرا وراء الحصة من مفهوم الوجود، وهذا بخلاف أصالة الوجود فإنّ الوجود نفس ثبوت الماهية، وليس هو ثبوت شيء للماهية حتى يقال بأنه فرع ثبوت الماهية ، وعليه يكون عنوان أصالة الوجود حقيقته في الأعيان وأنّ للوجود هو الموجود كما يقال أنّ المضاف هو نفس الإضافة لا ما يعرض لها من الجوهر والكم والكيف وغيرها . وبالجملة أنّ الكلام تارة في مفهوم الوجود، وهذا في واقعه الموضوعي أمر انتزاعي قائم في الذهن وهو اعتبار عقلي وأخرى بما يقع في ساحة الأمر الواقعي أن يكون هناك وجود حقيقة غيبية بحيث يكون الأمر الانتزاعي ناشئا من ذلك الوجود العياني؛ ولذا يكون مقولاً بالتشكيك دون المفهوم وإن أطلق التشكيك على المفهوم الوجودي فذاك على نحو التسامح. وعليه يتضح أنّ النظر إلى الوجود له جهة استقلالية بحسب ذاته، وذلك بالقياس إلى كونه موجودا وما عداه من سائر الأشياء وهي التي لا تكون موجودة تقع عارضة لتلك الموجودات العرضية إذ الملاك بما ينظر إلى واقعه الموضوعي في حقيقة الوجود بلحاظ موجوديته العينية دون الاتجاه نحو المفهوم الانتزاعي. ولذا لما كان الوجود يأخذ في واقعه الجهة الاستقلالية بحسب ذاته فيتجه إليه من حيث ذاته بدون ملاحظة ما يعرض عليه حتى في ناحية الأحكام لأنه ينبعث من ذاته كالنورانية في ناحية إشراقها من حيث ذاتها أو كالعلم من ناحية ذاته.. وهكذا. وأمّا البحث بما يرتبط بمدرسة الاشراقيين بما أنهم في اتجاه أصالة الماهية أو بما يرتبط بمدرسة المشائين بما أنهم يرون الأصالة للوجود دون الماهية فيكون ذلك على النهج الآتي: 1 ـ مدرسة الإشراقيين. 2 ـ مدرسة المشائيين. يحسن التعرض إلى الفرق بين الموضوع المدرسي وبين الموضوع المذهبي قبل الدخول في دائرة المدرستين وما يتفرع منها نظرية الماهية أو أصالة الوجود. أمّا بيان الاتجاه المدرسي فيرتبط ذلك بالأسس العامة التي تشكل قاعدة كلية تسير عليها جميع الحركات العلمية ولا نعني بالمدرسي ما يدرس ليشكل معنى جزئيا يرتبط بموضوع المسألة في وقتها الفعلي فإنّ ذلك غير ملحوظ بحسب الصناعة الفلسفية والعلمية إذ الميزان في ضابطة المسألة إذا كانت في إطار مدرسي إذ يقع لها عنوان كلي يواكب جميع الظروف والأحوال من غير تغيير في الضابطة الكلية نفسها ونعبر عن الأمر المدرسي بالحركة التاريخية للضوابط المدرسية الكلية بمعيار فلسفي عام يواكب جميع الظروف. وهذا ما نلاحظه في الإتجاه الروائي والإتجاه العقلاني فإنّ ما يتصور تاريخيا انّ بين هذين الدائرتين لهما العمر التاريخي منذ عصر اليهود القديم إلى عصر الإسلام فإنّ اليهود كان اتجاههم الروائي يسمى بالقرائين والاتجاه العقلاني مشترك بين الجميع وهكذا الحال بالنسبة إلى بحث الخير الشر يتحدث عنهما الأخلاقيون كما يبحث عنهما الفلاسفة من خلال التقابل بينهما تقابل الوجود والعدم وهما من الأمور المدرسية، وهكذا البحث عن الوجود التجريدي والوجود التجريبي (المادي ) فإنهما من الأمور المدرسية أمّا الابتناء على أحدها من قبل الفرد فذاك مرتبط بالإتجاه المذهبي. وأمّا بيان الاتجاه المذهبي فيرتبط بالرأي الشخصي ابتداءً أو في مقام النظرية العلمية التي يقوم عليها صاحبها مثل قياس أبي حنيفة فهو اتجاه مذهبي لا يرتبط بالضوابط الكلية العامة التي تقع نحو الحركة العلمية في جميع العصور، وهذا لا يمنع أن تكون المذهبية ابتداء وليدة الرأي الشخصي إلاّ أنها قابلة للإستمرارية مثل حركة الموجب والمنفي في قانون الكهرباء ونظرية جاليلو في الجاذبية ونحوها وإن كان هناك مفارقة بين ما تقوم عليه النظرية من مبادئ استقرائية وبين ما تقوم عليه من المقدمات الاستنباطية فإنه على الأول إذا كانت المبادئ الاستقرائية ثابتة على نحو الإستقراء التام لا تكون محل نقد وتغيير بخلاف المقدمات الاستنباطية فإنّ في بعض مقدماتها ربما تكون عند بعض قابلة للنقد في ناحية المبادئ والنتائج القائمة عليها بالاضافة إلى انكار انهيار النظرية وسقوطها علميا وإن كانت عن أسس استنباطية؛ ولذا يتضح وجه المفارقة بين الاتجاه المدرسي والمذهبي خلال الديمومة المطلقة أو الديمومة النسبية أو عدمهما في الأول دون الثاني وقد بحثنا عن وجه المفارقة في كتابنا المقارنة الفلسفية بين الشرق والغرب. |