الباب الثالث :نقد التجريبيين

 

طلائع النقد :

          يتصور نقد نظرية التجريبيين في عدة نقاط و قبل بيان المعاني المجردة نشير لديك إلى الصبغة الأولى و هي الّتي ترتسم في المفاهيم العامة و هي الصورة الأولى للتجرد و يتنور لديك ان الوجود الذهني له طاقات واسعة  من المفاهيم الكلية العامة الّتي لايوجد لها موطن خاص بها في الخارج نظير تصوير كلية الانسان و الحيوان و النبات ونحوها فالوجود المفهومي لها غيرصالح للتحديد الخارجي إلا ان يتقل من صفحة الوجود المفهومي إلى الوجود الخارجي و هو ما يعبر عنه لدي علماء الميزان بالكلي الطبيعي أو من نوع الحمل الشائع فيقع التحديد في جانب الوجود الخارجي دون المفهومي.

         

          و الأحكام الكلية الّتي تجري عليها جميع القوانين العامه منوطة بالوجود الذهني في مقام التصور و لو قدر كون الاحكام على نهج القضايا الشخصية الخارجية لكان الحكم منوطاً بها وجوداً و عدماً و تكون الأحكام في محور خاص قابلة للفناء عند فناء موضوعها.

         

          و الأحكام العامة مثلاً بأن جميع الأجسام قابلة للانشطار فإذا كانت الأحكام منوطة بفرد لازمه إلقاء الأحكام  العامة، و يكون هذا  الجسم بالخصوص قابلاً للانقسام
دون بقيه الأجسام ، و بهذا أيضاً لا يفرق الحكم في الجانب الايجابي أو في الجانب السلبي حيث ان الموضوع  يقع محدداً في إطار معين و لم  يكن  قابلا ً للشمول و التوسعة طبقاً لمحوره  الخاص به.

          و على الجملة ان المفاهيم هي عبارة عن الخطوط الذهنية الّتي يتوصل بها إلى معرفة المضمون و الشكل فالكلية تعطي دور الشكلية الّتي تجمع في إطارها الجزئيات أو ما يسمي بالعلامات كما عن علماء النفس ويقع دور العقل في إدراك العلامات و الجزئيات الّتي هي واقعة تحت الكلية و إذا أدرك الكلية يكون من السهل عليه إدراك الجزئيات المعبر عنها في عرف علماء النفس بالمضمون ، و المفهوم قد يتحول إلى فعل أو فكرة و هكذا يمن صيرورتها إلى مادي ملموس و لكن لا بنحو الانقلاب و إنّما بنحو التطبيق على نحو الحمل الشائع دون الحمل الأولى كتصور الشكل إلى شكل خاص من رباعي وسداسي و مستطيل و هكذا اعتبر فيها الوجود الخارجي، دون اللحاظ المفهومي و الّتي تقع في عالم التحديد هو العالم المفهومي أو الوجود الخارجي إذا كان من الأمور الواقعية العارية عن صفحة المادة و العناصر، كما انه ينبغي ان نلفت نظرك إلى الفرق بين الاتجاه الكلاسيكي التجريدي وبين نظرية صاحب الأسفار في التجربة حيث ان نظر الفلاسفة القدامي يرون ان التجريد يحكي عن الانفصال عن الصورة و المادة تماماً بينما رأي الفيلسوف الشيرازي ان المجردات لها صورة و لها مادة بحسب ما يناسبها.

          و لكن يمكن التفصيل في هذا الميدان ان التجرد تارة كما يحدثنا ملا صدرا الشيرازي ان تلحظ المجردات لها صورة ومادة و ذلك بحسب ما تضاف إليها و أخرى ان تكون المجردات عارية عن المادة و الصورة كالحكم الكلي و المسائل الرياضية و الحقوق و التناقض و الفراغ و المعنى الحرفي و الانتزاع.

          فإذا تمسكنابالعالم التجريبي لابدأن نقف على عدة مؤاخذات علمية و فلسفية و إليك بعض النقاط الآنية :

          1 ـ غلق دائرة الأحكام الكلية.


 

          2 ـ سير الفكر التجريبي من الخاص إلى العام على نهج البحث  الاستقرائي دون الرجوع إلى مبدأ القياس و لا يستند إلى دليل الاستنتاج.

          3 ـ التمسك بالتجربة يستدعي القول بعدم الاستحالة.

          4 ـ عجز التجربة عن إثبات الربط بين الوجودين و العلاقة بينهما.

          أما الّتي يجري عليها الميزان العقلي فيرجع أوّلاً إلى مبدأ العلية و ثانياً إلى السنخية والالتئام بين العلاقة و المعلول و ثالثاً عدم التناقض بينما التجربة بعيدة عن هذه الاتجاهات.

          و يمكنك ان تتعرف على أنواع المعاني المجردة حيث تقع على عدة تصورات ذهنية المعاني الكلية المنطقية و الأحكام سواء كانت بنحو الاطلاق و العموم و الحقوق و الاستدلال القياسي و الاستقراء و التفكير و الخيال و الوهم والملكة والزمان و الفراغ و تصورالعدم المطلق و تصوير التناقض و المعنى الاندكاكي  و الانتزاع و الرياضية و الرموز و حلها و اللااقتضاء و اللابشرط المقسمي و الدلالة الالتزامية و الشعور و اللاشعور و الصفات الأخلاقية و البرهان الغائي و التنظيم و العقل التأملي و العقائد و اللانهائية و الترديد و الاطمئنان و الاجتماع و التاريخ و الدور و التسلسل و الاختيار و عدمه و التجربة في المقدمات و التجريد في النتائج و الغاية و المغني و الواقع و المتعلق و الصفة الابداعية و الضرورة و الجزم و تأثير التجرد في المادة و التجرد في ذات الواجب و نحوها كل ما نلاحظه من هذه المعاني الّتي استعرضناها ترشدنا إلى وقوعها بنحو المفهوم العام الّذي لا يكون موطنها إلا في عالم التصورات الذهنية وليس لها حقل خارجي يقع تحت العامل الميكانيكي و التجربة الحسية.

 

1 ـ  المعاني الكلية المنطقية :

          يقصد بالمعاني الكلية المنطقية انها عبارة عن المحور العام في دائرة الوجود الذهني المشتملة إما على أفراد متفقة الحقيقة و النوعية أو مختلفة الحقيقه نظير تصورك لمفهوم الانسان أو للمعدن المعتور لعدة معاني حقائق متباينة يشملها إطار
واحد جامع لها ويعبر عن المتفق الحقيقه بالنوع و يعبر عن المختلف الحقيقة (الجنس)[1].

         و هذه معاني عامة غير صالحة لجريان العامل التجريبي عليها مع ما فيها من صلاحية الاضافة بين كل كلي مع الكلي الآخر من حيث التوسعة و التضيق مثلاً عندما تتصور كلية الانسان مع كلية الحيوان مع كلية النبات و هكذا فهي كليات إضافية لم تقع في إطار التجربة.

          و هكذا عندمايكون الكلي محمولاً على كلي آخر المعبر عنه في عرف المنطقيين بالحمل الأولي و هو عبارة أخرى عن حمل مفهوم عام على مفهوم عام مثله كحمل الناطق على الانسان فانه حمل أولي ذاتي و مثل هذه النوعية من الحمل تقع في إطار التجريد دون العامل التجريبي.

          كما انه لو أردت ان تميز أحد الكليين عن الكلي الآخر إما بنحو الحدية التامة من الجنس و الفصل القريبين،  أو من الجنس و الخاصة كالانسان الضاحك المعبر عنه بالرسم التام، أو بالحدية الناقصة أو الرسم الناقص ، كل هذه الأنحاء تقع في ساحه‏التجريد و وغيرقابلة جلعلهافي المعمل الميكانيكي.

          و ممّا ذكرنا يتضح لديك ان سير الكليات لا تصلح ان تخضع تحت الترجبة لعدم القدرة على أخضاعها للعامل التجريبي و بهذا يمكن تصوير الكلية على ثلاثة أنحاء.

          1 ـ الكلي العقلي.

          2 ـ الكلي المنطقي.

          3 ـ الكلي الطبيعي.

          و بيان معرفة هذه الأنحاء فان الكلي العقلي و عاؤه  الصورة الذهنية العارية عن الاتجاه الخارجي  كتصورك لاجتماع النقيضين فانه كلي متمحض في الجانب العقلي.


 

          و بيان الكلي المنطقي هو اتصاف الكلي بالكلية و تحملها عليه كقولك الانسان كلي و المعدن كلي و الشجركلي فيكون النظر إلى الكلي المنطقي بلحاظ ذلك الاتصاف الخاص.

          و أمّا دور الكلي الطبيعي فيراد به حمل الكلي على مصاديقه الخارجية فتقول ما الذهب و الفضة و النحاس فيقال لك انها معادن و هكذا في بقيه الكليات الطبيعية و ان وجودها بوجود أفرادها إلا ان الاتجاه  في موضوعنا هو لحاظ الكلية المستقرة في الوعاء الذهني من حيث الاتصاف بالكلية كما في الكلي المنطقي أو عدم الاتصاف كما في الكلي العقلي المحض.

 

2 ـ  الأحكام :

          تأتي الأحكام على لسان التشريع بنحو الأمر الانشائي دون المعنى الاخباري أو بالاخبار بقصد الانشاء و هو أكد في الوجوب سواء كانت من قبل الأنبياء أو من قبل الوضعيين ،و يقصد بالأحكام هي الّتي تأتي عن طريق البعث الالزامي أو الزجر من قبل السلطة الدينية أو الوضعية إلى المجتمع على نهج القضايا الحقيقية دون القضية الشخصية ويراد بها الطبيعة الكلية العامة للموجودين و المقدرين في الوجود و لا يكون الزمان في ناحية الحكم بنحو القيدية و الشرطية أو بنحو الجزء في الماهية و الحقيقة و إنّما يقع الزمان مقارناً لأحكام على نحو القضية الحينية أو بنحو الظرف للمظروف.

          و تتكون الأحكام الايجابية على نحو الالزام أو الترجيح و ان لم يكن الطرف الآخر ممنوعاً من الترك كما ان الأحكام السلبية فمادها الزجر، و هي تقع اما حتمية الزجر أو متضمنة ترجح الترك.

          و هناك أحكام أخرى يعبر عنها بالاحكام الوضعية و هي الهادفة إلى جهة الصحة و البطلان من غير نظر إلى ناحية التكليف المحض المحددة لعمل المكلف من حيث الاقتضاء في الوجوب و الندب أو الاقتضاء في الحرمة و الكراهة أو من ناحية
التخيير كما في الأمور الاباحية و إنّما الأحكام الوضعية لها صبغة خارجية دون الحكم المجرد فالأحكام الوضعية ما كانت منتهية إلى جعل شرعي و إلا لما كانت صالحه لانطباق الحكم عليها و لذا ينظر إلى الأحكام الوضعية تارة بماأنها قابلة للجعل التشريعي ابتداءً و استقلالاً سواء كان الحكم قصدبه التأسيس أو التأكيد و أخرى ما كانت قابلة للجعل إلا أنهابنحو التبعية دون الأصالة نظير عنوان الجزئية و الشرطية و المانعيه انها مجعولة تبعاً للحكم كما ان الأحكام الوضعية ليست منتزعة من الأحكام التكليفية كما عن جماعة فالأحكام الوضعية و التكليفية قصد بهما الطبيعة العامة وبهذا لا تكون صالحة للخضوع تحت العامل التجريبي.

          و الأحكام ينظر إليها امامن حيث التوسعة المصداقية أو الزمانية أو من حيث الشمول و السريان فإذا كان النظر متجهاً إلى ناحية التوسعة في الأفراد  كان الحكم عاماً و إذا لوحظ في جانبه الشمول و السريان كان من نوع الاطلاق.

          و قد جعل «كنت» لوحة الأحكام راجعة إلى أربعة أقسام كل قسم يتألف من أربعة لحظات على النحو التالي :

          1 ـ الكم و ينطوي تحته كلي جزئي مفرد.

          2 ـ الكيف و تحته موجب و سالب و لا محدود.

          3 ـ الاضافة و تتألف من حملي و شرطي متصل و شرطي منفصل.

          4 ـ الجهة و في ضمنها احتمالي تقريري ضروري.

          و قد واجه «كانت» مناقشة بأن زيادة المفرد في الكم و اللامحدود في الكيف هما بمثابة نافذتين مسدودتين في المعمار[2].

         و هذه المناقشة مقبولة لأنّ المفرد داخل في ضمن الجزئي فلا مجال لذكره في عرض الجزئي كما ان اللامحدود داخل في إطار السلب فلا موطن له في جعله في عرض السلب.


 

          و كل هذه المعاني من الأحكام غير قابلة للانفعال الميكانيكي و إنّما هي معاني ميتافيزيقية و المعاني الكلية قد تكون وليدة من الاستقراء أو القياس.

          إلا ان الدكتور حلمي المليجي (قال انه يفضل عادة مزيج من الاستقراء أو القياس[3] إلا أنه خلاف الصناعة المنطقية حيث ان الكلية توجد بأحد الموردين دون وجودهما معاً ).

          و بصباغة أخرى نتعرض لحقيقه الحكم و تفريعاته بصورة مفصلة لنبين لك عدم وصول الاحكام تحت التجربة و إنّما لها استقلال ذاتي تناط بمواقف خاصة كما انه لا بد من عدم الخلط بين مقام إنشائية الحكم و فعليته.

          و يتبلور في مقام العرض ان السيادة على المجتمع البشري تتحقق بوجهة شرعية مقبولة و قد توجد عن طريق الغلبة و القهر فعند صدور الحكم على المجتمع الخاضع لأحكامه لا يخلو الأمر بين اتجاهين رئيسيين :

          1 ـ عرض الحكم بنحو الموضوعية المكلل في  إطار السيادة.

          2 ـ بناء الحكم على مصالح أو مفاسد.

          و هذا ان الاتجاهات يعطيان لوحة القيمة الموضوعية للتمسك بذلك الاطار الخاص فإذا انفرد الحكم المكلل بالسيادة عن البناء الموضوعي أصبح الحكم عارياً لا يمت إلى واقعية دافعة سواء كانت إيجابية أم سلبية.

          هذا بالنظر إلى الحكم بوجه عام أمّا الحكم بوجه خاص فيرتكز على ثلاثة قوائم :

          1 ـ الحكم المكلل بالسيادة

          2 ـ الحكم المضاف إلى من له الأحقية في السيادة.

          3 ـ ابتناء الحكم على المصالح و المفاسد أو ما يسمي بمبادي الحكم.

          فإذا تمت هذه القوائم الثلاث كان الحكم حقيقياً يجب إطاعته من قبل الموالي و
ان جاء الحكم فاقداً لبعض هذه القطعات كان الحكم بشكلية خاصة ليس بحجم الحكم الواقعي.

          ثم ان الحكم تارة يقع مباشراً و متمحضاً في الحكم و يسمي الحكم التكليفي و أخرى يقع في حجم الموضوع الخارجي و هو المسمى بالحكم الوضعي أو يمكن ان نقول فيه انه يقع موضوعاً للحكم التكليفي كالملكية و الرقية.

          و ينبغي ان يلاحظ الحكم  في عدم توجهه إلى دور المعارضة لأنّ كل حكم يحكي عن مصلحة و ملاك يصطدم بالملاك الآخر من غير حصول أهمية أحد الملاكين على الآخر كما انه لا بد ان يقع الحكم في اتجاه القضية الحقيقية و هي العامة للموجودين و المقدرين للوجود و لا يكون الحكم في إطار القضيه الشخصية  لأنّ الحكم يناط بموضوعه الخاص بحيث متى انعدم الموضوع انعدم حكمه معه.

          فالحكم  الايجابي قد يعبر عنه بالطلب أو بلفظ الارادة أو انه يعبر عنه بوجود صفة وراء العلم و القدرة و الارادة و هو الفعل النفساني و يكون عند عرض الحكم على الافراد ويجب الطاعة و الانقياد بحكم العقل للخطاب المتعالي، كما ان الحكم الزحري ممّا يحتم على المكلفين الانزجار عنه، كل ذلك بحسب وجود مبدأ الطلب أو مبدأ الزجر من المصلحة و المفسدة.

          و لكن البحث الفلسفي في تقدم الفعل النفساني على الارادة أو العكس و ان كان الّذي اعتقده وجود الفعل النفساني بعد وجود الارادة لا قبل الارادة ، و مثل هذه التصورات لا تقع تحت عناوين التجربة سواء كان الحكم بنحو الفعل النفساني أم الارادة أم الطلب أم الطلب عين الارادة أم الاختلاف بينهما مفهوماً و حقيقه كل هذه الأنحاء لا تجعل الحكم خاضعاً تحت العامل الميكانيكي.

          و قد استعرضنا هذا البحث في كتابنا المحاكمات مفصلاً في النزاع الأصولي و الفلسفي[4].


 

3 ـ الحقوق :

          مسألة الحقوق تعرض إليها فقهاء القانون التشريعي و الوضعي كل بحسب ما يهدف إليه من تعريفه الخاص في ناحية الحق مثلاً ان القانون الوضعي يرى الحق اما بنحو الممكنة أو السلطة عندما يعترف بها القانون للفرد او كان تعريف الحق على أساس وجود الارادة لاكتساب الحق و ان كنت أعتقد ان الارادة غير دخيلة في الحق كما سار عليه بعض فقهاء المسلمين من الامامية[5].

         كل هذه النظريات لا تعطي لوحة عن جعل الحق تحت العامل التجريبي لأنّها من المعاني الاعتيادية و لو قدر كون الحق من الأمور المقولية كما يراه بعض فقهاء الشيعة فان طبيعة المقولة تستدعي كونها من الوجود الخارجي أو ما كانت حيثية موجود خارجي و كلا القسمين لم يقع في حقيقة الحق لأنّ طبيعته تقتضي ان يقع من الأمور الاعتبارية و هي أيضاً غير صالحة تحت عامل التجربه‏و إنّما صبغتها تتناسب مع عالم التجريد.

          و إليك انموذجاً في عرض حقيقة الحق ذكر انه مرتبة ضعيفه من الملك[6] أو انه من الملك بنحو المقولات بمعنى  الجده أو الاضافة كإضافة المالكية و المملوكية أو بمعنى السلطنة الّذي هو من مقولة الكيف[7].

         و قد حررنا في ميدانه الفقهي ان الحق ليس أمراً مقولياً و لا أمراً واقعياً كالماهية للوجود إنّما هو اعتباري و خروج الحق عن المقولة لأنّ طبيعة المقولة تقتضي الدخول في الأمر الخارجي أو ما كان حيثية موجود خارجي كالفوقية و التحتية و طبيعة المقوله ثابتة لا تقع في محط الانظار بخلاف ما نلاحظه في جانب الحق فانه مختلف بحسب الأنظار و لا كان خاضعاً بيد الاعتبار.


 

          و يفترق الحكم عن الحق بأن الحكم لم يكن قابلاً للاسقاط بخلاف الحق فانه قابل للاسقا و ان كان بعض مصاديقه غير قابلة للاسقاط كحق الولاية إلا ان الميزان فيه طبيعته الذاتية دون خروج بعض المصاديق.

          و الغرض من مجموع هذا العرض ان دور الحق يكون في مجال التجريد و لا يلتحق في موكب التجربة بأي صورة ميكانيكية و لذا نجد الانسان ينازع في إثبات الحق في دعواه بشتى الأدلة و ان حصل البعض منها على أمر محسوس إلا ان عنوان الحق لصاحبه يكون من مجالات التجريد دون التجربة كما انه لا يفرق الحال في موضوع البحث بين كونه حقاً نوعياً أو شخصياً و على من يلتزم بالتجربة ان لايؤمن بكل الأحكام المقررة من قبل عامة الوضعيين.

 

4 ـ  الاستدلال القياسي :

          يرتكز الاستدلال القياسي على ضم مقدمتين المعبر عنهما بالصغرى و الكبرى على الاختلاف فيهما من الناحية الكلية و الجزئية أو الموجبة و السالبة المصطلح على هذه المجموعة في عرف المنطقيين و الفلاسفة بالكم في طرف الكلية و الجزئية و الكيف في جانب الموجب و السالب و تكون النتييجة و ليدة هذين المقدمتين ويستقر التعريف فيه من العام إلى الخاص فإذا قام البرهان مثلاً على ان العالم متغير و كل متغير حادث فالعالم حادث يكون الاستدلال القياسي بنحو البرهان العام لجميع صفحات التغير يلازمه الحدوث و التجدد و لا يتناسب مع القدم فمثل هذا الاستنتاج عند ضم المقدمتين يكون من المعاني العامة الّتي لا تخضع للتجربة و هذا باب يسير عليه علماء الأصول في استنباطهم لأحكام الشرعية و ذلك في صورة ضم الصغريات إلى كبرياتها تنتج فرعاً فقهياً إلهياً كما هو منهجية علماء المناطقة في استنتاجاتهم المنطقية و قد حررناه في المنطق مفصلاً كما يرتئي ذلك علماء النفس بأن الاستنتاج عبارة عن استخلاص من عناصر خبرة معروفة سابقاً مع القدرة عليها و يريي علماء النفس ان الحدس من موارد الاستنتاج و لذا يقولون انه استنتاج عادي استخلص  من معلومات
كامنة لا يفطن إلى وجودها الفرد في تلك اللحظة[8].

         و قد اعترض على القياس الارسطي بأنه يستلزم الدور لأنّ المقدمة متوقفة على النتيجة و النتيجة متوقفة على المقدمة إلا أنه يدفع هذا الاعتراض بأن المقدمة في دور الاجمال و النتيجة في طرف التفصيل.

          و يبدو من الدكتور سليمان دنيا في الاجابة عن الدوره بأن كبرى القياس لا تقوم على أساس استقراء تام للجزئيات الداخلة تحتها بل تقوم على أساس استقراء لبعض الجزئيات فقط[9] فان الاجابة منه تقوم على الاستقراء دون القياس و لكن يمكن الاجابة عنهما معاً في دفع الدور بالاجمال و التفصيل بالنظرالي الصغرى و الكبرى و النتيجة ـ الاجمال في المقدمتين و التفصيل في النتيجة.

          و عند مطالعتك لأدلة القياسة سوف تدرك ان عملية الضم و الاستنتاج لم تكن بقوة تجريبية و إنّما هي صفحة تجريدية سواء قلنا بمقالة المناطقة أو علماء النفس فالمطلب مبني على طبيعة الاستنتاج و كيفية الحصول على النتيجة من غير نظر إلى سلامة النتيجة أو سقمها لأنّ الهدف من البحث هو النظر إلى كيفية الاستنتاج بأي صورة تحققت أمّا سلامة النتيجة و عدمها  فوظيفة  العالم  المنطقي متكفل لضم المقدمات الصالحة للحصول على الاستنتاج السليم.

 

5 ـ  الاستقراء :

          طبيعة  الاستقراء و التتبع تقوم على أساس تتبع الموارد الجزئية للوصول إلى الطبيعة الكلية العامة.

          و الاستقراء قد يكون معرى عن التجربة إذا كان في دور الاستنتاج العلمي و هو المبني على الملاحظة و قد يكون مرتدياً لباس التجربة كما لو كان في صورة الاستنتاج
و ذلك في صورة عدم اعتماده على الملاحظة فهو خاضع للتجربة و يرتكز على الحواس.

          فالاستقراء من حيث تتبع الموارد الجزئية للوصول إلى المعاني الكلية ، و ان كان في إطار  العام ذلك إلا ان الاستقراء إذا كان محدداً في قالب الحس يكون منوطاً للعامل التجريبي و لم يكن من مصاديق التجريد و لكن الجزم بآخر نقطة لم يكن من العامل التجريبي و ان حصل بمقدمات تجريبية.

          و على الجملة ان التجربة لا تستطيع ان تنتج برهاناً يقينياً على عكس التجريد لارتكازه على المعاني العامة و ان كانت التجربة قائمه على الدليل الاستقرائي حيث ان المعرفة على الأمر الكلي تتولد من منطق الجزء و لكن تصوير القاعدة العامة يقع بعامل التجريد و ان كان عن طريق الجزء كما ان الجزم بآخر جزء يكون من دائرة التجريد و لايمت إلى التجربة . هذا مع اعتماد الاستقراء على ارتباط الحادثة بالسبب و ان الحالات المتشابهة في الطبيعة تؤدي إلى نتائج متماثلة و ان الاتفاقيات لا تكون دائمة[10].

 

6 ـ  التفكير :

          يقوم التفكير على أساس التجريد دون العامل في انتقال المعاني إلا ان الطابع الّذي يلاحظ في جانب المنكشف هو ما يحتوي عليه التفكير من المعاني المجردة فالصيغة الصوتية و هي الكلمة أو الحركية الدالة على مفهوم  ذهني ما احتوي عليه الاطار اللفظي من معنى  التجريد.

          أما عملية التفكير فيستند إلى الانتقال من الشكل إلى المضمون و هذا تابع إلى مقدار قوة التفكير في مرحلة الانتقال من حيث المرونة و الجمود  و القوة والضعف.

          و لا ننكر وجود صلة بين اللغة والتفكير و ان ذهب بعض علماء النفس إلى ان
المفاهيم تكون نابعة عن اللغة.

          و يحدثنا الدكتور أحمد فائق و (الدكتور محمود عبد القادر) ، )هذه الجوانب الثلاثة تبرز الصلة بين اللغة و التفكير فما دامت اللغة هي المنبع الّذي تصدر عنه المفاهيم فان اضطراب التعامل مع المفاهيم أو طابع الانتقال من الشكل إلى المضمون أو سهولة الانتقال بينهما لابد ان يعكس طبيعة اللغة و ينعكس عليها[11].

         و ان كان في ما اطمئن إليه ان اللغة لا تخلق مفاهيم و معاني ذهنية و إنّما اللغة تكون في صدد الحكاية، و الطرق الرمزية لكشف الحقائق الثابتة في واقعها.

          فالتفكير له القدرة على معالجة الصيغ و الرموز و المضامين و قد ينحج بمهمته بمساعدة  اللغة كما ان له القدرة على الانتقال من الجزئيات إلى الكليات يكون السير عكسياً فينتقل من الكليات إلى الجزئيات و يعتبر هذه المسيرة كما أوضحناها بالاستقراء و القياس لأجل سلامة التفكير من الدخول في قضايا غير برهانية.

          و من جملة انطباقات  التفكير أيضاً صورة  التعلم حيث ان الطبيعة البشرية لها قابلية التعلم بسبب وجود طاقة كامنه‏في قراة نفسه بالحصول على كشف المعلوم بأسباب العلاقة بين العلم و المعلوم و يقتضي طبيعة التفكير البشري عدم التحديد في جانب التعلم وإنّما يستجيب له عن الاستبصار التدريجي مع مراعاة الصورة السابقه و رعاية حسن التناسب بخلاف تعلم بعض الحيوانات كالقردة و نحوها فانها استجابات محددة تقع بواسطة التشريط أو المحاولة و الخطأ أو الاستبصار التالي على الحل.

          و قد لاحظ علماء النفس وجه التفرقة بين التعلم الحيواني و الانساني بما يلي :

          1 ـ تفكير الانسان يختلف كيفياً عن تفكير الحيوان.

          2 ـ تفكير الانسان متطور دون حدود بينما تفكير الحيوان محدود.

          3 ـ تفكير الانسان ينشغل بالمستقبل بينما تفكير تفكير الحيوان قاصر على الحاضر[12].


 

         و ممّا ينطبق عليه التفكير تارة في مرحلة العيان كما يشاهده الطفل في مراحله الأولى فيستجيب لتلك المثيرات الخارجية من مرحلة   الفم إلى ان يتطور في معرفه المثيرات الأخرى إلا أنه لا يمكنه الوصول إلى معرفة العلاقة و الارتباط بين المثيرات ففي بداية حياته الأولى ان النشاط الذهني يتحدد في شكل معين.

          و أخرى في استجابة المثيرات عن طريق التفكير التجريدي الكاذب و ذلك عندما يبدأ الجهاز العصبي في تنظيم الحواس عندما تتآزر بعضها مع بعض كتأوزه حاسة البصر مع اللمس فتودي إلى إدراك الطفل ان ما يلمسه هو نفسه ما يراه فيكون المجموع مثيراً واحداً و ليس مثيرين مختلفين و هكذا في جميع الحواس وربما يكون مثل هذا النوع من التآزر بين الحواس شبيهاً بالتعلم عن طريق المحاولة و الخطأ.

          و ثالثة يكون التفكير في مرحلة و فرة المثيرات يقع، في دور ملاحظة الشبه أو أوجه الاختلاف بين المثيرات و هو ما يسمي بالتفكير المجرد.

          و ذكر بعض علماء النفس  «ان أساس التفكير المجرد هو إدراك العموم و الخصوص في نفس اللحظة في تصنيف اختيار الشكل و اللون يدرك الشخص أوجه الشبه في الشكل و أوجه الاختلاف في اللون فيتعامل مع أحدهما و يرجي التعامل مع الآخر»[13].

         ويوجد التفكير أيضاً في مرحلة الابتكار و المقصود به كما ذكر علماء النفس ان الابتكار له خصائص كالحدس و الالهام فذهب (كان و لاس) (1926) بأن عملية الخلق و الابتكار عبارة عن مراحل متباينة تتولد أثناءها الفكرة الجديدة و هذه المراحل :

          أ ـ الأعداد و تحتوي على الدقة في تصوير الأشكال بالقراءة و التجربة.

          ب ـ الكمون ويتضمن هضماً أو تمثيلاً عقلياً تصورياً و لا شعورياً و امتصاصاً لكل المعلومات المكتسبة الملائمة.

          ج ـ الاشراف و هو عبارة عن الانبثاق المصطلح عليه بشرارة الإبداع و في أول
تكوين الفكرة الجديدة.

          د ـ التحقيق و يراد به الاختبار التجريبي للفكرة المبتكرة.

          و يرى كراتشفيلد (19519) الكمون ربما يعود دون ان يفطن الفرد إلى رموز جديدة أكثر  فائدة مستمده من البيئة كما يسمح لنمو التمثيل الذهني بينما الفرد منغمساً في نشاط آخر.

          و وصف غيزلين مرحلة الاشراق (بأنها العمل الدقيق الحاسم للعقل في عملية الخلق ، و يرى ريس (1959) ان عملية الإبداع تتكون من ستة نقاط ):

          1 ـ وجود الحاجة إلى حل مشكلة.

          2 ـ جميع المعلومات.

          3 ـ التفكير في المشكلة.

          4 ـ تخيل الحلول.

          5 ـ تحقيق الحلول أي إثباتها تجريبياً.

          6 ـ تنفيذ الأفكار.

          و قد أنكر فوكس عملية الإبداع مطلقاً و ان الخطوات الّتي نشاهدها ما ذاك إلا تعبيراً عما يحدث قبل وبعد لحظة الإبداع و الخلق.

          و الّذي يرتسم في محيلتنا ان الابتكار يقع في جهاز التفكير و ليس هو عين الابتكار و الغرض سواء قلنا ان الابتكار له القدرة على الخق و الإبداع أم انه تعبيرعما يحدث كما ذكره فوكس ،و الّذي نعتقده أيضاً و ان كان له جهة الأصالة و الحداثة مع كونه له فائده و كل هذه الأنحاء أضواء عن عالم التجريد دون التجربة بما في التفكير من المرونة التلقائية و هي الّتي تأتي عن طريق الاختبار و الانتقال من نوع لآخر بأسباب وجود الفائدة و تفاعل الفرد مع البيئة أو عن طريق عملية الإبداع أو توصيل الانتاج المبتكر إلى الآخرين و هذه العوامل ممّا يستعين بها على الحصول إلى الطرف الثاني. اذا كانت بمعنى الاصالة و الخلق فاذا استطاع الشخص ابتكار أو كانت المرونة تكيفيه كما هو في صورة الابتكار (شي صار ماهراً و كل هذه الأنحاء دليل على تجريدها و ان
استعان الفكر في ناحية أخرى إلى الماديات فذاك من أجل الوصول إلى النتيجة و النتائج أيضاً غير خاضعة للتجربة).

          و نجب ان نلفت نظرك إلى ان الفكر لم يكن حصيلة  الدماغ بينما الدماغ قائم على الخلايا و التجدد في كل ان بينما سير الفكر في خط آخر لا يتمشي مع طبيعة الخلايا و إنّما الفكر عمل عقلي غير صالح للاستهلاك كما هو بالنظر إلى تجدد الخلايا وإنّما الفكر عمل عقلي غير صالح للاستهلاك كما هو بالنظر إلى تجدد الخلايا ويقول الكسيس كاريل (و من العجيب ان العمل العقلي لا يزيد في تجدد الخلايا إذ يبدو انه لا يحتاج إلى أي نشاط أو انه يستهلك كمية ضئيلة جداً منه إلى درجة لا يمكن اكتشافها بواسطة فنوننا الراهنة بالطبع ان من الحقائق الّتي تدعو للدهشة ان التفكير البشري الّذي غير سطح الأرض وقضى على شعوب كما أنشأ شعوياً أخرى و اكتشف عوالم جديدة في الفراغ الكوكبي  الشاسع الأطراف هذا التفكير البشري قد بلغ حد الاتقان من غير ان يطالب بأي قدر يقاس من النشاط ان أقوي جهد يبذله تفكيرنا له تأثير تافه على تجدد خلايانا و هذا التأثير لا يقارن بذلك التأثير الّذي يحدثه تقبض عضلة الكتف حينما ترفع ثقلاً يزن غرامات قليلة[14].

         و بالجملة ان دور الفكر يعطي اللمحات إلى فضاء التصور و التصديق و مثل هذا يقع من صفحات التجرد و لا يستقيم مع خطي التجربة و كونه حصيلاً من الدماغ المكون من مجموعة خلايا تتجدد في كل ان بينما حصيلة الفكر و الوعي لها الاستقامة من حيث الجانب التصوري أو التصديقي و اما ادعاءات المادية أولا : ان الوعي و الأفكار و التصورات و الارادات من اعراض الانسان وثالثاً ان الوعي انعكاسات صورة الأشياء إلى الدماغ و التفكير ليس الا اعادة لانتاج الواقع منسوخاً على صفحة الذهن[15]
يمكن مناقشتها فان هذه العناوين الثلاث أمّا الأول فان الوعي و الفكر و التصور و الارادة لابدلها من متعلق و لكن لا ينحصر في جانب الماده و اما الثاني ان الوعي و التفكير ليس من نتائج الدماغ كما اوضحناه و اما الثالث ان الفكر و الوعي لهما موضوعية مستقل و ليسا من نوع الانعكاسات للدماغ.

 

7 ـ  الخيال :

          ذكر علماء النفس ان التفكير هو علاقة الشخص بواقعه اما التخيل فهو علاقة الشخص بنفسه و يقع  التخيل  في دور صياغة الواقع الداخلي عن كشفه للرغبات الداخلية و الجهات الغريزيه.

          و بالجملة ان التفكير خيال الا انه بملاحظة الواقع الخارجي و التخيل تفكير ولكنه يفقد الواقع صفه الاشباع في الرغبة و ان له وجود واقعي الا انه بالنظر إلى الداخل دون ملاحظة الخارج كما يحمله صورة التفكير.

          و ليس للخيال صلاحية الاستمرار فاذا استمر فترة طويلة يكون دليلاً على عدم سلامته ، و لذا يقسم علماء النفس الخيال بين حالتين خيال سوي وخيال مرضي فان كان الخيال مستمراً كان مرضياً وان كان في فترة قصيرة كان خيالا سوياً.

          و ذهب بعض العلماء إلى ان الميزان في السلامة و المرض الابتعاد عن الواقع و اقربه اليه، اما نظر علماء المناطقة فقد بحثوا مسأله الخيال من زاوية الصناعة الشعرية حيث انه يرتكز على الخيال كما يعرف الشعر انه كلام مخيل مؤلف من اقوال موزونة متساويه مقفاة.

          و قد تكون المخيلات واقعية أو كاذبة إلا ان لها التأثير على النفوس في تحريك مشاعرها في  دور الخطابات و الشعر.

          فعالم الخيال له التأثير على النفوس من حيث التلذذ و النفوره.

           و يعتبر المناطقة ان الخيال اساسه التصوير و المحاكاة و التمثيل لما يراد من التعبير عن معنى  و التصوير له من الواقع  في النفوس ما ليس لحكاية الواقع باداء معناه
مجرداً عن تصويره[16].

         كل ما نلاحظه من بحث الخيال في كلا العلمين النفسي و المنطقي فانه يسير في ركاب التجرد و ليس له علاقة بالماديات و الركون إلى عالم التجربة في تحليق النفس إلى المثل و الميتافيزيقا.

          و الرجوع إلى سبب التفكير أو الخيال اذا كان في بعض الاحيان لا يوجب ان يقعا في العامل التجريبي لأنهما من نوع الاضواء التجريدية.

 

8 ـ الوهم :

          الوهم هو الإدراك نحو امر غير محسوس فالوهم من المعاني المجردة عن الحس الّذي يتعلق غالباً في الامور الكاذبة الّتي لا واقعية لها و يكون دائماً في سير معاكس مع اتجا العقل ربما يحكم العقل بتجسيد شيء و يقوم الوهم على خلافه و قد يبرهن العقل بالتجريد و يقوم الوهم بالبرهان على التجسيد و هكذا.

          فمثلاً يرى الوهم ان كل موجود لا بد ان يخضع للاشارة الحسية حتى بالقياس للّه‏ سبحانه فانه يتمثله في مكان مرتفع و البرهان العقلي على خلافه.

          و يعد الوهم من الجهات الاعتقادية فيبني المتوهم على أمر و ان لم يكن له حقيقة واقعية و يبحث علماء النفس عن الوهم من زاوية القلق و الخوف و الانهيار العصبي (الهتسيريا).

          و يتعرض علماء المناطقة إلى الوهم في اطار الاعتقاد الكاذب الّذي تيحدد في صوره طرف المرجوح و ترك الراجح و يستعين السفسطائيون على معتقداتهم في مقام الجدل.

 

 


 

9 ـ الملكة :

          الملكة من الصفات النفسانية و ذكر في تعريفها بانها قوه راسخة في النفس تختلف عن الطبع أو الفطرة اختلاف الكل نوعاً ما عن الناقص و يطلق عليها الكندي في رسالته في العقل القينة و هي عبارة أخرى عن القدرة على اتيان فعل أو قول متى شاء بما يقتضيه استعداد ذلك الشيء و قابليته نظير وجود الكتابة للشخص أو معرفته لبعض الصناعات و الحرف و الفنون و نحوها فاذا فقدت تلك الأمور يكون عدماً لها ويقال عدم الملكة نظير عدم البصر فان توجه العدم لا يحصل الا ممن له شأنية الاتصاف بتلك الفعلية الخاصة.

          و بعبارة ثالثة ان الملكة عبارة عن كون النفس لها القابلية متى شاءت بان تخرج الشي من دائرة الاستعداد إلى مرحلة الفعليه مع صلاحيه ذلك الشيء للتقبل و يقول الفيلسوف الشيرازي في توضيح الملكه في صفحة العلم (تحصل أي الملكة ـ من ممارسة العلوم و الأفكار يقدر بسبب حصول تلك الملكة على استحضار الصور العقليه متى شاء بلا تجشم كسب جديد و ان لم تكن علومه و ادراكاته حينئذ حاضرة عنده).

          و يمكن تناول تعريف الملكة بانها عبارة عن وقوع العقل وسطاً بين القوة و الفعل و ذلك عند حصوله بين العقل الهيولاني المعبر عنه بالقوة المحضة و بين العقل الفعال و هو المسمى فعل محض و القائم بينها العقل المسمى بالملكة.

          كل ذلك يعطي كون الملكة من صفحات التجرد لانها من الصفات النفسانية و هي عند ما يكون لها  القوة من الخروج من صفحة الاستعداد إلى صفحة الفعلية.

          فيبحث علماء النفس عن الملكة من حيث قابليتها وقوتها في خروجها من دائرة القوة إلى الفعلية ويبحث عنها الاصولي في مسأله المشتق فيها لو فقدت الملكة هل يجري المشتق على من تلبس و انقضي عنه المبدأ نظير من تلبس بخلاف جريان الملكة من نوم أو اعماء أو انشغال بعمل و نحوها فهل الملكة باقية حقيقة أو تصدق مجازاً في مجال الانقضاء.


 

          و يبحث عنها الفقيه في العدالة هل تعتبر بمعنى  الملكة  أو بمعنى  المقتضى لوجود مقتضاه أو حسن الظاهر.

          كل هذه الابحاث في مقام التجرد و ليس لها صلة بالعامل التجريبي اصلا بشتي اختلاف المذاهب في انحاء الملكة فعندمايكون للانسان ملكة العلم و القدرة في استنباط الحكم أو الملكة على الخطابة أو الملكة على بعض الحرف و الصناعات فانها في واقعها صفة عارية عن العنصر التجريبي و ليست قابلة للتجزئة و التحليل الميكانيكي مع كونها من المعاني البسيطة و يلزم على التجريبي ان تكون معلوماته آنية الوجود.

 

10 ـ الزمان :

           اشرنا إلى حقيقة الزمان بانه من الحقائق المجرده و ليس داخلاً في قالب الحواس.

          و ذكر بعض الفلاسفه ان الزمان نظير الحركة التوسطية غير قابل للتجزئة إلى الماضي و المستقبل و هو وعاء للحركة التوسطيه و ليس له وجود عيني كما ذهب اليه بعض المتكلمين و ليس  بجوهر جسماني الّذي هو عبارة أخرى عن الفلك الاقصى كما انه ليس بنفس الحركة.

          و بالجملة ان الّذي نعتقده ان الزمان اعتبار عقلي ليس من نوع العوارض الخارجية و انما الزمان من الامور التحليلية يكون عروضها بحسب الماهية للحركة تحليلياً لاخارجياً و بهذه الفكرة يحدثنا بها الفيلسوف الشيرازي كما في نص عبارته (الحركة و الزمان من العوارض المتأخرة في الوجود للطبيعة و مثل هذا العارض لا وجود له في الاعيان الا بنفس وجود معروضه اذ لا عارضية و لا معروضيه بينهما الا بحسب الاعتبار الذهني).

          و ممّا استعرضناه يتضح لديك ان الزمان سليم عن الدخول في عالم الحس و التجربة و لو التزمنا بدخوله تحت الحس و التجربة لاستلزم مؤاخذات فلسفية و
علمية.

          و تعال معي الي فتح كل سجل تاريخي عن حياكة الزمان في نسج آراء الفلاسفة القدامى اذ اختارت جمهرة من الفلاسفه ان الزمان عبارة عن مرور الايام و الليالي و مقدار حركه الفلك ينقسم إلى القرون و القرون إلى السنين و السنون إلى الشهور و الشهور إلى الأيام والساعات و هو انفس رأس مال به يكتسب كل سعادة و به يضمحل شيئاً فشيئاً.

          و جعل اليونان و الرومان و منسبقهم من الأمم المتقدمة الزمان في جملة معبوداتهم ولما كانوا يشخصون الموهومات ويعينون لكل أمر صورة معلومة نحتوا للزمان تمثالاً فشخصوه شيخاً اشهب اللحية جليل القدر عريض الجبهة مكشوف الرأس كللته الهيبة باكلة الوقارذو عينين براقتين تدل أرسطو على النجابة كثيب الشعر متجعد الناصية.

          و هذا التمثال يحكي عن حالة تكون الزمان و انه قد مر على التجارب و صار ذو حنكة و تدبر.

          و ذكر ارسوط تعريف الزمان (بانه المعدود أي ماهو مشار اليه في حضره العقرب السائر أو الظل[17] و يقصد به العدد المقروء  في كل لحظة حاضرة يمر بها العقرب السائر في الساعات العادية أو الظل في المزولة و يبدو نظر أرسطو إلى جهة التحرك الزمني في الآن الفعلي المكون من عدة آنات ، ويعتقد أفلوطين ان الزمان الأصيل في النفس الكلية حيث ان العالم مكون من ثلاثة جواهر : 1 ـ الواحد 2 ـ العقل 3 ـ النفس الكلية فالواحد غير متحرك و العقل صار من الواحد و النفس الكلية صادرة من العقل و تعطي دور الحركة من غير تغير كما في الحركة الطبيعية و تتصف بالزمان لكونها تقع في مجال الحياة فتنتقل من ان إلى ان آخر و يكون زمانها حاك عن الواحد
والعقل[18] و عرف زينون الرواقي الزمان (بأنه ليس إلا مدة كل حركة) و عرفه كريسفوس (بأنه مدة حركة الكون) و يعتقد ارخوطاس ان المحرك الأول هو النفس الكلية وهي متحركة بذاتها كماسار عليه أفلاطون و بواسطة حركتها الذاتية تتولد جميع الحركات للعالم فتكون الحركة الأولى علة للحركة الثانية و يكون الزمان في رأي ارخوطاس هي الحركة المتولدة من حركة النفس الكلية و هي عبارة عن الحركة العامة للكون و يفترق الخط التعريفي بين أرسطو و ارخوطاس، ان أرسطو (يقول ان الزمان مقدار كل حركة) إلا ان ارخوطاس يرى (ان الزمان هو عبارة عن مقدار حركة معلومة) و يكون قصد عبارة أخرى عن الحركة الجوهرية فتكون (أقوال الأقدمين مع التعريف الّذي قال به ارخوطاس فبعضهم يعرف الزمان كمايدل عليه هذا اللفظ نفسه بأنه دورة معينة تقوم بها النفس الكلية حول العقل وبعض آخر يربطه بالحركة الدورية للنفس الكليه‏وعقلها الخاص و نفر ثالث يربطه بالدورات الدائرية للكواكب و الصيغة الفيثاغورية تضم معاً كل هذه التعريفات فان المدة العامه للطبيعة الكلية تشتمل في داخلها بوجه عام على كل الطبائع وتمتد إليها جميعاً بلا استثناء).

          و ذهب أرسطو الى (ان الزمان عبارة عن مقدار الفلك الاعظم الملقب بالفلك الأطلس ) (و ذهب الجرجاني في التعريفات إلى كون الزمان عبارة عن مقدار حركه الفلك ).

          و اختار المتكلمون بان الزمان عبارة عن متجدد معلوم يقدر فيه متجدد آخر موهوم كمايقال آتيك عند طلوع الشمس فان طلوع الشمس معلوم و الاتيان موهوم فاذا قرن الموهوم بذلك المعلوم زال الابهام.

          و تمسك الزرادشتية بأن للمعبودات أباً و سمته زروان و هو المقصود بالزمان و نسب إليه قوة الخلق و قالت بأنه ولد لهرمز و اهرمن و أمّا الاختلاف بين الزمان و الدهر ان الزمان يقع على المدة الكثيرة و القليلة بينما الدهر يوجد في دائرة المدة الكثيرة.


 

          و تعرض الفلاسفة إلى الزمان في الأعراض في الكم من حيث النظر إلى ان الزمان كم متصل فينظر إليه من حيث هو هو و ينظر  إليه مرة أخرى من ناحية عروضه على الحركة العارضة على المسافة.

          و يبحث عنه في متى أيضاً كما ذكره الخاجه نصير الطوسي و هو النسبة إلى الزمان فاتضح من مجموع هذا العرض ان الزمان حقيقة مجردة و ان التجسيد له من بعض النظريات لا يعطي بيان واقع الزمان، و إنّما الحقيقه هي الّتي أشرنا إليها بكون الزمان من الجهات التحليلية كما ذهب إليه الفيلسوف الشيرازي.

          و عند ملاحظة نظرية هيدجر[19]  مع نظرية هيجل كلا هما يرجعان الزمان إلى الصفة الآنية على أساس الآن  يعطي دور الحدية و قد فسر الآن بمعنى  النقطة و عند أرسطو بمعنى  الشيء المعين ولكن سواء تمسكنا بنظرية أرسطو بأن الزمان ذلك المعنى الواضح عند عامة الناس أو بما ذهب إليه هيجل بأنه أمر عقلي تصوري منطقي كلياً من حقل المجردات و إنّما الحقيقة للزمان كماسار عليه الشيرازي وبهذا فان أبعاد الزمان من الحاضر و المستقبل و الماضي لا تكون المعنى الحقيقي للزمان إلا بصفة الحاضر إذ المستقبل منوط في الحاضر و الماضي يحصل كنتيجة للمستقبل إلا ان الّذي يبدو لدينا ان الزمان لا يتحدد بصفة الحاضر أو المستقبل أو الماضي و أنما هي أمور تحليلية بلحاظ متعلق الزمان و ليس الزمان منقسماً إلى هذه الأمور الثلاثة.

 

11 ـ الفراغ :

          مسألة الفراغ يبحث عنها الفلاسفة في إمكانية الخلاء و عدمه و ان كان العلم الحديث أقر الفراغ لوجود الذرة لأجل  الحركة فيه و لا يصغي إلى نظرية الفلاسفة التقليدية بعدم الفراغ و ما صاغوه من إدلة على الامتناع غير مقبول علمياً . و إنّما الاعتبار الاساسي في طبيعة الفراغ ان يكون هناك شيء يلائم طبيعة التحرك سواء كان هناك
وجود ذري ام غيره.

          كل ذلك يعطي كون الفراغ من الأمور التجريدية العارية عن أي عنصر و ليس الفراغ واقعياً في إطار التجربة و القضايا المحسوسة.

 

12 ـ العدم المطلق :

          يتصور للعدم على اتجاهين :

          1 ـ العدم المطلق و هو ما حصل مقابلاً للوجود المطلق.

          2 ـ العدم المقيد و هو الّذي يحصل بعد الوجود و يكون متجهاً إلى نفيه خاصة أما دور العدم المطلق فليس له وعاء تجريبي و ك‏إنّما وعاؤه صفحه المجردات‏بالنسبة إلى العدم المقيد و هو الناظر إلى اتجاه العدم نحو الوجود الّذي هو عبارة عن العدم و الملكة فالتجرد و عدمه ينظر إلى جهة الاضافة في ناحية الوجود و إلا ان لوحظ العدم بما هو فليس صالحاً  أيضاً  للخضوع تحت العامل التجريبي.

 

13 ـ تصوير التناقض الميتافيزيقي :

           التناقض يقع في صور اجتماع الوجود مع العدم في صورة تمامية شروط التناقض من وحدة الموضوع و المحمول و الزمان و المكان و القوة و الفعلية و الكل و الجزء و الشرط و الاضافة فإذا اكتملت الشروط صح التناقض ، و يكون وعاؤه الذهن دون الأمر الخارجي و بهذا لا يقع في إطار التجربة و الحواس الظاهرة كما ان رفض التناقض أمر عقلى مجرد.

          و أمّا تصوير التناقض الديالكتيكي و هو الّذي يقع بين شيئين في مكانين متقاربين كالسالب و الموجب في السلك الكهربائي أو في زمانين متقاربين كالبيضة و الفروجة فهو ليس بتناقض واقعي و إنّما التناقض ما جاءت به الميتافيزيقا الّتي تعتبر التناقض محدداً في الشروط الثمانية و إليك ما جاء به هنري لوفانر حين لا يجريفليست ثمة مناقضة ، و من ناحية مقابلة حين لا يكون ثمه مناقضة لا يحدث
شي و لا يجد أي شيء و لا يلاحظ أي نشاط و لا يظهر شيءجديد و سواء كان الأمر يتعلق بحال من الركود ام التوازن المؤقت أم يلحظه من الازدهار فان الكائن أوغير المتناقض في ذاته يكون في مرحلة ساكنة موقتاً[20]
 و الّذي نلاحظه من مجموع ذلك هو عدم فهمهم لمرحلة الاستعداد و الفعلية.

          وقال ماوتسي تونغ لقضية  عمومية التناقض أو الوجود المطلق للتناقض معنى مزدوج الأول هو ان التناقض قائم في عملية تطور كافة الأشياء و الثاني هو انه في عملية تطور كل شيء تقوم حركة اضداد من البداية حتى النهاية يقول انجلز (الحركة نفسها تناقض[21].

         و يبدو ان المذهب الماركسي القائل بالتناقض في الحركة لم يفرق بين الانتقال من القوة إلى الفعلية بينما شرطية التناقض الميتافيزيقي يعتبر الوحدة في القوة و الفعلية فإذا اختلفت الجهه لم يتحقق التناقض.

          و يمكن ان يقع التناقض في الموجودات عند الماركسيين بما ذهب إليه أرسطو في الأضداد و لكن لم يفرق الماركسيون بين حقيقة الضدية لأنّ مآلها إلى الوحدة في الوجود بينما التناقض مرجعه إلى التنافي بين السلب و الايجاب و قد مثلوا التناقض بالحركة المتطورة و الحياة و الموت و في مقدرة الانسان على المعرفة.

          و إليك ما نص عليه أرسطو في الصراع بين الأضداد الخارجية و على جملة من القول ان شيئاً مجانساً يمكن ان يقبل فصلاً من قبل الشيء المجانس و السبب فيه ان جميع الأضداد هي في جنس واحد و ان الأضداد تفصل بعضها من بعض و تقبل بعضها من قبل البعض الآخر[22] فبحسب الصورة قد انضم شيء ما لكل جزء كيف ما اتفق و لكن لا بحسب المادة و مع ذلك فان الكل صار أعظم لأنّ شيئاً جاء و انضم إليه و هذا الشيء يسمي الغذاء و يسمي أيضاً الضد و لكن هذا الشيء لا يزيد من ان يتغير في
النوع بعينه كمثل ما يأتي  الرطب ينضم إلى اليابس و بانضمامه إليه يتغير بأن يصير هو نفسه يابساً و في الواقع يمكن معاً ان الشبيه ينمو بالشبيه و بجهة أخرى يكون ذلك باللاشيئية[23].

         و خلاصة  التناقض الديالكتيكي انه قد أخفق بقاعدتين فلسفتين و هما :

          1 ـ عدم المعرفة بين القوة و الفعلية كما في الحركة الناقصة والكاملة.

          2 ـ الخلط بين الضدية و التناقض كما هو بالنسبة إلى السلك الكهربائي من الموجب و السالب بل هما متضادان و أمّا الحياة و الموت فلا تناقض بينهما لاختلاف الزمان بينهما و أمّا مقدرة الانسان من حيث المجموع و نفيه لا بعاضه لا يثبت التناقض لأنّ نفي الخاص لا يستلزم نفي العام لأنّ النفي للفرد لا للحقيقة.

          و يتضح ممّا استعرضنا ان صورة التناقض يكون موطنها الذهن و عالم التجريد و ليس مرتهناً  بالتجربة.

          و يكون الحكم الميتافيزيقي بحسب الاستحالة على ثلاثة أنواع :

          1 ـ الاستحالة المنطقية و هي الّتي لا تحمل إلا على قضية فيها جهة إيجابية و جهة سلبية كقولك المربع له أربعة أضلاع و ليس له أربعة أضلاع لأنّ القضية الأولى إيجابية مناقضة للقضية الثانية.

          2 ـ الاستحالة التجريبية و هي استحالة تقع في الجملة إذا كانت تقرر شيئاً يناقض قانوناً من القوانين  قانوناً من القوانين الطبيعية نظير قولك الماء يغلي لدرجة مائة وهو في مستوي سطح البحر و إذن فإذا قال قائل ان الماء لا يغلي في درجة مائة و هو في مستوي سطح البحر كان من نوع الاستحالة.

          3 ـ الاستحالة الفنية و هي النظر إلى الچ‏هة الفعلية كالصعود إلى بعض الكرات أو الصعود إلى القمر حين وقته كان متعذراً لعدم تهيئة مقدماته الفنية وحقيقة الاستحالة الفنية مرجعها إلى العرف إلا ان المعنى الحقيقي للاستحالة لا ينطبق إلا على الاستحالة
العقلية دون الاستحالة التجريبية و الاستحالة الفنية ولكن درك الاستحالة الفنية و لكن درك الاستحالة و الامتناع هو بعامل تجريدي أيضاً و كلما أراد التجريبي ان يفر من ميدان التجريد وقع فيه قهراً.

 

14 ـ المعنى الاندكاكي (الحرفي) :

          وقعت عدة نظريات حول المعنى الحرفي و هو المعنى الفاني و المندك بين الموضوع و المحمول : و هو من المعاني الآلية و الطريقية كما في المرآة للمرئي و اليك بيان النظريات العامة في خطوطها العريضة.

          1 ـ عدم اتصاف الحروف بالكلية و الجزئية و إذا اتصفت بهما فذاك بلحاظ المتعلق كما هو نظر الرشتي.

          2 ـ المعنى  الاستقلالي والآلي بالنظر إلى الاستعمال كما هي نظرية صاحب الكفاية.

          3 ـ المعاني الحرفية نظير المعاني الاعتبارية كما هي نظرية الفقيه السيد الحكيم.

          4 ـ المعاني الحرفية من نوع الأمور الواقعية كما هي نظرية سماحة و الدنا.

          5 ـ الحروف من نوع الاضافات بأن يكون يكون المفهوم الحرفي كلي استقلالي إلا أنه مندك في الجزئيات.

          و قد ذكرنا في كتابنا المحاكمات بين الكفاية و الاعلام الثلاث، ان المعنى في الذهن و المفهوم المتصور إما استقلالي أو إلى فإذا قسنا المفهوم إلى الخارج ان وجد في نفسه و لنفسه عبرنا عنه جوهراً و إذا لوحظ إلى الخارج كان وجوداً متقوماً بغيره وإذا لوحظ إلى الخارج لم يكن  رابطياً  و  كان وجوداً متقوماً بغيره و إذا لوحظ إلى الخارج لم يكن رابطياً ولا جوهراً و إنّما الحرف و الاندكاك يقع في صورة الوجود الرابط و ليس بالنظر إلى الوجود الرابطي[24].


 

         فالوجود الرابطي يحكي عن الصفحة الاستقلالية بينما الوجود الآلي الاندكاكي يوجد عن طريق الوجود الرابط و سوف تلاحظ ان دور الاندكاك موطنه التجريد ولايركن إلى عالم التجربة سواء كان مفهومه معناً  استقلالياً أو آلياً حيث ان وعاء ه الصورة الذهنية ومسألة التجريد لا تحدد في إطار الآليه و إنّمالها السعة حتى بالنسبة للاستقلالية أيضاً و يرى جون لوك رجوع العلاقة إلى الأفكار المركبه حيث قسم الأفكار إلى نوعين بسيطة و مركبة و مآل الأفكار المركبة الرجوع إلى الموقف التجريبي و قيل لها بالابوة و الأخوة و الزوجية[25].

         إلا ان الّذي يبدو ان العلاقة تارة ترجع إلى الجهات الواقعية التصورية و أخرى إلى جهة واقعية خارجية و ثالثة إلى ناحية الدال على وجود المدلولا و حصر العلاقة بالأفكار المركبة غيرتام لأنّ العلاقة تستقر في اتجاه البساطة و لا تكون في جانب التركيب حيث ان جميع العلاقات مهما يكن نصيبها من التجريد و البعد عن الحس تؤول في نهاية المطاف إلى أفكار بسيطة.

          و تقع العلاقة إمابين العام و الخاص من مطلق أو بين العام و الخاص من وجه كما انه قد تقع العلاقة بين العامين على نحو المباينة كالعلاقة بين الحجر و الانسان و قد تقع العلاقة متساوية بينهما كعلاقة الانسان مع البشر و يعبر المنطقيون بالعلاقة وجود النسبة بين الكليين حيث قسموها إلى أربع نسب العموم و الخصوص من مطلق كالحيوان و الانسان فالعام من جانب الحيوان و الخاص من جانب الانسان، و هكذا بالنسبة إلى المعدن و النحاس و نسبة العموم و الخصوص من وجه كالبياض مع الانسان الأبيض، و يفترق البياض عن الانسان في مورد الاجتماع كالانسان الأبيض و يفترق البياض عن الانسان في الفرطاس الابيض، و يفترق الانسان عن البياض في الانسان الأسود، و نسبة التساوي كالناطق مع البشر، و نسبة التباين كالحجر و الانسان، هذا بالنظر إلى جهة الايجاب في النسب الأربع، و أمّا نقائضها فنقيض العموم من مطلق
يكون نقيض الأعم أخص و نقيض الأخص أعم و نقيض العموم من وجه التباين الجزئي و نقيض المتساوين متساويان و نقيض التباين الكلي هو التباين الجزئي.

          و عند النظر إلى هذا السير في جانب العلاقة سواء كانت في طرف الايجاب أم في طرف السلب مع لحاظ ركنيها الّتي ترتكز عليها العلاقة تقع في أفق التصورات الذهنية و ليست صالحة للدخول في الاشارة الحسية.

          و يقول پول موي في كتابه المنطق و فلسفة العلوم العلاقة ليست شيئاً بل تصور تربط بين الأشياء و من ثم فلها طبيعة الفكر لهذا كان العقل يدركها و يتخذها موضعاً خاصاً له إذ هي من نفس طبيعته فالتغيير الرياضي لا ينطوي إلا على علاقات و القانون علاقة[26].

         و الّذي يلمع في تصورنا ان العلاقة ليست بمفاد القانون  وإنّما لسانها الربط بين الأشياء الّذي مؤداه الآلية و الاندكاك بينما القانون مفاده المعنى الأسمى الاستقالي دون المعنى الحرفي الاندكاكي فتصوير العلاقة بما أنها معنى  فنائي في الغير و يحصل بها الربط مقبول أنطباقها على القانون غير مقبول، و ينكشف أمامك ان المعنى الاندكاكي الفنائي يحصل في عالم التجريد دون التجربة.

          و لنقدم إليك سجلاً آخر في بيان العلاقة الميتافيزيقية حيث يراد بها اتصال بعض مع بعض آخر و هنا ثلاثة عناوين:

          1 ـ التعدي من مجموعة إلى مجموعة أخرى سواء كان من جهة برهانية أم من جهة التفكير العقلي بلحاظ الترتيب و التنسيق في الذهن كما يحصل ذلك في كلمة قبل و بعد و أكبر من و أقل من.

          2 ـ التماثل و يحصل ذلك عند اتحاد السنخية و الشركة في النوع ككلمة زوج.

          3 ـ    الارتباط و يقصد به حصول العلاقه بين العناصر فيصدق عليها الترابط بعضها مع بعض.


 

          أما بيان الرابطة المنطقيه فيراد بها ربط المحمول بالموضوع على وجه المعنى الحرفي دون المعنى الأسمي و لذا تجد جون ديوي يشير إلى هذا المعنى إلا أنه أخفق في التعبيرعنه فقال فليس هذا الربع عنصراً منفصلاً مستقلاً كلا ولاهو بالعنصر الّذي يؤثر في المحمول وحده لاصقاً اياه بموضوع مفرد يعرض لنا في الوجود الخارجي باعتباره كائناً مستقلاً عن محموله سواء كان ذلك الموضوع شيئاً أم صفة أم معطي حسياً بل الرابطة بين الموضوع و المحمول هي تعبير عن الفعل الّذي ننشط به في إلحاق المحمول بموضوعه.

          إلا أنه بعد ذلك أخذ في خط المناقضة و عدم التمييز بين المعنى الحرفي و الاسمي فقال و إذن فالرابطة اسم نطلقه على مركب من إجراءات بفضلها تختار و تقيد موجودات بعينها لتحدد لنا حدود مشكلة ما[27] و هذا التعبير يعطي عدم درايته بواقع الرابطة  المنطقية و الفلسفية.

          و على المتأمل في ميدان المعنى الحرفي ان لايختلط عليه النظر بين ذات المرائية و بين المرئي لأنّ النظر إلى المرئي اخذ على نحو الاستقلالية و المرآة اخذت على نحو المعنى الحرفي و هو الطريقي الكاشف للمرئي وما نلاحظه من الدكتور محمود رجب في حولياته[28] قد خلط بين المعنى الاسمي و الحرفي كما نلاحظ كلمة (مبرور) المرآة  و هو اللحاظ في الغير و كلمة (فكلشف) و هو الانعكاس و هو يؤدي دور المعنى الاسمي اذا قصد به المعنى العرضي و اللازم لوجود الشيء.

 

15 ـ الانتزاع :

          عملية الانتزاع تتولد من المعاني الاضافية و هي الّتي يعبر عنها بالمصطلح
الفلسفي بحيثية الموجود الخارجي كالفوقية و التحتية و الزوجية و الرقية فيحصل في الذهن مفاهيم جديدة من وجود المعاني الأولية الاضافية و يقع الانتزاع من نوع التصورالثانوي دون التصور الأولي و مقتضى طبيعة الانتزاع ما كان خارج المحمول الّذي ليس ما بحذائه وجود خارجي سواء كان الانتزاع من واقع الذات كالعلية و الإمكان و الوجوب و الامتناع ام من مقام المقولات التسع كالفوقية و هذا بخلاف الأمر الاعتباري فإن له تقرر و لكن بعين اعتباره كما في الملكية و الزوجية.

          و بعبارة توضيحية ان التصور الذهني يقوم على اتجاهين:

          1 ـ التصور الأولي.

          2 ـ التصور الثانوي.

          أما التصوير الثانوي فيستخرج من دائرة التصور الأولي على نحو الاستنباط.

          و أمّا  التصور الأولي فيدرك عن طريق الحواس.

          و عندما نستعرض مفاهيم العلة و المعلول و الوجود و الوحدة و الجوهر و العرض كلها تقع في محور المفاهيم الانتزاعية عند وقوعها في اتجاه التصور الثانوي دون التصور الأولي لأنّه لا يعطي مفاده الانتزاع لعدم وجود المعنى الاضافي فيها.

          فالانتزاع يقع في محور التصور الثانوي لأنّ موطنه المعاني الاضافية

          و أمّا التصور الأولي فمرجعه الإدراك بالمحسوسات و هذا لا يستدعي الانتزاع حيث ان الإدراك يعطي صورة الانتقال إلى المعنى الآخر و يكون سبباً في الكشف دون الدخول في حقيقة الانتزاع.

          و على ضوء ما ذكرناه ينقسم الانتزاع إلى ثلاثة أقسام :

          1 ـ الانتزاع عن مقام الذات كانتزاع الإمكان عن ذات الممكن.

          2 ـ الانتزاع عن مقام العرض كانتزاع البياض من الرومي و السواد من الحبشي.

          3 ـ الانتزاع من أمر مبهم من المصاديق.

          و المهم في حديثنا ان الانتزاع غير واقع في العامل التجريبي و إنّما و عاؤه الصورة الذهنية و هي تأبي الدخول في محور التجربة بينما الصورة الذهنية تتناسب
التجريد و لا تنجسم مع التجربة بحسب مفهومها العام أو الخاص.

 

16 ـ الرموز وحلها :

          الرموز قد تكون صوراً أو معاني أو أفكاراً و قد يعبر عن الرموز بالأفكار و هي قابلة لأنّ توجد بصور عديدة كأن تظهر في شكل خاص أو معاني عامة أو استجابات لفظية.

          و أمّا صورة حل المشكلة فيأتي إما تحت عنوان التعلم بالمحاولة و الخطأ و إما عن طريق الإدراك والعقل و المراد بالإدراك هو الحس الحركي و الفعل التوافقي الحركي.

          و أمّا مثل الاستجابة اللفظية فهي الألفاظ الكاشفة عن المعاني أو الألفاظ المرتبطة بالخوف و الجوع أو التزاوج كما عن بعض الحيوانات.

          و من جملة موارد الحل الرمزي الاستدلال وهو الدخول في نطاق المحاولة و الخطأ أو الاستبصار و لكن بعد معرفة نوع المشكلة بكونها عملية أو نظرية.

          و الطرق الرمزية قد بحثها علماء الأدب المعاصر و الصوفية في القرن الثالث و الرابع الهجري قد استخدموا لغة خاصة لكشف معائبهم و مثل هذه النوعية يمكن سرايتها إلى العلم التجريدي دون العلم التجريبي حيث ان الرموز هي العلامات الكاشفة عن معاني جعلية أو منجعلة تلقائياً و الرموز الّتي تخرج عن الاحاطة الحسية تقع في ضمن التجريد و ليست صالحة للدخول تحت العنوان التجريبي كما ان صورة الحل الرمزي إذا احتاج إلى الاستدلال خرج عن دائرة الحس و اتصل بالتجريد مباشرة.

 

17 ـ اللااقتضاء :

          يصف اللااقتضاء بعدم صلاحيته للوجود و العدم و هو عبارة عن التساوي و عدم ترجيح الوجود على العدم أو العكس و هذه الصفة ليس لها موطن محسوس ظاهري تتعلق بالعامل التجريبي.


 

          وهكذا يمكن ان نلحق باللااقتضاء الحصة التوأمية كالتعمم و التقمص و يعبر عنه علماء المناطقة بالقضية و الحينية و هي الحالة القارنة بين الوجدين فليس لها علاقة ظاهرية محسوسة تصلح للدخول في التجربة.

 

18 ـ الرياضية :

          من جملة الأضواء على صفحة التجريد البحث القائم على الحساب و الهندسة والميكانيكا حيث انه قائم على الاستدلال الاستنباطي عند صحة الفروض و على نحو القواعد الاستباطية فعندئذ تكون النظرية الرياضية صحيحة و بعبارة جلية ان الرياضيات تركيبات فرضية استنباطيه بعد ضم مقدمة بديهية غير مناقضة إلى بديهية أخرى مع كون كل مقدمه مستقلة عن المقدمة الأخرى.

          فالطبيعة الرياضية تقتضي التجريد فلا تتحدث عن أشياء محسوسة إلا بحسب مطابقها دون مفهومها التصوري المجرد بكونها مربعة متساوية الأضلاع أو مثلث أو مستطيل و نحوها فإذا قلت 4 + 4 = 8 يكون النظر إلى هذه الأعداد الثلاثة الوجودات العينية و إنّما العدد يقع ناظراً إلى الطبيعة المفهومية من غير ملاحظة التطبيق على متعلق الأعداد كأن تكون أعداد كتب أو أقلام أو بشر و نحوها.

          و كذا بالقياس إلى الطبيعة المفهومية من غير ملاحظة التطبيق على متعلق الأعداد كأن تكون أعداد كتب أو أقلام أو بشر و نحوها.

          و كذا بالقياس إلى سائر الأعداد الآخر من الضرب و التقسيم و الكسور و العشور و نحوها فانها تلحظ فيها جهة الطبيعة الكلية من غير ملاحظة التطبيق الخارجي، و يكون بحسب الاصطلاح الفلسفي النظر إلى الرياضية بحسب الحمل الأولي دون الحمل الشائع الصناعي و هكذا بالقياس إلى مفاهيم الهندسة العامة بكونها مربعة متساوية الأضلاع أو مثلث الأضلاع أو مستطيل و نحوها.

          فان كان الاتجاه إلى طبيعة العدد أو المساحة من حيث هو مفهومها كان حملاً أوليأ و ان لوحظت الإعداد أو المساحة بحسب التطبيق الخارجي على الأفراد
الخارجية كانتا من نوع الحمل الشائع فالعلم الرياضي قانون واقعي يقع في التصور الذهني بعد كونه انعكاساً علمياً لقوانين موضوعية لها الاستقلال الذاتي على خلاف ما يرتئيه «كانت» بأن القوانين المتأصلة في العقل البشري قوانين للفكر.

          و يعتقد «كنت» ان الرياضيات أحكام تركيبية أولية سابقة على التجربة إلا ان طبيعة التركيب الأولي ليست علوماً قائمة بنفسها و إنّما تفيد الربط بين الأشياء ، و بهذا ذهب إلى ان الادراكات العقلية  الأولية و الميتافيزيقا ليست بعلوم و إنّما هي روابط و إذا احتاجت إلى صبغة علمية وجب عليها إيجاد موضوع ينشؤه الذهن أو يدركه العامل التجريبي فالصياغة العلمية في نظر «كانت» تحدد  في إطار الموضوع إذا قدر لها موضوع يشمل شتاتها ، و في نظر الصياغة تأتي في أفق الأغراض.

          و تعرض «كنت» في كتابه (نقد العقل المجرد) إلى جهة الفرق بين المعرفة الفلسفية و الرياضية و قال فان المعرفة الفلسفية تعتبر الخاص في العام فقط الرياضية فتعتبر العام في الخاص لا بل حتى في الفرد[29] كما ذكر أيضاًُ پول موي بأن الاستدلال الرياضي عملية تنتقل مع العام إلى الخاص[30].

         و الّذي يلمع في ذهننا ان الفرق غير تام بحسب الميزان العلمي و الفلسفي حيث ان الموضوع له و ان كان خاصاً و الوضع عاماً بحسب المفهوم العام في الفلسفة إلا ان المعرفة الرياضية إذا كانت من نوع اعتبار الوضع الخاص و الموضوع له عام فان الخاص لا يكشف ستار العام، لأنّ الخاص بطبيعته ضيق الدائرة ، و الحجم الخاص لا يعقل ان يكون كاشفاً عن واسع الدائرة و الّذي نتصوره ان الوضع الرياضي يقتضي ان يقع من نوع الوضع العام و الموضوع له خاص و ليس الأمر عكسياً.

          و بتعبير واضح ان العلوم لها دور الكشف عن الحقائق الثابتة كما تقتضيه طبيعة العلم من الكشف و الاراءة و ليس هو في مقام الجعل الانشائي و الإبداع الّذي يكون
مؤداه ـ كما أشرنا إليه ـ المعنى الانشائي بل مفاده المعنى  الحكائي و الكاشفية عن الجهة الواقعية.

          كما انه يمكن المناقشة بأن الروابط إذا كانت تنفي مجال التصور كيف يصح ان ترتسم في موضوع خارجي.

          و على الجملة ان المفهوم الرياضي في صورة الحمل الأولى أو كان في طرف اللاحدية كلها تقع خارج نطاق المادة و ليس واقعاً في مجال التجربة.

 

19 ـ اللا بشرط  المقسمي :

          عندما نلاحظ التقسيم على وجود الشيء تارة يكون من نوع بشرط شيء أو بشرط لا أو لا بشرط و هذه الأقسام تكون بحسب اللابشرط القسمي و انما اللابشرط المقسمي و هو عبارة عن المقسم الّذي قصد به التقسيم.

          و نوضح لك هذه المصطلحات الفلسفية انه عندما تمر في مرحلة تقسيم ما كتقسيم الماء الاوكسيجين و الهايدروجين فلحاظ التقسيم قبل الشروع فيه يعبر عنه اللابشرط القسمي و عند الشروع في التقسيم يعبر عند اللابشرط للقسمي.

          و أمّا بالنظر إلى الانقسامات فان كان لحاظ الماء مع عناصره يسمي بشرط شيء و ان كان النظر تقييده بعدم دخول المانع فيه سمي بشرط لا و ان كان الاعتبار عدم تقييده بأي جهة كانت سواء كانت الجهة وجودية أم عدمية كان التعبير عنه لا بشرط و لذا يقال ان اللابشرط يجتمع مع ألف شرط.

          و الغرض ان التجرد يقع في خصوص اللابشرط المقسمي و هو أمر تصوري لم يكن موطنه الحس حتى يقع في العامل التجريبي.

 

20 ـ الدلالة الالتزامية :

          تفيد الدلالة الالتزامية الانتقال من الملزوم إلى اللازم و من الدال إلى المدلول كالانتقال من الأثر إلى المؤثر والانتقال من هذا الوجود الكوني إلى مبدع و طاقة تديره
بأجمل تنسيق و اكمل ارادة حكيمة.

          وقد استعرض علماء المناطقة إلى هذه الدلالة و مثلوالها بالانتقال من الضوء على وجود الشمس و هي تقع إما بحسب الوضع كوجود علامات الطائرات و السفن و القطارات و السيارات في موقفها الخاص و اما ان تكون بحسب العقل كوجود الدخان على وجود النار.

          و أمّا ما يتعلق في بحثنا الموضوعي هو الانتقال الناشي من العقل حيث ان هذه الصفة الّتي طرأت على وجود الانسان و الانتقال إلى الملزوم لم يكن خاضعاً للعامل الميكانيكي.

          و يضاف إلى الدلالة التزامية الدلالة العقلية المحضة و هي الّتي تعرف عن طريق اللاشعور و سوف نتحدث عنها في ميدانها الخاص الّذي يعبر عنه بالعقل الباطني.

          و لو راجعنا صورة الانتقال بما هو سواء كان عن طريق وضعي أم لفظي أم خارجي فانه يقع في محور الادارة العقليه و لا يخضع للعامل الميكانيكي.

 

21 ـ الشعور و اللاشعور :

          فسر الفسيولوجيون الشعور بأنه الأثر المركزي للتنبية العصبي أو الجانب الذاتي لنشاط الدماغ و ذهب علماء النفس في تفسير الشعور من الجانب التلقائي و هو القائم على مجرد الاحساس أو على جانب الشعور المنعكس و يقصد به الاحساس بالاحساس أو يراد من الشعور هو المباشر أو الشعور التأملي.

          و بعبارة أخرى ان الشعور عملية تخضع للاحساس كالحاجة إلى الطعام أو الشراب أو الحاجة إلى العطف و الحب و الميل.

          و على الجملة ان الشعور على نحوين شعور يدرك بالحواس الظاهرة و شعور يدرك بالغريزة و الانفعالات و العواطف ثم ان الشعور تارة يكون في التحديد الزماني و أخرى ما كان خاضعاً للتجربة و ثالثة يكون له واقعية.

          و أمّا اللاشعور فهي الأفكار و المشاعر و الرغبات و النزعات المنطوية في
خزانة الذاكرة الّتي يدوم عليها زمن  طويل فقد يكون بقاؤها في دائرة اللاشعور عن طريق الكبت الّذي أخفته تلك الأفكار و المشاعر فإذا قفز العقل الباطني إلى دائرة الشعور صار مستغرباً أمام الجمهور أو الفرد ففي صور المهاجمة المفاجئة تظهر أفكار جديدة طليقة عن ذلك السور المقفل بعد النسيان الطويل.

 

22 ـ الصفات الأخلاقية :

          يتصف الانسان بصفات أخلاقيه كالصدق و الامانة و الوفاء و الاخلاص و العفة و الحياء و الشجاعة و الكرم و النبل و الحلم و الفضيلة كما انه قد يتصف بالصفات المعاكسة  كالكذب و الخيانة و النفاق و الدجل و التهتك و البخل و اللؤم و الحسد و النميمة و المخادعة.

          فان مفاهيم هذه الصفات تقع في صفحة المجردات و ليست لها علاقة بالتجربة حيث ان الموازين الأخلاقية كما تحدثنا عنها في كتابنا علم الأخلاق ان يكون الفرد في دور تطبيق الصفات على نحو الشكل الثلاثي الهندسي من تعديل الصفات  وضم بعضها إلى البعض الآخر كما هو بالنسبة إلى أخذ البخل و الاسراف في تكون صفه ثالثة منتزعة من هاتين الصفتين و هي عنوان الكرم و كذا بالنسبة إلى المتهور و الجبان يشكل منهما صفة ثالثة و هي الشجاعة و هكذا.

          فمثل هذا النحو يرتبط بعالم المجردات و لا يتصل بالمحسوسات لأنّ عملية تعديل الصفات لم تقع في حجم معين قابل لعروض العامل الميكانيكي عليه و ما ذهب إليه «كانت» بأن المعاني العامة الأخلاقية ليست كلياً معاني عامة مجردة للعقل و ذلك لأنّها ترتكزعلي شيء ما تجريبي على السرور و الألم يستند فهمه للمعاني الأخلاقية عن طريق الغرائز و الصفات بينما الّذي يساعد عليه الفهم الأخلاقي هو تعادل الصفات وهي عملية ما وراء الصفة.

          و إليك عرضاً مفصلاً عن تطور الأخلاق و أثرها التجريدي لأنّها قد ينظر إليها بما هي صورة عقلية مجردة أو ينظر إليها بما أنها مضافه إلى الخارج .


 

          وبتعبير واضح ان لأخلاق اتجاهين :

          1 ـ من حيث كونها هادفه الي الخير.

          2 ـ من حيث الغاية.

          3 ـ و ذلك عندما نكون في صدد الاستعال و التطبيق الخارجي و لذا نفرق بين الغرض و الغاية ان الغرض يقع في مرحلة التصور الذهني و الغاية تكون في مجال التطبيق و الاستعمال الخارجي فتأتي مثلاً إلى العدالة كما يحدثنا الغزالي في إحياء العلوم ان العدالة  جماع كل فضيلة كما ان الجور جماع كل رذيلة و  على  هذا لا تكون العدالة واحدة من الفضائل الأربع بل تكون جملتها معاً[31].

         ويكشف الامام الغزالي عن تمسكه بما ذهب إليه أفلاطون في النفس بأن فيها ثلاث قوي شهوية تعني بحاجات الجسد مركزها البطن و فضيلتها العفة، و غضبية هي مثار النوازع مركزها الصدر و فضيلتها الشجاعة، و عاقلة هي مجتمع الحقائق مركزها الرأس و فضيلتها الحكمة، و إذ يشارك الانسان سائر الحيوان بالقوانين الأولية يتميز عنها بالثلاثه فينبغي له إذن ان يخضع قوتيه الشهوية و الغضبية لقوته العاقلة فإذا فعل نشأت عنده فضيلة رابعه هي فضيلة العدالة[32].

         فالتفسير الفلسفي للعدالة بمعنى  الملكة النفسانية على ترك الماصي أو أنها حالة نفسانية الّتي توجب الستر و العفاف على وجه الاقتضاء دون العلية[33].

         و فسر مسكويه (330 ـ 421هـ) العدالة عن طريق مجاهدة النفس كما جاء في معجم ياقوت انه ذكر في عبارته عاهده على ان يجاهد نفسه و يتفقد أمر ما استطاع فيعف و يشجع و يحكم و علامة عفته ان يتقصد في مآرب بدنه حتى لا يحمله السرف على ما يضر جسمه أو يهتك مروءته القبيحة و لا غضب في غير موضعه و علامة
حكمته ان يستبصر في اعتقاداته حتى لا يفوته بقدر طاقته شيء من العلوم و المعارف ليصلح أوّلاً نفسه و يهذبها و يحصل له من هذه المجاهدة ثمرتها الّتي هي العدالة[34].

         و نجد ليتريه (1801 ـ 1881) زعيم المدرسة الواقعية في فرنسا بعد كومت في كتابه أصل فكرة العدالة و هي ان فكرة العدالة لم تكن عند الشعوب القديمة و منها اليونان في عصورهم الأولى و الجرمان يفهم منها إلا فكرة تعويض المعتدي عليه عما أصابه على يد المعتدي حتى كان إذا دفع هذا التعويض الّذي عليه سار رافعاً الرأس شأن من لم يقترف ذنباً بل انه ليمن على المعتدي خطيئة  ان كان ما وصله من خير و نعمة في شكل تعويض[35].

         فيكون تفسير العدالة بحسب مفهومها العام لأمر التجريدي كما نلاحظ أيضاً في تفسير الفضيلة كما جاء عن أرسطو هي ملكه خلقية يكون المرء بحسبها صالحاً و يقوم بما يتوجب عليه بأحسن وجه[36].

         و جاء في معجم (لالاند) ان تعريف الفضيلة هي الاستعداد الراسخ لانجاز نوع معين من الأفعال الأخلاقيه أو الاستعداد الراسخ لارادة الخير عادة فعل الخير فان دور الفضيلة كما أشرنا إليها في ميدانها الاخلاقي تحكي عن صفحة التجرد و ليست معرضاً للتجربة و غير صالحة لاستيلاء التجربة عليها و لذا نجد الفضيلة متفوتة بحسب مراتبها المشككة و  لكن ذكرنا في البحث الأخلاقي ان الفضيلة عبارة عن الوسطية المنتزعة من الصفتين المتعارضتين كما بين التهور و الجبن ينتزع  منها صفة الشجاعة على نحو الشكل الهندسي فلا مجال للتفاوت و المفاضلة.

          و هكذا في مطالعتنا لدور العفة و يقصد بها (هي الوسط بين الانغماس في الملذات و الاقلاع عنها جملة[37] فيكون هدف العفة (تقليل ح ة نشاط الشهوة و سائر الغرائز الأخرى و إنّما تسير على خط معتدل و على نظام منسبق).

          و جاء في الميزان العفة هي انقياد القوة الشهوية بسهولة و يسر للعقل حتى يكون انقباضها و انبساطها مرة و بإشارته و بذلك يكون المرء حراً غير مستعبد لشهواته و هو وسط بين الشره و الخمود و كل منها رذيلة فالشره إفراط هذه القوة بالمبالغة فيما لا يرضاه العقل من اللذات و  الخمود عدم انبعاث الشهوة إلى ما يرى العقل نيله من مطالب و رغائب فيها سعادة و خير[38].

         و هكذا في صفة الحياء سواء كان الحياء من اللّه‏ أو الناس أو من نفسه تحكي عن الواقع التجريدي دون التجريبي.

          أو كون الشخص صادقاً بلحاظ مطابقته للواقع أو كونه كاذباً بلحاظ عدم مطابقته للواقع فان مثل هذه النوعية تدور في محور التجريد لأنّ وجود تلك الحالة صفة تجردية.

          أو يتصف الانسان بالتواضع بما يرتكز عليه الانسان من صدق الانسان مع نفسه أو مفارنته للعدل و التحلي بالشجاعة.

          أو اتصافه بالأمانة و الوفاء لاظهار تلك الصفة النفسانية المطابقة للوجدان و عدم أو كون الشخص موصوفاً بالسخاء و يفرق (جنكليفتش) بين سخاء تجريبي أو طبيعي و بين سخاء ما بعد تجريبي يختلط بالاحسان فاما السخاء التجريبي فيعمل بالخلو من الأعراض أكثر ممّا يعمل بإيجابية النية و لا نهائية الموارد فالطبيعة الثرية إذا كانت عندها حيوية تطفح مثل الاناء المفرط  الامتلاء و الانسان السخي كما صورته لوحة روبنس الموجودة في متحف ليل و عنوانها السخاء يصب في غيره الفائض المفرط من حيويته لكن يعطي الانسان ما هو فائض عنده هذا  ليس بعد محبة لأنّ المحبة تحرم نفسها و تعطي الجوهري (الزائد الفائض و هو المعنى المقصود من الأية الكريمة و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خاصة) و قد فسر السخاء بأنه (من أعطي البعض و ابقي البعض) فهو صاحب سخاء (و من بذل الأكثر و أبقي لنفسه شيئاً) فهو
صاحب جود و الّذي (قاسي الضرر و آثر غيره بالبلغة فهو صاحب إيثار)[39].

         و كذا في اتصاف الانسان بالحكم كما جاء عن الامام على  عليه‏السلام الحكم و الاناة توأمان ينتجها علو الهمة و طبيعة الحلم يقتضي فيه ضبط النفس و قد ذكر الماوردي عشرة أصناف في حالة الضبط الرحمة و القدرة على الانتصار و الترفع عن الأسباب و الاستهانة بالمسي و الاستحياء من جزاء الجواب و التفضل عن السباب و استنكاف السباب و قطع السباب و الخوف من العقوبة على الجواب و الرعاية ليد سالفه و حرمة لازمة و المكر و توقع الفرص الخفية.

          و هكذا في بحث الضمير كما جاء في معجم لالاند في تعريف الضمير هو خاصية العقل في إصدار أحكام معيارية تلقائية.

          ففي نظر علماء النفس الجدد مرجع الضمير إلى قوانين نفسانية أو بيولوجية أو حاصل من ضغوط أبوية كما هو مذهب فرويد و لكن ناقشناه في ميدانه الأخلاقي ان حكم الأبوين دافع إلى دور الطاعة و ليس مولد الحقيقة الضمير (فالضمير حاكم عادل في قالب داخلي مبطن) و بعبارة أخرى ان الدفع على نحوين دفع خارجي و دفع داخلي و بينهما مراتب طولية لا عرضية و يبدو من فرويد الخلط بين الدفع الداخلي و الدفع الخارجي.

          كما ان الضمير لدي علماء الاجتماع في مدرسة دوركايم بأنه ناشي عن الهيئة الاجتماعية على الفرد من حيث الأسرة و المدرسة[40].

         و قد أشرنا إلى ان الاجتماع لا يخلق ضميراً و إنّما هو كائن موجود يسير على وفق الفطرة و الّذي نطالعه من آراء الاجتماعيين و الأخلاقيين الخلط بين الحكم و ذات الضمير إذ الحكم معطى دور الاندفاع نحو الامتثال و الانقياد نحو الطاعة للمأمور به و ذات الضمير هو التحسس و الوعي الخاص في الاتجاه نحو الحق ضد الباطل.


 

          أو ان الضمير كما عند العلاقنيين بما جاء عن (كنت) ان اسوا أخدمة يمكن ان تسري إلى الأخلاق هي ان نريد استخلاصها من القدوات لأنّ كل قدوة يشار على بها يجب ان يحكم عليها مقدماً و فقاً لمبادي الأخلاقية حتى يعرف هل تصلح ان تكون قدوه أصيلة أي نموذجاً يحتذي لكنها لا يمكنها بنفسها ان تزودنا بفكرة الاخلاقية و حتى نموذج القديس  الّذي يتحدث عنه الانجيل يجب ان يقارن أوّلاً بمثلنا الأعلى  عن الكمال الأخلاقي قبل ان نقر بأنه قديس و لهذا يقول عن نفسه لماذا تسميني خيراً انا الّذي تراه لاخير لأنموذج للخير إلا اللّه‏ وحده الّذي لا تراه لكن من أين اكتسبنا تصورنا للّه‏ على انه الخير الأسمي فقط من الفكرة الّتي يرسمها العقل قبلياً  للكمال الأخلاقي و الّتي يربطها ربطاً  لا انفصام له بتصور الارادة الحرة و في أمور الأخلاق لا محل أبداً للاقتداء و القدوات لا تفيد إلا في التشجيع ذي أنها تزيل الشك عن امكان تنفيذ ما يأمر به القانون و تدرج تحت العيان ما تعبر عنه القاعدة العملية بطريقه اعم لكنها لا تستطيع ابداً ان تعطي الحق في اطراح أصلها الحقيقي القائم على العقل و في السير وفقاً لها[41].

         و نشاهد سير «كنت» ان الأخلاق لها الأسبقية على التجربة و هي كامنة في طبيعة العقل و لا تحدث الأخلاق من التجربة فالنموذجية الّتي يصطلح عليه «كانت» تعرف عن طريق فكرة الكمال الأخلاقي و يكون تصويره للضمير عبارة أخرى عن العقل العملي.

          و كن الّذي يبدو هو العقل المنسجم مع طبيعة الحق ضد الباطل المهم ان دور الضمير أو الصفات النفسانية في خط الاعتدال كلها ترمز إلى قاعدة التجريد و ليست واقعة في لوحة التجربة و داخلة في موضوعيته.

 

23 ـ البرهان الغائي :

          أن التصور هذا العالم بما عليه من ابداع و جمال تكويني يوصلنا إلى التفكير
بوجود كائن تتجلي فيه أسمي مظاهر الإبداع و التكوين و هذا ما يعبر عنه بالبرهان الغائي.

          و قد سار عليه بعض الفلاسفة إلى الوصول بالتجريد العقلي كما اشار اليه كنت في كتابه نقد العقل المجرد بما يتلخص في نقاط :

          1 ـ انه توجد في كل مكان من هذا العالم علامات واضحة للتنظيم المعتمد المقصود الّذي جرى انجازه بحكمة عظمى و هو يشكل كلاماً غير قابل للوصف في تنوع محتوياته الا نهائية امتداده.

          2 ـ ان ملاءمة هذا التنظيم غريبة  غرابة كلية بالنسبة لأشياء الموجودة في العالم و هو ينتمي اليها بصورة عارضة فقط أي ان طبيعة الأشياء المختلفة تجعلها غير قادرة ابداً على التعاون بصورة تلقائية و بواسطة مزيج من وسائل عديدة غفيره على اهداف محددة لو لم يتم انتقاء هذه الوسائل و تنظيمها عمداً بواسطة مبدأ عقلاني مدبر  و وقفاً لفكر أساسية معينة.

          3 ـ لذلك فانه توجد علة سامية ماجدة حكيمة (أو الكثير من هذه العلل) يجب ان تكون علة للعالم لا بوصفه فقط طبيعة عمياء كلية القدرة  على تخصب أو خصب غير واعٍ بل بوصفه عقلا أولا من خلال الحرية.

          4 ـ انه لمن المستطاع الاستدلال على وحدة هذه العلة بصورة يقينية من وحدة العلاقة المتبادله لاجزاء العالم بوصف هذا الجزاء أقساماً من صرح فاره و الاستدلال إلى الحد تبلغه خبرتنا و ماوراء و باستصواب بيته و وفقاً لمبادي التمثيل[42].

         فالعلة الغائية توجب الوصول إلى الخط النهائي عند الفحص عن الكمال النهائي و هذا غير قابل للسير مع التجربة لأنّها تحجم عن السير و تقف وسط الطريق بينما التجرد يسير في ركب سريع إلى هدفه الأسمى و يمكن ان نعبر بان  الاهداف و الغايات يمتلكها العقل و أمّا الشروط فتمتلكها التجربة غالباً . و هكذا بالقياس
للمقتضي و عدم المانع بحب المصطلح الفلسفي و الاصولي و ان اختلفا من حيث المؤدى.

 

24 ـ الافتراض :

          ممّا يقول به التفكير البشري على سعة اطلاعه و توسعة معارفه في افتراض مسائل علمي كما يتعاطاه المتكلمون أو ما يحتمله الفكر من وجود آراء مثبتة أو نافية لرأي آخر عند جمع الملاحظات و المشاهدات للوصل إلى الحقيقة و قد بحثه المناطقه في باب الدليل الافتراض في الاستدلال على بعض الاشكال الأربع كاتيان فرد خاص يرمز إلى اتجاه معين لانطباق الحكم عليه أو استخراج قضيتين صادقتين بعد الفرض أو جعل القضيتين الصادقتين مع التأليف قياس اقتراني لينتج نوعاً جديداً بعد تأليف المقدميتن الصادقتين من دليل الافتراض و من مقدمتين اقترانيتين كما اوضحنا هما في كتابنا المنطق المقارن و ذكره «بيكون» في محاولة استعراض فروض عند البرهنة على عدم صحة كل واحد منها امابالاستدلال العقلي أو التجربة و بعد ذلك يثبت صحة المطلوب و يعبر عنه برهان الضد[43].

         و هذا البحث يسير عليه رجال الفكر في جميع ميادين العلوم عند ما تمس الحاجة اليه من احتمال مسائل واراء قد يظن من نفسه الابتكار و الإبداع في بعض الأحيان

          و بعد تجلي هذه الآراء يظهر  امامك الطريق بصحة التجرد و ان له وجود حتمي غير قابل للانكارو المناقشة فلذا يقول نيوتن في الاستنتاج العام انني لم استطع الوصول حتى الآن إلى استنتاج سبب صفات الجاذبية هذه من الظواهر و لست أودان أحدث فروضاً اذ ان كل ما لا يستنتج من الظواهر بعد فروضنا و الفروض لامكان لها
في الفلسفة التجريبية[44].

         و قد جاءت الفروض على ثلاثة معاني :

          1 ـ الفرض الرياضي و هو الّذي يأتي من مقدمات مسلمة كما يقال ان الكمين المتساويين لكم ثالث مستاويان.

          2 ـ الفرض الفلسفي و هو الابتداء من المفاهيم العامة للحصول على معرفة الجزئيات كما سار عليه ديكارت كما يقول سافرض هنا بعض الفروض الّتي اعتقد انها خطئها و ليس خاطأها بمانع من ان يكون ما يستنبط منها صحيحاً و قال نيوتن لقد تقدمت حتى الآن في تفسير الظواهر المساوية و ظواهر المد و الجاذبية و لكن لم احدد بعد سبب هذه الجاذبية و لم استطع ان أستنبط من الظواهر اسباب خواص الثقل و لم أجد فروضاً لأنّ كل ما لا يستنبط من الظواهر يسمي فرضاً و ليس للفروض مكان في الفلسفة التجريبية سواء كانت فروضاً ميتافيزيقية ام خاصة بالصفات الخفية أم ميكانيكية و يقول في ذلك كونت[45] لأنه لا قيمة للتجارب اذا تكدست فوق بعضها مهما كانت كثيرة العدد مثال ذلك المشاهدات الجوية الّتي تملاً جداول من الذهن لا نهاية لانهاية لها فان هذه الملاحظات الا تصبح ملاحظات مفيدة إلا اذا دلها العقل في اثناء جمعها.

          3 ـ فرض عملي كما يحصل ذلك للمهندس في البناء أو المخترع لأجهزة الميكانيكة أو الفيزيائي  في  تصويره  لفرضية الفرض المسمى بفرضية هذه الجسمية بمعنى  ان الضوء بث لجسميات أو الفرض التموجي بكون الضوء هو انتقال اهتزازات في الاثير دون مصاحبة.

          و يضاف إلى المعاني الثلاثة فرض رابع و هو الفرض العلمي و هو الّذي يعتمد على وجود معلومات قبليه لكشف معلومات أخرى مع وضوح الفرض و عدم التعقيد
و محدودية الاتجاه لأنّ الفروض طبيعتها الطولية و لا تصلح للعرضيه في جعل عدة فروض في عرض واحد في ان واحد كلها سليمة و مسألة التجرد تقوم على اصل الفكر اما سلامة الفرض و عدمه لا تخص البحث الموضوعي للتجريد و انما هوقائم على العامل التجريبي في بعض الموارد.

          و يكون كيان الفرض و ركيزته الأولى على جمع المعلومات و متانة الفطنة و لحاظ العلاقة و التشابه فاذا حصلت هذه المجموعة يكون الفرض في محيط التجرد.

          و يرى علماء النفس ان الفرض عبارة عن التخمين عن علاقة اصلية أو حقيقة تتوقع صداقها بعد اجراء ملاحظات موضوعية أخرى و يعتمد التخمين على ملاحظات أولية أو على اساس معقول و عادة كليهما[46] و حدثنا روبرت موريس ببج عالم الطبيعة المكتشف للرادار قال ان صحة الفرض لا بد ان توجد ثلاثة شروط : 1 ـ ظروف معينة .2 ـ تحقيق نتائج تنفق مع سلامة هذا الفرض . 3 ـ التسليم بصحه هذا الفرض حيث يثبت عكس ذلك و بنى على هذا الفرض فكرة وجود اللّه‏[47].

 

25 ـ التنظيم :

          يرتكز العمل التجريبي على ادارة منظمة فلو كان العقل خاضعاً للتجربة لكانت في وقت واحد هي منظمة و غير منظمة و الاشراف على التنسيق و التعديل في الاجزاء و التراكيب الخاصة لا بد ان يخرج عن دائرة التحديد و الحس و الاشارة و يكون في افق اعلى وراء الطبيعة المادية و ان اكتشف حالياً وجود ذري صغير جداً يحفظ توازن الحركة الأرضية و فيها كهارب خاصة تدفع النيازك الموجهة أي الأرض إلا انه يمكن سراية التساءل و الاستفهام إلى انه من أوجد هذا التنسيق في أصل ذلك الوجود الصغير الّذي فيه هذا التوازن الخاص الّذي قد حفظ التعديل المستمر؟


 

          فوجود التنظيم انما هو لأجل رفع العامل التجريبي عن الخطأ و انما يرسم له الخطوط الأساسية الموافقة بين كل جزء و جزء أو حركة مع حركة أخرى حتى لا يقع الخلط و الفوضي فيما بينها و انما تصبح متوازية في الاتجاه المرسوم لها من غير اعوجاج في السلوك و الاتجاه.

          و لا يستغني العامل التجريبي عن ادارة مركزية تنسقه في خطواته المادية و العنصرية و الحركية و الا كانت هذه المجموعة تسير في غير هدى اولا ويوجب لها الخلط و الدخول في الاخطاء الكثيرة ثانياً فمثلاً ان العامل الميكانيكي يقوم أوّلاً على الجسم و ثانياً فمثلاً  ان العامل الميكانيكي يقوم أوّلاً على الجسم و ثانياً على الاتجاه و ثالثاً على السرعة ، و رابعاً على الزمن و خامساً على القوة و سادساً على المكان ففي كل عنصر من هذه العناصر وضم بعضها البعض الآخر على نحو جعل الارتباط و التنسيق المتب لا يتم الا عن طريق العامل التجريدي و مسأله العقل الالكتروني لا تتم في مثل هذا المجال لأنّه و ليد من العقل المجرد و ليس له استقلالية ذاتية كما يرتديه وجود العقل المجرد و يكون حلول العقل الالكتروني تبعية و محددة بحسب وجود منهجية خاصة في اصل الجعل و التكوين بخلاف العقل المجرد فانه في فسحه و انطلاقة كاملة.

 

26 ـ العقائد :

          ممّا تخضع لسنن التجريد العقائد لانها وليدة تصور تصديقي فاذا توصل الشخص بذي واسطة الى هدف معين و أصبحت له قناعه في الموضوع نظير الفحص عند مبدأ العلية فاذا و صل إلى وجود علة أولى تتحلي بحرية مطلقة بعيدة عن كل القيود المادية و العنصرية و جزم بهذا  الرأي من غير ترديد فيه سمي موحداً و معتقداً بالالهيه و هكذا في جميع ميادين العقائد الأخرى الدينية و العلمية بحيث تصل إلى مرحلة الايمان دون الاعتراف اللساني.

          و على الجملة ان العقيدة و المذهب ارتكازهماتارة على وجود التصديق و
أخرى على التصديق المقترن مع الاقرار و هو عبارة عن الفعل القلبي الّذي يوجد بعد مرحلة التصديق ، و فهذه الحالة غير مرتهنه باقفال التجربة فتكون صفة الاقرار عامل قلبي لم يجنح للتجربة.

          و أمّا النظريات العلمية الّتي تقوم على التجربة فاصل التجربة امر ظاهري محسوس غير قابل للترديد و لكن وجود تلك الصفة الّتي هي وراء ذلك الأمر الخارجي يكون من خزانة العقل و الصور الذهنية كما انه لابد ان تفرق بين الاعتقاد النظري و الاعتقاد العملي حيث ان الاعتقاد النظري ما كان متوقفاً على ادله‏برهانية من ايجاد حد متكرر بين الأصغر و الأكبر للوصول إلى أمر يقيني.

          و أمّا الاعتقاد العملي فهو الّذي يستعين على مقدمات ظاهرية يتوصل بها إلى نتيجة محسوسة و يكون مجموع ذلك ان العقيدة النظرية تقع في افق ميتافيزيقي و العقيده العمليه بغض النظر عن المقدمات المحسوسة صفه انتزاعية تقع ما وراء المحسوس.

          و على هذا الضوء لا بد ان يفرق دائماً أيضاً بين الصوره الذهنية و متعلقها فالتجربة تقع في الأمر المحسوس و أمّا الصورة الذهنية فغير خاضعه لسلطان التجربة و انما هي دولة لها كيانها الذاتي مستقلة عن حكومة التجربة بأي  وجه من الوجوده.

          و الّذي يبدو لدينا من تتبع بعض كلمات الفلاسفة الغربيين ان اشكالاتهم على الفلسفة التقليدية تكون بمثابة الخلط بين المفهوم و المصداق و ينبغي لهم ان لميزوا بين الحمل الأولي و الحمل الأولي و الحمل الشائع وبين ذات العنوان و المعنون كما يستفاد ذلك من سياق امثلتهم و استطراد حديثهم.

 

27 ـ العقل التأملي :

          يصطدم العقل تارة بتصورات ساذجة غير مشبعة بافكار دقية و انما تأخذ علي سلامتها لوضحها كتصورشروق الشمس المعبر عنه بالتصور الأولي.

          و أخرى يصطدم برهانية يحتاج إلى امعان النظر و دقة التفكير و هو الّذي يعبر
عنه الفلاسفة بالتصور الثانوي و هو الّذي يعقب التصور الأولي حيث انه في حاجة إلى أدلة برهانية و هي الّتي تتألف من مقدمات يقينية لكي تنتج أمراً يقينياً بالذات اضطراراً واحدى المقدمات لا بد ان تخضع إلى البديهيات أو نظرية تنتهي إلى البديهيات.

          و البرهان أمّا لمي أو اني و المقصود من البرهان اللمي هو العلية مصدر صناعي ماخوذ من كلمة لم و يحتاج في البرهان إلى فرض حد أوسط يقع علة لليقين بالنتيجة و يعبر عن الحد الأوسط الواسطة في الاثبات او يكون علة لثبوت الأكبر للاصغر و هو المعبر عنه بالواسطة في الثبوت.

          و الّذي يلتقي ان يكون الحد واسطة في الثبوت و الاثبات معاً و هو الّذي يطلق عليه البرهان اللمي و اما لو كان الحد الأوسط يتجه إلى ناحية الواسطة في الاثبات خاصة فيسمي البرهان الآني و هو ما يفيد الانتقال من المعلول إلى العلة.

          و هذا السير في ناحية العقل و تأمله في الوجودات الكونية المستند إلى برهان لمي أو آني أو بتعبير آخر برهان عليّ و معلولي للوصول إلى امر يقيني فهو واقع في شبكة الميتافيزيقا دون الاشارة الحسية ، و يتضح لديك ان طريقة العقل التأملي في الحصول على المعرفه اليقينية من الادلة البرهانية و ان احتاج الى مقدمات بديهية أو نظرية ترجع إلى البداهة.

 

28 ـ اللانهائية (التسلسل) :

           بحث الفلاسفة عن موضوعية اللانهائية في اثبات التوحيد و ذلك عندما تتصور هذا الوجود الكوني و تشكك باصل مبدع له يقع التساؤل من الّذي اوجد هذا العال؟م تجيب لا بد من علة و اذا جئت إلى العلة ثانية تقول من الّذي أوجد العلة تقول لا بد من استنادها إلى علة ثالثة و هكذا حتى يسير الرقم إلى عدد غير متناه و يصطلح عليه الفلاسفة الالهيون دليل التسلسل فان رجعت العلة الثانية إلى الأولي سمي دوراًيتوقف احدهما على الآخر.

          و هكذا لو نظرنا إلى جانب العلوم الرياضية تجد بعض الأرقام لا توصلالي حد
معين كما لو اخذت عشرة دراهم من واحد إلى عشرة ووضعتها في حقيبة واردت ان تخرجها على نحو التسلسل لما وقعت الارقام متناسقة من الواحد إلى العشرة و كلما حاولت الوصول إلى تعديل الارقام بالترتيب ازادادت الاعداد وصارت في سير لا نهائي.

          و يتضح امامك ان اخذ هذه الصورة اللانهائيه‏تقع في التصورات لاذهنية وهي كيفية منفصلة عن حلقة الحواس وصفحة التجربة.

 

29 ـ الترديد (الشك):

          تطرأ للانسان حالة مستاوية الخطي لم يقدم جانبا على جانب حيث يراهما متساوين في المصلحة و الغاية مثلاً و يعبر عن دور هذه الحالة بالتشكيك لعدم ترجيح احد الطرفين على الآخر كالترديد بين العالم زيداً  أو عمر و أو الشجاع علي أو عمر و وصفة الترديد موطنها الذهن و إلا فالوجود الخارجي شيء واحد اما موجود أو معدوم لانه لا ترديد في الامور الواقعية و كل ذلك فهي تجريدية فقد نهج المشككون بهذه النظرية في تشكيك المعارف الحسية لانها تقع في محور المخادعة لانها تصور الحق باطلاً و الباطل حقاً على خلاف ما ذهب اليه الطبيعيون من استدلالهم على الجزئي من مبدأ كلي مفترض و انما اهتمام السوفسطائية اجراء التجارب العملية من غير تركيزهم على الوصول إلى العلل الأولي لأشياء.

          و بنوا على عدم استقرار الواقعية لغموضها واقعاً أو للتعميه أمام المخاطبين على نسق اسلوب المحاورة بان تكون لدى المجادلة مجموعة من الشهوات بعد القدرة على معرفة الالفاظ المشتركة المنقولة و المتواطئة و المترادفة و المشككة و المتباينة وله القدرة على تميز الفصول و استئصال الحقائق عن الأمور المتشابهه و التمييز بين الذاتيات و العرضيات و هكذا.

          فاذا لم يتوصل إلى المعنى الحقيقي و كان اللفظ مجملاً من غير تقديم احد الطرفين على الآخر لتساويهما في مقام التصور يكون مشككاً لعدم توصله إلى هدم
معين سواء كان من طرف المتكلم أو المخاطب.

          و يقول الدكتور محمّد على ابوريان و كأن سير الجدل هنا انمايتمثل نوعاً من التجريد الّذي يتقدم صاعداً بالتدرج متجهاً إلى الوجود في سعته و امتلائه و تمام حيويته الدافقة[48].

         و يعزي مذهب التشكيك إلى (ديوجينز من انتستينز) و هو تلميذ سقراط و اسبق سناً من افلاطون بمقدار عشرين سنه و ذهب إلى ان كل ضروب الفلسفة الّتي تدق معانيها لا قيمة لها فما يمكن معرفته اطلاقاً لا بد ان يستطيع فهمه الرجل الساذج و آمن بالعوده إلى الطبيعة.

          و هكذا صار هذا المذهب منتشراً  في الاسنكدرية في القران الثالث قبل الميلاد حتى جاء أول مبشر له (فيرو) المتولد عام 375 م)  الّذي كان من رجال الاسكندر و لم يكن في مذهبه جديد كثير سوى ما تناول به الشكوك القديمة من تنسيق و صياغة فالتشكيك فيما تأتينا به الحواس من علم مذاق الفلاسفة اليونان منذ زمن بعيد جداً لا نستثني من هؤلاء إلا (طائفة بارميندس) و (افلاطون) انكرت القيمة الادراكية للحواس و اتخذت من انكارها هذا فرصة بتشريفها بمذهب عقلي جامد.

          و أمّا السوفسطائيون خصوصاً (بروتا جوارس) و (جورجياس) فقد انتهي بهم ازدواج معاني الإدراك الحسية و ما فيها من تناقض ظاهر إلى نزعة ذاتية نظير ما ذهب اليه هيوم و اضاف فيرو التشكيك الاخلاقي و المنطقي إلى التشكيك الخاص بالحواس و قال انه من المستحيل على الانسان ان يجد اساساً عقلياً يبرر به مسلكاً دون آخر.

          حتى قال احد المشككين و هو (يتمون) المتوفي عام (235 ق م) (ان الظواهر صحيحة دائماً وقال أيضاً اني ارفض ان اثبت صدق قولنا ان العسل حلو حقاً اا كون العسل يبدو حلواً في الذوق فذلك ما أسلم به تسليماً تاماً و قال في معارضته
(أرقيسلاوس ) معاصر (تيمون) المتوفي سنة (240 ق م) و قالبوجود عالم عقلي فوق الحس تنفوق الروح الخالدة فيه على الجسد الفاني[49].

         و قد سار هؤلاء في اتجاهات ثلاث :

          1 ـ انكار الوجود وقالوا لاشي موجود أصلاً و ما يظن وجوده فهو حقيقة و همية أو خيالية و اطلق عليه بالعناد.

          2 ـ  لا شى‏ء¨ ثابت بنفسه و انما الأمور الكونية مرجعها إلى الاعتقاد فمن اعتقد بان السماء تحت الأرض صح بحسب معتقده و من اعتقد بانها فوقه فكذلك و ان العسل يكون مراً في مذاق و حلواً في مذاق آخر.

          3 ـ اللاادري هو عدم ثبوت أي جانب سواء كان الطرف ايجابياً أم سلبياً فيكون الشك في كل شيء و يشك بأنه شاك و لو علم انه شاك لناقض نفسه بنفسه لأنّ العلم غير مسلم عنده و استدلوا على بطلان العلم بأنه اماان يحصل من الامور البديهية و اما ان يوجد عن طريق الأمور النظرية و كلاهما محال لأنّ البديهية في معرض الخطأ و النظر انما يقع حجة اذا انتهي إلى البديهة و البديهة كما ذكرنا قابلة للخطأ اذا كانت مقدماتها غير صالحة.

          و ذهب (باركلي) إلى ان مايدركه البشر يرتكز على الحس و إذا اختبرنا الحس وجدناه مليئاً بالمتناقضات فالبصر يرى الشيء القريب كبيراً و إذا ابتعد عنه حسبه صغيراً و الأذن تسمع الصوت ضعيفاً إذا كان بعيداً عنها و إذا اقترب إليها سمعه عالياً و هكذا اليد تلمس الشيء الواحد حاراً مرة و بارداً أخرى فمثلاً ان أخرجت يديك عن مائين بارد و حار و أعمستها في ماء دافي شعرت كل واحدة بعكس ما كانت فيه و الماء واحد فإذا كان الاحساس يتناقض فكيف نطمئن إليه.

          و يستدل (باركلي) بمذهبه اللاادري انه لدي تحليل الاحساس نجده ليس سوى التصور ، و اتصور لا يعدو ان يكون فكرة تعيش داخل الشعور و لكن لدى
التعمق نجد ان هذه الفكرة قد لا تكون و ليدة واقع موضوعي بل وليده ها جسة نفسية أو قوة علوية تبعثها في نفوسنا ألستم أيها الواقعيون تعترفون بوجود أفكارلا واقع لها؟ فلماذا لا تجعلون كل الأفكار بعيدة عن الواقع؟ ،ثم قال و لندع التصورات الساذجة لندرس المعارف البشريه هل هي ذات قيمة بعد التناقض الّذي نجده يبنها فهي لا تقوم إلا لكي تنهار فكم من قضيه كانت من المسلمات أصبحت من الخرافات و كم من فكرة أجمع عليها المفكرون و لم تمض عليها فتره حتى اغتدت مهجورة.

          و سار علي ركاب نظرية اللاادري (دافيد هيوم) أيضاً إلاأن نظرية (باركلي) مرتكزة على نقد الفلسفه الأرسطية بكون المعرفة هي صورة النفس المنعكسة على الموجودات الخارجية ، و حيث ان الموجودات الخارجية قابلة للخطأ فالصورة مثلها.

          إلا ان الّذي نرتئيه ان المعرفة قائمة على التفتح العقلي و على القيم الواقعية و مثل هذه النوعية غيرصالحة للخطأ ففي صورة انكشاف الخلاف لم يكن الخطأ متوجهاً على الواقعية و إنّما كان الخلاف في ناحية الطريق دون المعرفة الواقعية.

          و الغرض من هذا العرض ان التشكيك بحسب واقعه يعطي صبغة ذهنية ليست تحت العامل التجريبي و إنّما هوفي محور التصورات الذهنية ولو اخضعنا الشك إلى التجربة لكان في كل وجود من التساوي المستمر و لزم عدم الانتقال من المجهول إلى المعلوم.

 

30 ـ الاطمئنان :

          حينما تعرض على الفكر عدة تصورات البسيطة منها و المركبة التصورية و التصديقية لايخلو في تصوراته الذهنية للوصول  إلى المعرفة بأحد الطرق الحسية أو الحدسية فإذا وصل إلى الخط النهائي في المعرفة تستقر ذهنيته إلى نوع معين عند تقديم الراجح على المرجوح بعد سقوط مرحلة الشك و الوهم بما تقتضيه طبيعة الاطمئنان من حيث اليقين أو الظن المتاخم للعلم لقربه إلى صورة الانكشاف الواقعي و بعده عن ساحة الجهل و عدم المطابقة للواقع.


 

          و تكون حالة الاطمئنان من الصفات التجريدية و ليست لها وعاء خارجي و إنّما الّذي يقع خارجاً المطابق لتلك الصورة لا حقيقة الصورة الذهنية.

 

31 ـ الاجتماع :

          تناولنا البحث عن الظواهر الاجتماعية في كتابنا علم الاجتماع و ذكرنا فيه ان الاجتماع يرتكز على توطيد و ارتباط الفئات و تلاحمها حتى يكون كتلة واحدة مجتمعة متراصة كل ذلك عند خضوعها تحت قانون موحد جاء على وفق الفطرة السليمة ولا يكون الواقعي الّذي يضم جميع الفئات البشرية إلا الدين الاسلامي لأنّ فيه الوصول إلى الكمال و الخروج من دور الاستعداد إلى مرحلة الفعلية كما في قوله سبحانه اليوم أكملت لكم دينكم و هو أمر عقلي لا تجريبي.

          أما ما يتعرض إليه علماء الاجتماع فمن جهة احتوائه على دراسة الظواهر أو وقائعها أو النماذج الاجتماعية لا تعطي لوحة واقعية عن حقيقة الاجتماع و إنّما الظواهر من جملة الآثار إذا أريد بها التعريف الحقيقي للشي دون النظر إلى آثاره و خواصه.

          و على الجملة ان الظواهر تارة تقع متعلقة بفرد و قد تكفل في دراستها علم النفس و ظواهر متعلقة بجماعة كالأسرة و المدينة و المدرسة و سائر أصناف المجتمعات وقد تكفل ذلك علم الاجتماع و تتميز الظواهر الاجتماعية بكونها عامة ومنتشرة و متكررة و انها تاريخية وهي مادة التراث التاريخي و الاجتماعي أو انها تتميز بلحاظ ترابط بعضها البعض أو انها تمتازبصفة الجبر و الالزام وهي عبارة عن فرض الظواهر نفسها على الأفراد و مكن ان تجعل الظواهر الاجتماعية تحت ثلاث بيئات :

          1 ـ البيئة الطبيعة كالمناخ و الأرض و النبات و الحيوان.

          2 ـ البيئة الثقافية و هي القائمة على العادات و العرف و التقاليد.

          3 ـ البيئة  الاجتماعية  و هي عبارة عن نماذج العلاقات الاجتماعية السائدة في
المجتمع.

          و ذكر في تعريف علم الاجتماع (اميل دوركاي)م ان الظواهر الاجتماعية عبارة عن نماذج من صورة العمل أو نموذج من جانب التفكير و الاحساس الّتي بها يحصل المجتمع وعلي سبيل المثال إذا شعر الانسان بأنه مواطن  أوزوج أورب أسرة أو موظف في الدولة فان هؤلاء الأفراد الذين أحسوا بهذا المنظار يسيرون وفق تقاليد و مثل هذا يقال فيما يختص باللغة و العادات الاجتماعية و النظم الاقتصادية والدينية.

          و يكون منطلق الاجتماع أوّلاً من الزوجين الّذي حصل بسبب ذلك التجاذب الجنسي الّذي بواسطته انفلقت منها الأسرة وحدثنا (دوركايم) عن الأسرة ليست عبارة عن التكتل الطبيعي ويقول ان المجموعة الّتي تتألف بالفعل من أفراد تجمعهم صلة الدم بحيث يتفقون فيما بينهم على العيش سوياً دون ان يرتبط أحد منهم إزاء الآخر بالتزامات محددة.

          ثم يعقب المجتمع الأسري المجتمع العشائري و هو عبارة عن كتلة عائلية تنحدر من أصل واحد و ان تشعبت الأفراد و صارت بين طوائف إلا أنها تخضع إلى ذلك الرائد المعين الّذي ترمز إليه باللقب و تقع الهيئة الاجتماعية وحدة مترابطة بحيث متى ما جاءها العدو قفزت أمام وجهه بكل صلابة لدحره.

          و عند ملاحظة الاجتماع مع الرأي العام تجد (تارد) يحدثنا عنهما بأن الرأي العام في العصور الحديثة بالنسبة إلى الجماعة بمثابة الروح من الجسد فنحن نوافق الرأي العام إذاسار مع ركب العقل و المنطق السليم المبتعد عن دائرة العواطف و الانفعالات حتى يكون هو الميزان في تعديل المجتمع و أخذه بمنظار العدالة و الاستقامة.

          و ينطبق المجتمع على عدة مجالات :

          1 ـ قسم (تشارلس كولي) المجتمع إلى أولي و هو ما يقوم التأثير بين أفراده وجهاً لوجه و هو المبني على التعاطف و كصلة الدم بين الأخوين والصداقة و المشاهدة و يعتبر (كولي) ان الأسرة مع نوع المجتمع الأولي و القسم الثاني المجتمع
الّذي يقع في إطار أوسع من حيث أفراده و من حيث أنظمته وفي هذا القسم لا تقابل بين الوجوه حتى تتحقق به العاطفة.

          و الاجتماع بمفهومه العام يشتمل على هذه النواحي كلها و قد استطردنا الحديث عنها و إشرنا إلى المجتمع الكبير كلها تنطوي تحت مفهوم الترابط و التضامن.

          2 ـ   قسم (وليام جراهام) سمنر المجتمع إلى جماعة داخلية و جماعة خارجية[50] فان كان المجتمع فيه الحرب و السلب أو المودة و الصفاء أو الاخاء فانه يحدد في نطاق المجتمع الداخلي و أمّا الشراسه‏و التنافس و الخوف والبغضاء فتكون في إطار المجتمع الخارجي و قدارتأى جماعة هذا المذهب.

          وهذه التفريعات للاجتماع إنّما تقع بلحاظ الأسباب و منشئها.

          3 ـ قسم المجتمع أيضاً إلى طوعي و تلقائي و يراد بالطوعي الانتماء إلى جماعة كهيئة العلماء و هيئة  المتدينين و نادي الشعراء  و يراد بالمجتمع التلقائي ما كان متمثلاً بالأسرة و القرية.

          4 ـ جماعة ذات نزعة اجتماعية فانها تطلب الاتصال و التوادد و جماعة غير ذات النزعة الاجتماعية نظير بعض القبائل المنزوية عن المجتمعات فان لها أعراف خاصة لا تنسجم مع المجتمعات الأخرى و لذا تكون منفصلة عن المجتمع لا تريد الاتصال بل دائماً تحب الانقطاع التام عن أي مجتمع أو نظيرالمذهب الفاسد فانه دائماً يطلب من منتميه عدم الاجتماع مع الطبقة المثقفة.

          5 ـ  المجتمع المركب والمجتمع البسيط و يقصد بالمركب ان يتكون المجتمع من عدة جماعات تضمهم المدينة ، و المراد بالمجتمع البسيط و هو المجتمع الّذي لا ينقسم إلى أبسط منه[51] و قد أتي بهذا التقسيم (دور كايم).

         6 ـ المجتمع المتدرج و المراد به ان الانسان لما كان في دورالرقي الفكري إلى ان يتسلم مقاليد الحياة و مثل هذا التدرج ظاهرة اجتماعية لايمكن انفكاك المجتمع
عنها.

          كلما أشرنا إليه إجمالاً لكي نطلعك على هذه التقاسيم و بيان حقيقة المجتمع للوصول إلى كون الاجتماع  من  الموضوعات المجردة و ليست من الجهات التجريبيه الخاضعة له و لو التزمنا إلى التمسك بكل أمر تجريبي لا بد ان تخرج عدة قضايا بينما هي ضرورية لا يمكن الانفصال عنها.

 

32 ـ التاريخ :

          موضوعية التاريخ مستمد من كشف الأجداث عبر الزمن سواء كان بنقل قولي أم عرض مسرحي أم تدويني.

          و هذه المشاهدات التاريخية الواقعة في ملف حلقات الزمن لا توجد إلا عن طريق العقل و لايكون سحبها إلا بواسطته و ليست خاضعة تحت التجربة.

          فإذا سحبت الأحداث أو قرأت على مسامع المجتمع حادثة أو شاهدت على الصعيد المسرحي قصة لا يكون ذلك إلا عن الجهاز العقلي عند دراستها و درك أبعادها و كون المشاهدة أو التدوين بأعمال خارجية تكون في صورة التطبيق لما هو مرسوم في صفحات الذهن كما ان مقارنة الأحداث و رعاية المطابقة للواقع و عدمه يستعان ذلك أيضاً عن طريق العقل و ليس مورد للتجربة على الاختلاف فيي ناحيته العلمية او الفلسفية بكون العلمية متجهة إلى خط التعليل و الفلسفة متجهه إلى المقولية.

          و لنطلعك إلى ما تحدث به (ذوجست كونت انتطور) العقل يتحكم في تقدم البشرية و هذا التطور ينتقل من المرحلة اللاهوتيه إلى المرحلة الميتافيزيقية ثم إلى الوضعية و ذلك هو قانون المراحل الثلاث (1830) و هي المراحل الّتي يقتضي كل منها نوعاً معيناً من أنواع التفسير ففي المرحلة اللاهوتيه يفسر العقل البشري عالم الواقع مقوي سحرية ثم بالآلهة و ديانة التوحيد تمثل أعلى مركب في هذا النوع من الفهم و تتصف المرحلة الميتافيزيقية قبل كل شيء بأنها مرحلة نقدية تعقب مرحلة
عضوية و تبشر بمرحلة عضوية أخرى و فيها تنبذ البشرية المعتقدات القديمة و لكنها لا تلمس في نفسها القدرة على ان تستبدل بها تفسيراً يقبله كل الأفراد فالميتافيزيقا ذاتية أعني انها تنحصر في تفسيرات يسميها (أوجست كونت) باللفظية و يستخلصها كل فيلسوف من أعماقه الباطنة و هذه الفوضي العقلية الّتي تتصف بها تلك الكثرة المحتوية من المذاهب الميتافيزيقية تؤدي إلى فوضي اجتماعية وسياسية على ان ظهور العلوم الخاصة من علم الفلك إلى علم الاجتماع يسمح للعقل البشري بأن يستبدل البحث الوضعي في القوانين بالبحث في العلل و يقوم آخر العلوم و هو علم الاجتماع بوضع حد للفوضي عندما يحقق اتفاق العقول على سياسة وضعية ، و هكذا يفسر (أوجست كونت) تفسيرات التركيبات الاجتماعية و السياسية للانسان عن طريق إصلاح عقلي يقوم على أساس من تطور العلوم.

          أما هيجل (1770 ـ 1831) فيري ان فيلسوف التاريخ يكتشف في التاريخ تطوراً ذا دلالة و هو يطلق على المعنى الّذي يتبدي تدريجاً في تعاقب الأحداث اسم الفكرة و يبدو ان صانعي التاريخ ينقادون على غير علم منهم نحو تحقيق هدف لم يريدوه و مع ذلك فهو هدف زاخر بالمعنى (و هذا ما يسميه هيجل بدهاء العقل) الّذي هو صراغ و تجاوز لذلك الصراع يكون الديالكتيك التاريخي الّذي يقضي إلى الشعور بالحرية ضد كل اغتراب و قد تتبع هيجل هذا التطور الديالكتيكي في التاريخ السياسي و في التاريخ الديني و في تاريخ الفنون كما تتبعه في تاريخ الفلسفة لكنه اتهم بأنه لا يحرر الانسان إلا من الوجهة النظرية وبأنه تصور انه قد تغلب على الاغتراب عن طريق الوعي به كما لو كانت الفلسفة هي هدف التاريخ و قد اتخذت الهجيلية اليسارية هذا النقد نقطة بدء لها فسارت بفلسفة التاريخ في اتجاه علمي إلى الفلسفة الماركسية في التاريخ.

          و ذكر (بول موي) قائلا المادية التاريخية في تفسير التطور التاريخي ابتداء من هذه العلاقات الأساسية الّتي تحمل في ثناياها وجود الانسان و مختلف الآراء الّتي يكونها لنفسه عن موقفه الخاص و عندئذ يكون من المحل ان نفصل طريقة فهم هذا الموقف عن هذا الموقف ذاته على ان آخر الطبقات الاجتماعية في الظهور و هي
الطبقة العاملة لا تكتفي بفهم موقفها و إنّما تستطيع بناء على هذا الفهم ان تدرك مواقف الطبقات الاجتماعية الأخرى و حركة التاريخ و هكذا يحاول (كارل ماركس) ان يعرف بطريقة علمية لا نظرية ما اسماه (هيجل) وهي الانسان بذاته[52].

         و يحدثنا (پول موي) عن وضعية التاريخ و يقصد بها الدلالة الّتي يضيفها المؤرخ على حاضره و على الماضي من خلال المستقبل الّذي يؤمله أو يتنبأ به و ربما كان من المحتم على المؤرخ ان يشعر بأنه قد حدد موقفه على هذا النحو وارتبط بالماضي في الوقت ذاته و ذلك حتى يتسنى له ان يولي الماضي اهتمامه وحتي يكون لبحثه التاريخي معنى ومعذلك فالواقع ان خير ما ينطوي عليه إنتاج المؤرخ هو ما يقوم به من دراسات مضنيه حول لحظات معينة في التطور و هذا الجزء يقتضي جهداً لكشف الحقيقه التاريخية في تعقيدها بل في فجائيتها أحياناً و ذلك في مقابل فلسفة التاريخ الّتي تقتل التاريخ بسب غلوها في تبسيطه وفي هذا الصدد يقدم علم التاريخ الّذي يظل ناقصاً و احتمالياً على الدوام خير مثال لما يمكن ان تكون الروح العلمية الّتي تلهمها مشاعل قد لا تكون من مجال العلم دائماً و مع ذلك فانها تؤدي إلى ان تتغلب فيه روح احترام الحقيقة و تقديرها[53].

          و يذكر (لينين) الوجهة التاريخية حين يعمد المرء إلى تحليل قضية اجتماعية أياً كانت توجب عليه النظرية الماركسية إطلاقاً ان يضع تلك القضية في نطاق تاريخي معين كما تشترط عليه أيضاً إذا كان الموضوع يدور حول بلد بمفرده مثلاً حول البرنامج القومي لهذا البلد ان يأخذ بعين الاعتبار الخصائص الملموسة الّتي تميزهذا البلد عن سواه في حدود حقبة تاريخية واحدة معينة فماذا يعني هذا الشرط المطلق الّذي تقول به الماركسية في حال تطبيقه على القضية الّتي نعاجلها انه يعني بالدرجة الأولى ضرورة التمييز بدقة بين عهدين من الرأسمالية يختلفان كل الاختلاف من
حيث الحركات القومية فهناك من جهه عهد تنهارفي الاقطاعية و الحكم المطلق عهد ينشأ فيه مجتمع و دولة ديمقراطيان برجوازيان و تصبح فيه الحركات القومية لأول مرة حركات جماهيرية تجذب جميع طبقات السكان نحو السياسية يمختلف الأشكال سواء عن طريق الصحافة أو عن طريق الاشتراك في الهيئات التمثيليه و غيرهما من الطرق و من جهه أخرى أصبحنا في عهد اكتمل فيه تأسيس الدول الرأسمالية بنظامها الدستوري الموطد منذ زمن طويل في عهد تعاظم فيه التناخر بين البروليتاريا و البرجوازية في عهد يمكننا تسميته عشيه انهيار الرأسمالية[54].

         و لنأتي إلى تفسير التاريخ طبقاً لمذاهبه :

          1 ـ عند (هيردر) يفسر التاريخ بنحو الدورية التاريخية إذ يقول لا بد ان ندرس الماضي لنفهم مشاكل اليوم و الغد و قد شابه (ابن خلدون) في تشبيه الجماعات الانسانية بالمخولقات الحية ، و قال بأن لها هي الأخرى أعماراً من الطفولة و الفتوة و الشيخوخة[55] و الّذي نلاحظه ان الدورية تنطلق من الطفوله إلى الشيخوخة.

         2 ـ حتمية مثالية كما ذهب إليها هيجل (1770 ـ 1831) يقول في ذلك ان التاريخ على هذا  الاعتبار ان هو إلا عملية طويلة مقدره بقدريأخذ فيها كل حادث أو طرف مكانه و مببراته على ضوء مسار التاريخ في مجموعه[56].

         3 ـ حتمية اقتصادية أو المادية الطبيعية وهي للمذهب الماركسي (1818 ـ 1883) حيث يعقتد ان التاريخ تحكمه قوانين يدركها العقل الانساني وهذه القوانين حتمية أي انها تفرض نفسها لأنّها ناتجة عن حركه التاريخ نفسه و إذا أدرك الانسان هذه القوانين استطاع ان يقرر صورة مستقبل الجماعة الانسانية ، و ان الأحوال و الأوضاع الاقتصادية لأي جماعة هي الّتي تحدد صورة نظامها وكل مظاهر حضارتها و يكون
الانتاج هو المحرك لتاريخ الانسان الاجتماعي و السياسي و الديني.

 

الفهم التاريخي :

          يتمثل التاريخ في معرفة الأحداث التجسدة في الكيان البشري أمّا تاريخ الحوادث الطبيعية من زلزال و سيل و زوابع رعدية هائلة أو نظام الكرات و نحوها لا تقع في محيط التاريخ الاصطلاحي إذا لم تدخل في محور الوجود البشري فيمكن ان نقول ان التاريخ متجسد في الانسان بسبب أحداثه و بهذا يصح ان نستخلص حقيقة التاريخ.

          1 ـ الزمان المنصرم.

          2 ـ الانسان.

          3 ـ الحادثة.

          فالتاريخ له اطلاقان عام و يعتور جميع الأحداث و الوقائع الطبيعيه للوجود البشري و لأحداث الكونيه و خاص و هو الّذي يحدد في إطار الانسان فإذا جاء بنظام صالح للنوع البشري جاءت الطبقات اللاحقة على ذلك المنهج و يمكن ان نحرر البحث في موضوعية التاريخ تحت عناوين ثلاثة :

          1 ـ التاريخ بحسب المقولة.

          2 ـ التاريخ بحسب الجهة الواقعية.

          3 ـ التاريخ بحسب الأمر الاعتباري.

          حقيقة المقولة اما ان تقع وجوداً خارجياً أو حيثية موجود خارجي و التاريخ بالنظر إلى مفهومه لا يتمثل في الأمر الخارجي بعد تصرم الزمن و انعدام موضعية الحادثة.

          كما ان الجهة الواقعية تكون في إطار التحديد الماهوي نظير الماهية للوجود و هذا لا يصلح ان تنطبق عليه موضوعية التاريخ.

          ولكن يصح ان يتجسد التاريخ في قالب الأمر الاعتباري و لا يفرق البحث
التجريدي في المفهوم التاريخي سواء كان في إطار الأمر الواقعي أو الاعتباري فان التجريد منطبق عليهما و يمكن ان نحرر البحث في نقاط.

          1 ـ هدف التاريخ في دراسة الماضي المتصل بوجود الانسان الفردي و الجماعي.

          2 ـ الواقعة التاريخية و هي الحادثة الّتي وجدت في الزمن الماضي المتصل بوجود الانسان بحيث لايمكن سحبها إلى الزمن الحاضرلعدم القدرة على نقلها فمثلاً عند ما ننظر إلى فيلم سينمائي في معركة وقعت بين طائفتين أو الحرب الأولى أو الثانية و اندحارالالمان وغلبة الحلفاء لايكون إلا بمجرد الصورة والصوت دون التجسيدالخارجي هذا مع كون الواقعة شخصية تنقضي بحسب النواميس الخاصة وليست من نوع القضايا الحقيقة و لذا فان الحادثه‏تقع بين نقطة الابتداء و الانتهاء كما في الحركة التوسطية.

          3 ـ المنهج التاريخي يقوم على تحقيق المؤرخ في الواقعة و الاهتداء إليها بواقعها من غير زيف و يكون أول منطلق في الوصول إلى الحقيقة التاريخية الأثر المادي أو ما تسمى بالوثيقة التاريخية كما ان الوثيقة التاريخية قد تقع في حجم المادة و قد تكون أمراً معنوياً  فمثلاً النقود و الآثار الحفرية من الأمور المادية و الأنظمة و القوانين من الأمور المعنوية.

          و الّذي يقع في معرض النقد التاريخي إذا كانت الوثيقة مستندة على الجهات الارادية كما في الأمور المعنوية دون الأمور المادية لأنّها لا لحضع للارادة و لذا يقول (پول موي) أمّا الوثائق الارادية فتقول أكثر و لكن لا يطمئن إليها كثيراً إذ يمكننا ان نتساءل عماإذا كان المؤرخ الّذي دونهاقد ألم بالحوادث إلماماً كافياً و عما إذا كان حكمه حراً و هنا تتدخل روح النقد أي روح الدقة[57] و يبدو عدم تمييزه بين الدقة و عالم النقد لأنّ الدقة تقع في حقل التحديد الماهوي و النقد أعم من ذلك.


 

          وبعد حصول الوثيقة المادية و المعنوية[58] يقوم المؤرخ على المقارنة بين الزمان الحاضر و الماضي و ربما يستدل بالحاضر على الماضي أو العكس كل ذلك بحسب الضروف الخاصة لفهم الواقعة و الأغراض الّتي يحملها الطرف.

          و لا يمكن ان تدرج الأحداث بشكل حضاري واحدكما يبدو من تصوير (پول موي)  الّذي يطلق عليه بالتركيب التاريخي[59] لأنّ طبيعة الحادث توجد في إطار المعنى الانشائي الّذي لايصلح للتركيب ثم ان مقارنة حادثة ماضية بحاضرة لا يجعلها متجسدة بهيكل واحد تحكي عن طبيعة واحدة بمجرد المقارنة و المشابهة.

          و يكون الفهم التاريخي بما أنه حاضر أو يكون الفهم بلحاظ من انقضى عنه المبدأ وبعبارة واضحة النظر إلى الماضي تارة بما انه وصف للماضي أو ان الماضي بلحاظ كونه في الحاضر و الّذي نعتبره ان تتصور الماضي متجسداً في حقل الحاضر و مثل هذا النوع يكون من طبيعة التجريد دون عالم التجربة والأمورالحسية ولكن كل ذلك لا يمكن ان يحدد بطرف خاص من الاتجاهين لأنّ الأغراض هي الموجبة للتعدد إذ قد يكون التاريخ في جهة الموضوعية الذاتية و قد يكون الغرض فيه إلى جهة الطريقية و المرآتية للماضي.

           و قد تصور الأصوليون بحثاً يتناسب مع الفهم التاريخي للحادثة ان من انقضى عنه المبدأ كالجالس و الضارب هل هو حقيقة فيه ام يصدق عليه مجازاً انه جالس و
ضارب[60].

         و يكشف الفهم الأصولي عن التاريخ من يعتقد بالحقيقة في حال انقضاء المبدأ الاشتقاقي ان الحادثة تتصور على موقع الواقعية الآنية و ان الفهم لها بما يستمده من مقارنات فعلية بخلاف ما لو كان المبدأ الاشتقاقي مجازاً في حال الانقضاء لا بد ان يكون النظر على طبق ذلك الزمن المنقضى عنه المبدأ و كلا هذين المذهبين لم يخرجنا عن محور التجريد أيضاً لأنّ كل ذلك يقع في عالم التصور.

          أما حين التطبيق فهي في صورة خاصة و ان كانت في محيط التجربة إلا أنها بواقعها قضية شخصية متصفة بالحاضر و ليست  داخلة في سجل التاريخ و لا يصح ان نفهم التاريخ من زاوية التطبيق من حيث مفهومه العام.

          و لا بد ان نفرق بين اتجاه الفهم للتاريخ و التفسير له و ان كان پول موي جعلهما متداخلين وقال ان الفهم هو أيضاً تفسير[61] لأنّ الفهم يقع في محور التصور الأولي و التفسير يقع في إطار التصور الثانوي و كل واحد له خطه الخاص به و اشتراكهما في الواقعة الخارجية لا يجعلهما شيئاً  واحداً كما انه لابد للمتتبع و المؤرخ ان يبتعدا عن ساحة الأغراض الأجنبية عن حقيقة التاريخ و موضوعيته و يكون التفسير التاريخي ليس بحسب فهم المؤرخ و إنّما بحسب الواقعة و لذا يصح ان يطلق ان التاريخ يفسر الانسان لأنّ النظر إلى الواقعة دون النظر إلى فهم المؤرخ و ان ذهب ماكس فيبير إلى صورة الجمع بين كون التاريخ مفسراً و بين كون الانسان مفسراً للتاريخ و هو جيد إذا أمكن ذلك.

          أما الحتمية التاريخية فقد جاءت على ثلاثة أصناف كما أشرنا إليها : الدورية و المثالية و الاقتصادية فيكون تصويرها العام اما ان تخضع لأسباب طبيعية أو أسباب عقلية و لكن حصر السبب باتجاه طبيعي غير ملائم لواقع الحتمية مع ما تنطوي على
واقعية لها أطراف كثيرة محتملة و ان كانت الواقعة بما هي لا يمكن تكرارها و إعادتها لأنّها معنى إنشائي بسيط غير خاضعة للتجربة و تكون ملاحظة الأسباب و المقارنات تقع بحسب الأفق الذهني دون الوجود الخارجي.

          كما انه ينبغي على المؤرخ ان يلم بعلم الاقتصاد إلماماً يمكنه من الوقوف على مدى تأثير العوامل الاقتصادية على مسار التاريخ فنحن نعرف ان السياسة الداخلية لدولة من الدول تعتمد اعتماداً كبيراً على مدى ثرائها الطبيعي و نشاطها التجاري و طريقة توزيع الثروة الطبيعية في بلد ما تحدد عادة نوع الحكم فيها و مستوى الرخاء العام بها و علاقه طوائفها ببعضها[62] و كذا هو في حاجة إلى معرفة علم الاجتماع كما جاء عن ابن خلدون «بأن يحصل ـ أي المؤرخ ـ على ثقافة اجتماعية تعينه على فهم حوادث التاريخ» أو معرفه المخطوطات و المناخ الطبيعي كما انه في حاجة إلى اللغة و الأدب و ان يكون له فطنة في معرفة التزوير و التحريف و القصد و الحيادية المطلقة و الاستقامة في التفكير و الحرية و الاختيار كما جاء عن كتاب مصطلح التاريخ لاسد رستم حين كلف بفحص إحدى الوثائق المكتوبة و كانت عبارة عن رسالة من عهد محمّد على للوقوف على مدى صحتها و كيف اضطر إلى فحص نوع الورق الّذي دونت عليه الوثيقة و فحص نوع المداد و مقارنتها بمثيلاتها من الوثائق في أماكن مختلفة و دراسة عادات المراسلة و الأسلوب و اللغة و تاريخ و مكان الكتابة و اتفاق ما جاء بها من الظروف التاريخية و ذلك كله يبين لنا مدى الصعوبة الّتي يجب على المؤرخ ان يواجهها و يتغلب عليها ليصل إلى الحقيقة[63] فمثل المقارنة بين خط المؤلف و غيره المنسوبة إلى المؤلف أيضاً أو المبادرة إلى معرفة الوثيقة بالطرق الكيمياوية وهي المادة الّتي تكتب عليها الوثيقة أو الاستعانة بالمكبرات و نحوهاأو ان الوثيقة واحدة من قبل المؤلف و مايحتمل فيها الأخطاء العمدية و السهوية كل هذه
الأنحاء المتصورة ليتوصل إلى الواقعة التاريخية عن طريق سلامة الوثيقة بأسباب الانتقالات الذهنية و ليست منصهرة بالعامل الميكانيكي.

          أما الحتمية الاقتصادية الّتي سار عليها المذهب الماركسي بأن الانتاج هو الاداة الأولى في تكوين التاريخ للانسان سواء كان من الوجهة الاجتماعية أم السياسة أم الدينية لأنّ الانسان لما كان محتاجاً  إلى نيل مطالبه و لا توجد إلا عن استخدام المادة و كان أول عامل استخدمه هي أعضاءه و هي يده في تذليل المواد الطبيعية من نحت الجبال و نحوه و هكذا و لا يحصل الانتاج إلا عن طريق المجتمع و ينتج من ذلك كيفية التوزيع على المجتمع و بهذا تكون الأوضاع الاجتماعية منبعثة من علاقات الانتاج (علاقات الملكية) ثم ان حصول الطبقية في المادية التاريخية يوجد سبب الصراع بين الجهات المنتجة النامية و علاقات الملكية القائمة الّذي بواسطته ينعكس على المجتمع و يقسمه إلى طبقتين كما انه قد دأب أعداء المادية التاريخية أعداء علم التاريخ على ان يفسروا الاختلافات في إدراك الأحداث التاريخية على أنها دليل على عدم وجود حقيقة ثابتة و يؤكدون أننا نختلف في وصف  حادث وقع قبل يوم فكيف بأحداث قد وقعت قبل قرون[64].

         و يكون الاتجاه الماركسي في المادية التاريخية الاصول على درك الواقع الموضوعي و ان من لم يؤمن بالمادية التاريخية هم أعداء لعلم التاريخ و أعداء للحقيقة الموضوعية.

          و الّذي نلاحظه من المذهب الماركسي عدم التمسك بالمذهب الفلسفي و إنّما يعتقد بأن الفلسفه الواقعية إذا كانت في محيط الطبيعة دون الانطواء تحت  معالم الميتافيزيقا و لذا قال لينين (فالمادية الديالكتيكيه لم تعد بحاجة إلى فلسفة توضع فوق العلوم الأخرى و ان ما يبقى من الفلسفة القديمة هو نظرية الفكر و قوانينه المنطق
الشكلي و الديالكتيك)[65].

         إلا ان الحديث مع الماركسيين في مجال البحث ان الميتافيزيقا لها واقعية بحسبذاتها ليست حقيقتها مرتهنه بالواقع الموضوعي الطبيعي و أمّا توقف  الانسان على العامل الاقتصاية فلا يجعل الميتافيزيقا منعدمة الموضوعية كما نشاهد روجيه غارودي يقول (سوف تكون مهمة النظرية المادية للمعرفة على وجه التحديد ان لا تقطع أبداً الفكر الفلسفي عن الفكر العالمي و لا عن النشاط العملي التاريخي)[66] و بهذا البيان يوضح ان الميزان العلمي لذوي الفكر الماركسي غير كاف ما لم يستمد من الوجود الميتافيزيقي و الاندفاع إلى الميتافيزيقا يوجب الخروج عن إطار موضوعية البحث الاقتصادي  الماركسي كما ان ربط الميتافيزيقا بالعلوم الطبيعية غير ملائم و اما تصاعد الخبرة بحسب العوامل التجريبية لا يوجب ربط الميتافيزيقا بالطبيعة و لا خضوع الميتافيزيقا للطبيعة لأنّ للميتافيزيقا وجود ذاتي يأبى التبعية و الاندكاك أو الخط الّذي تسير عليه الميتافيزيقا من العام إلى الخاص و الخط الّذي يسير عليه العلم الطبيعي من الخاص إلى العام و لذا لا يمكن الجمع بين الخطين كما تصوره العلامه الصدر[67] حيث أوضحنا سير الفلسفة بأنها تقوم على أساس الدقة بينما العلم يسير على أساس الفهم العرفي و لا يمكن جعلهما في صفقة واحدة مترابطة.

          و يحدثنا جون ديوي قائلاً (فالتاريخ هو ما قد حدث في الماضي و هو أيضاً العملية الذهنيه الّتي تعيد بناء تلك الحوادث في لحظة من الزمن تالية لحدوثها ، والفكرة الّتي تقول بأن البحث التاريخي ان هو إلا إعادة عرض الحوادث الّتي حدثت ذات يوم كما قد حدثت فعلاً ففكرة بلغت من السذاجة حداً غير معقول فقد تكون ناموساً منهجياً له قيمته إذا فهمناها على أنها تحذير لنا كي نجتنب الميل مع الهوى و ان
نجاهد في سبيل الحصول على أكبر قدر ممكن الحذر و التشكك عندما نتعرض لتحديد الصدق التاريخي للمادة المعروضة علينا باعتبارها ممّا يمكن ان يصبح هو معطياتنا الأولية أمّا إذا أخذنا الفكري بأي معنى  آخر كانت لغواً لايفيد و ذلك لأنّ البحث التاريخي عملية :

          1 ـ فيها اختيار وترتيب.

          2 ـ توجهها المسائل و المعاني العقلية الّتي تسودها الثقافة القائمة في العصر الّذي يكتب فيه ذلك البحث التاريخي[68].

         و يقول في فقرات أخرى (ان كتابة التاريخ هي نفسها حادثة تاريخية فهي شيء يحدث و يكون لحدوثه نتائج في الوجود العقلي فكما عملت الأساطير و الآثار و المدونات الموروثة الّتي كانت لاثينا مثلاً على تحوير مجرى المياه الآثينية فيما بعد فكذلك  قل عن  البحث التاريخي و إنشاء التاريخ انهما عاملان في توجيه سير التاريخ[69].

         ثم يتعرض إلى الفكرة الماركسية عن الدور الّذي قامت به في الماضي قوى الانتاج من حيث تحديدها لعلاقات الملكية و عن الدور الّذي قام به نزاع الطبقات في الحياة الاجتماعية.

          ثم يقول ان هذه الفكرة الماركسية قد عملت هي نفسها خلال أوجه النشاط الّتي خلفتها على حث  قوى الانتاج على ان تكون عاملاً  في تحديد العلاقات الاجتماعية المستقبلية كما عملت كذلك على ازياد ما لتنازع الطبقات من مغزى فكون التاريخ من حيث هو بحث يظهر في صوره‏إعادة بناء الماضي هو نفسه جزء ممّا يحدث تاريخياً عامل هام في ان تكون كلمه تاريخ مزدوجة المعنى[70].

         و لكن الّذي نتأمله ان ملاحظة الماضي تارة تؤخذ في البحث بنحو الموضوعية الآنية و الاستقلالية الذاتية و أخرى تبحث على نحو الطريقية لحقيقه الماضي ويكون
النظر فيه إلى كشف الماضي و ثالثة البحث بنحو العلاقة بين الماضي والحاضر ويبدو من جون ديوي عدم تفطنه إلى هذه الأنحاء لأنّ كل باحث له غرضه الخاص به في اتجاهه نحو الواقعة.

          و قد أشرنا إلى ان النظر إلى الواقعه التاريخيه أو المواد الطبيعيه و أثرها الانتاج فلا في الانسان لا يحقق الاندماج الذاتي أو قهر الفلسفة إليها لأنّ لها الاستقلال و عدم التبعية في المواد الطبيعية و أمّا مسألة تطور الانتاج فلا تستلزم اندكاك العقل الفلسفي في جانبه و إنّما يمكن ان تدعي ان الميتافيزيقا هي الموجبه للتطور إذا تم التعبير و  ان قلنا في ميدانه انه لا يصلح التطور في الماده الطبيعية و لا في الحركة في الميزان الفلسفي كما ان التمسك بالارتباط بين الاقتصاد و الفلسفة يكون من نوع الخلط بين البرهان القياسي و البرهان الاستقرائي كما ان عود الفلسفه إلى الاقتصاد و عود الاقتصاد إلى الفلسفه يقع في حلقة دائرية كما ذكر بليخانوف و هيجل نفسه في ذات الحلقة المفرغة الّتي وقع فيها علماء الاجتماع و المؤرخون الفرنسيون فهم يفسرون الوضع الاجتماعي بحالة الأفكار و حالة الأفكار بالوضع و ما دامت هذه المسألة بلاحل كان العلم لا ينفك عن الدوران في حلقة مفرغة باعلانه ان (ب) سبب (أ) مع يقينة (أ) كسبب لـ (ب)[71].

         ويعتقد جون ديوي ان موضوعية التاريخ قائمة على الماضي وحده و الكتب الّتي تعالج تاريخ اليونان و تاريخ روما و تاريخ أوروبا في العصور الوسطي و هكذا و هكذا و منها أيضاً ما يعالج الأمم و النظر الاجتماعية و الأوضاع الاجتماعية الّتي كانت قائمة فيما مضى فلو اننا استقينا فكرتنا المنطقية عن التاريخ ممّا هو محتوى بين أغلفه هذه الكتب لانتهينا إلى نتيجة هي ان التاريخ ينصب على الماضي وحده دون سواه لكن الماضي بالضرورة المنطقية هو ماض لحاضر كما ان الحاضر ماضٍ لما هو مقبل و ان يكن لايزال قائماً الآن[72].


 

         و قد أشرنا في طي البحث ان موضوعية التاريخ بما ان المعنى أخذ بنحو الطريقية لصفة المعنى للحادثة أو أخذ التاريخ بنحو الموضوعية على نحو الجهة الاستقلالية فيكون البحث فيه على نحو الجهة الذاتية فعلاً متصفاً بالحاضر و يبدو من جون ديوي تمسكه على نحو الجهه الموضوعية في التاريخ إذ يقول فلا قيام لتاريخ إلا على أساس الحركة الّتي تتجه نحو نتيجة معينة أي نحو شيء نعده و ليد ما قد حدث سواء كان ذلك الشيء هو نشأة و سقوط الامبراطوريه الرومانيه أو استرقاق الزنوج في الولايات المتحدة أو المسألة البولندية أو الثورة الصناعية أو ملكيه الأراضي فاختيارنا لما يكون نتيجة ختامية أو لما يكون نهاية نختم بها سير البحث هو الّذي يحدد لنا اختيارالماده و تنظيمها[73] و هذه الظاهرة الّتي أوضحها جون ديوي تعطي مفاد الموضوعية للتاريخ بمعنى  كون المعنى فيه جهة البحث الذاتي دون النظر إلى الطريقية الحادثة و لكن ذكرنا اتجاه البحث بحسب الأغراض قد يكون بنحو الموضوعية أو الطريقية أو المقارنة و ان كان الميزان الفلسفي للتاريخ يعطي جهه الموضوعية دون الطريقية.

          ويحاول جون ديوي في فهمه للتاريخ على أساس نقطة الابتداء و نقطة الانتهاء من حيث الزمان و المكان وان التغيير لا يتصف بالتاريخ و دنما يدل على نهاية (نختم بها سير البحث) و المواضع و الامكنة يراد بها النسبية بعضها إلى بعض و هي تتعاصر بعضها مع بعض فان كان الزمن المجرد من حيث هو كائن رياضي يمكن تصوره ذا بعد يتجه في خط واحد إلا ان الحوادث لا تحدث في حاله التجريد[74].

         و الّذي يقوم في تصورنا ان الحوادث لما كانت واقعة بحجم مقولي في فترة زمنية مع بعد جغرافي ففي المرحلة الآنية الأخرى صار أمراً حكائياً خبرياُ دون المعنى الانشائي لأنّ التاريخ يقوم في دور الحكايه عن أمر واقعي و بالجملة ، يكون البحث فيه ذا حيثيتين إحداهما النظرة الطريقية و الكاشفية إلى الواقعة في حينها و حيثية استقلالية
دالة على المعنى الايجادي و الحضور الفعلي ولكن إتيان الحادثة إلى الحاضر لا يمكن صدوره من حيث المحالية و عدم القدرة على سحبه أوّلاً وثانياً اصطدام المقولة بالتجريد و ثالثاً يلزم الخلع و اللبس من غير جنسه الحقيقي.

          و المهم في موضوع البحث ان التاريخ بواقعه أمر اعتباري تجريدي سواء كان البحث فيه على نحو الجهة الموضوعية أم الطريقية للحادثة و ليس من نوع الواقعية المحددة بالجنس و الفصل او من الأمور المقبولة.

 

33 ـ الدور و أقسامه :

          يراد من الدور توقف كل وجود على الوجود الآخر بحيث يكون الاستناد إلى كل واحد من الوجودين بنحو الاستقلالية و هو ما يعبر عنه كتوقف الشيء على نفسه كتقف الوجودات الكونية على المطلق و توقف المطلق على الوجودات الكونية.

          و ينقسم إلى دور صريح و مضمر و معي.

          أما بيان الدور الصريح و هو ان يحصل التوقف من طرفين كتوقف الخيمة على الوتد و توقف الوتد على الخيمة و كتوقف السيارة على السائق و السائق على السيارة و هكذا.

          و أمّا بيان الدور المضمر بأن يوجد التوقف على حصول ثلاثه أطراف كتوقف السقف على الاسطوانة و الاسطوانة على الأرض والأرض على السقف و وجه التسمية بالمضمر لأنّ التوقف حصل عن طريق الواسطة دون التوقف المباشر كما في الصريح.

          و اما بيان الدور المعي و هو ان يحصل اتصال بين الوجودين علي نحو المقارنة كأن تقول سافر على و محمّد فوجود السفر تحقق بعلي و محمّد أو سافرت و النيل.

          و الّذي يقع مورد البطلان الدور الصريح و المضمر دون الدور المعي وتكون الطريقة التجريدية في البحث ان إدراك البطلان لناحية توقف الشيء على نفسه و بعين الاثنية و الثلاثة واحد.


 

          كما انه قد أشرنا سالفاً إلى بطلان اللانهائية في الوجودات الكونية و هو من الأدلة التجريدية و ان كانت المقدمتان من الدورية و اللانهائية تجريبية إلا ان الحكم يقع أمراً تجريدياً .

 

الاختيار و عدمه :

          يتصور الاختيار في مرحلة انطلاق الارادة و حريتها و عدم جبرالنفس في اتيان الفعل و الترك، و تكون صفه الاختيار عندما تتم لدى الانسان ثلاثة عناصر رئيسية العلم و القدرة و الاراده ينتزع من ورائها صفة الاختبار كما سار عليه المذهب العدلي و المعتزلة و علماء النفس خلافاً لمذهب الأشاعرة حيث تمسكوا بالجبر و ان الانسان مجبر على الطاعة و العصيان لأنّ إرادته تابعة لارادة اللّه‏.

          و لكن النظرة الفلسفية قاضية على وجود صفة الاختيار و يكون دور تلك الصفة مظهراً من مظاهر التجريد و ليست خاضعة للتجربة إرادته صفة تجريدية و ان جاء أوّلاً بمقدمات تجريبية.

          و لنستقري بعض السجلات التاريخية الّتي تناولت بحث الجبر في العصر الاسلامي[75] ان فكرة الأشاعرة نبعت من خلال فكرة المعتزلة لأنّ الرائد لها (واصل بن عطاء) قد اعتزل بحث حسن البصري و قال بخلق القران و انه حادث و ليس بقديم و لو كان قديماً لتعدد القدماء و ليس القرآن من صفات اللّه‏ تعالى و  في القرآن أمر و نهي و وعد و وعيد و ان مرتكب الكبيرة يقع بين منزله‏ه الكفر و الايمان.

          و تعتقد المعتزلة ان مصدر الكون الواجب المطلق و ان اللّه‏ خلق العالم من عدم و العدم نوعان عدم ممكن و هو إظهاره إلى صفحة الوجود و عدم غير ممكن و هو ما لم
يكن عيناً و لا يمكن كشفه.

          و ينكرون معرفة اللّه‏ للجزئيات لأنّ اللّه‏ جوهر محض وعلم غير متغير و الجزئيات متغيرة بسبب عوامل الطبيعة فإذاً  حوادث الكون نشأتها تلازم الأسباب و العوامل الخارجية.

          ولا يعتقدون برؤية اللّه‏ مشاهدة في الدنيا أو في الآخرة لأنّه لا جسم له و لا جهة تحده و ليس بجوهر و لا عرض فرؤيته بالابصار مستحيلة وإلا كان قابلاً للتحديد و التحير و يذهبون إلى عدالة اللّه‏ فانه لايعمل إلا لصالح الأمة و ان الانسان مختار في أعماله فيثيب و يعاقب عليها و وهب للانسان الحرية المطلقة و قال « هديناه النجدين» و قوله «انا هديناه السبيل اما شاكراً و اما كفوراً الدهر».

          و يعترفون بوجود عقل مدرك للحسن و القبح و يدرك الخير من الشر و الضارمن النافع و ان العقل يحث الانسان إلى الخيرو الصلاح و الخيرو الشر ذاتيان و ان الجرائم و الخطايا الكبيرة لا ترفع إلا بالتوبة لأنّ العمل شطر الايمان.

          و يمكن ان نستخلص آراء هم بالنقاط الآتية :

          1 ـ وحدانية اللّه‏ و عدم تجسيده.

          2 ـ الاختيار لأنّ الانسان فطر على الحرية.

          3 ـ حدوث القرآن.

          4 ـ الآيات الظاهرة في التجسيم صالحة للتأويل.

          5 ـ العدالة الالهية.

          6 ـ تقديم حكومة العقل عند المعارضة القرآنية.

          و عند انتشار الفكر المعتزلي جاء دور الأشاعرة و كان الرافع لهذا المشعل (أبو الحسن على بن اسماعيل ابي بشري اسحاق بن سالم بن اسماعيل بن عبد اللّه‏ بن موسي بن بلال بن أبي بردة عامر بن أبي موسي الأشعري) (360 ـ       ).

          أعلن أبو الحسن المناوءه‏الصريحة بعد صعوده على المنبر يوم الجمعة في البصرة و قال من عرفني فقد عرفني و من لم يعرفني فأنا أعرفه بنفس أنا فلان بن فلان
كنت أقول بخلق القرآن و ان اللّه‏ لا تراه الأبصار و ان أفعال الشر أفعلها و أنا تائب مقلع معتقد الرد على المعتزلة مخرج لفضائحهم و معايبهم ثم اتخذ مسلك أبي محمّد عبد اللّه‏ بن محمّد بن سعيد بن كلاب القطان و بني على قواعده و تعرف عقيدة الأشعريين من خلال خطابه بأن اللّه‏ عالم بعلم و قادر بقدرة وحي بحياة و مريد بإرادة، و  متكلم بكلام، و سميع بسمع و بصير ببصروان صفاته أزليه قائمة بذاته تعالى لا يقال هي هو و لا هي غيره و لاهي هو و لا غيره و علمه واحد يتعلق بجميع المعلومات، و قدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصح وجوده و إرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص و كلامه و احد و هو أمر و نهيو خبر واستخبار و وعد و وعييد و هذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه لاإلى نفس الكام و الألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلى فالمدلول و هو القرآن المقروء قديم أزلي و الدلالة و هي العبارات و هي القراءة مخلوقه‏ففرق الأشعري بين القراءة و المقروء و التلاوة و المتلو نظير الذكر والمذكور.

          ثم استدرج في خطابه الملتهب إلى ان الكلام معنى  قائم بالنفس و العبارة دالة على ما في النفس و إنّما تسمى العبارة كلاماً مجازاً و ان اللّه‏ تعالى أراد جميع الكائنات خيرها وشرها و نفعها و ضرها و جوزت الأشاعرة التكليف بما لا يطاق لقول الأشعري ان الاستطاعة مع الفعل و هو مكلف قبله و هو غير مستطيع قبله و ان جميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من اللّه‏ تعالى مكتسبة للعبد و الكسب عبارة عن الفعل القائم بمحل قدرة العبد و ان الخالق هو اللّه‏ تعالى حقيقه‏لايشاركه في الخلق غير ما خص وصفه القدرة و الاختراع و هذا تفسير اسمه الباري و ان كل موجود يصح ان يرى و اللّه‏ تعالى موجود فيصح ان يرى.

          و قد صح السمع بذن المؤمنين يرون في الدار الأخرى في الكتاب و السنة و لا يجوز ان يرى في مكان لا صورة مقابلة و اتصال شعاع فان ذلك كله محال[76].


 

34 ـ البحث الموضوعي للاختيار :

          وردت بحث الاختيار في عدة مجالات :

          1 ـ البحث الأصولي: تناول الأصوليون مسأله الاختبار من زاوية توجه الخطاب التشريعي للمكلفين على نحو الصفة الاختيارية لهم و ذهب أحد القادة الأصوليين إلى ان الطلب مع الارادة متحدان في المفهوم و الانشاء و الحقيقة و المصداق[77] فإذا أطلق لفظ الطلب بمعنى  أراد و ان كان الانصراف عند الاطلاق ينتقل الذهن من الطلب إلى المعنى الانشائي و من الارادة إلى المعنى الحقيقي و لكنه اعترض بأن هذا يستدعي التمسك بنظرية الجبريين و أجاب ان الأحكام الشرعية متوقفة على إرادة التشريع من النبي أو الولي و ليست ناشئة عن الاراده التكوينية من اللّه‏ تعالي.

          2 ـ و يرى النائيني عدم الاتحادبين الطلب والارادة و ان الاختيار هو عين الفعل النفساني إذ الطلب فعل نفساني و الارادة صفة نفسانية و الاختيار كما ذهب إليه انه عين الفعل النفساني و الأفعال الاختيارية ناشئة منه الارادة صفة غير اختيارية

          و يعتقد بأن الفعل النفساني إذا وقع بعد الارادة لازمه وقوع الجبر لأنّ الارادة غير اختياريه و الّذي يتفرع عنها يكون غير اختياري أيضاً و الّذي يرفع عنوان الاختيار:

          1 ـ اختلاف الطلب مع الارادة مفهوماً و حقيقة و إنشاءاً  و مصداقاً.

          2 ـ الاختيار عين الفعل النفساني و الأفعال الاختيارية ناشئة منه.

          3 ـ الفعل النفساني طابع للطلب يقع قبل الارادة.

          و ذهب العراقي إلى اختلاف الطلب الطلب عن الاردة مفهوماً و مصداقاً مستدلاً على ذلك بالأوامر الامتحانية و ا الكفار و العصاة مكلفون و تركهم للتكليف يدل على المغايرة بين الطلب و الارادة، فالطلب هو الفعل النفساني هو مؤداه الاختيار وتابع لصفة الاختيار في النفس فالفعل النفساني ناشي عن الصفة الاختيارية و ان الاختيار صفه تقع في عرض العلم و القدرة و الارادة.


 

          و الّذي نعتقده في ميدانه الأصولي كما حرره و الدنا بأن الاختيار منتزع من العلم و القدرة و الارادة و هو الّذي يتناسب مع البحث التجريدي.

          3 ـ البحث الفلسفي تعرض الفلاسفة الا غريق إلى دور الاختيار و ان للانسان إرادة حرة و هو ان الطلب مظهر الارادة و ان النفس لها صفات من العلم و القدرة و الارادة و لها مرحلة فعل كالتصديق الفعلي و العلم بمعنى  الكيف و مقام فعليته هو فعل من أفعال النفس وهو الوجود العلمي الفعلي كادراك التوحيد و هذا المعنى يصبح مختلفاً سيره عن الارادة لأنّ الارادة من الصفات النفية و هذا التصديق من الأفعال النفسية و ليس في ذات المطلق صفة يطلق عليه الكلام النفسي الدال عليها بالكلام اللفظي لأنّ الكام النفسي القائم في ذاته اما ان يقع من سنخ الوجود و تقرر ثبوته في ذات المطلق و هو لايمكن ان يعبر عنه بالكلام اللفظي لأنّ الوجود العيني الحقيقي لا يأتي بالمدارك الادراكية ولا يتحول بمفاهيم العبارات و الألفاظ و ان كان من سنخ الماهية فتعالى المطلق عن ذلك إذ الماهية لاتتقوم بها الذات المطلقة و لا تعرض على الذات[78].

         و ان الارادة في العرفي الفلسفي التقليدي عبارة عن تمام الرضا و الابتهاج بالذات وتمام الابتهاج النفس المقدسة العلوية و إلا فالارادة بالقياس إلى الانسان  تقع بنحو التصميم على الشيء أو الشيء المؤكد أو حملة النفس على الشيء.

          و أشار الفيلسوف الأصفهاني إلى مسألة الجبر ان الانسان حيث انه مركب من الوجود و الماهية فمن حيث الوجود ينسب فعله إلى اللّه‏ و من حيث الماهية ينسب فعله إلى نفسه فهو أولي بسيئاته كما في الحديث و هو مؤدي (الأمر بين الأمرين).

          و هناك جهة فرق بين الارادة التشريعية و الارادة التكوينية لأنّ اتجاه الاراده التشريعيه في الأحكام و اتجاه الارادة التكوينية في الايجاد.

          و بالنظر إلى ذات المطلق له إرادتان إرادة عزم و إرادة حتم لأنّه قد يأمر و ينهي و
لا يقع الفعل من المكلف خارجاً و هذا في الارادة التشريعية وقد لا ينفصل الفعل عن الارادة أبداً و هذا بالقياس إلى الارادة التكوينية.

          4 ـ البحث النفسي أشار علماء النفس إلى وجود الاختيار للانسان عن طريق البحث عن الارادة، نجد الدكتور فاخر عاقل يحدثنا عن علماء النفس القدامي (بأنهم يرون ان كل فعل إرادي يتم على مراحل أربع تصورفمذاكرة فتصميم فتنفيذ ، و عين ذلك ان الانسان في رأيهم كان يبدأ في تصور العمل الّذي يريد القيام به و يتخيله أي يحاول أنيراه ذهنياً بكل صفاته و متطلباته و مقتضياته ثم ينتقل إلى النظر في ما للعمل وما عليه و يوازن بين ما ينجم عن القيام به أو الامتناع عنه و يأتي بالمؤيدات الّتي تدعمه و ينظر في الأسباب الّتي تضعفه[79].

         و يعتقد بعض علماء النفس القدامي ان الارادة هي الّتي تحقق الرغبة و النفس البشرية الّتي تمثل هذه الرغبة هي الّتي تقرر تنفيذ الرغبات أو الاحجام عن تنفيذها أو الاستعاضة عنها برغبات أخرى.

          و ذهب جماعة آخرون إلى ان الارادة هي كابح الرغبة و ضابطها و منظمها و انه لو لا الارادة لفعل الانسان كل ما يخطر في باله و لحاول تحقيق جميع رغباته.

          و يؤكد علماء النفس ان الارادة ليست إلا رغبة دخلت في نزاع مع رغبة أخرى و استعانت بأنصار من المجتمع ومن الأخلاق و الأعراف و العادات و التقاليد و الكرامة أو غير ذلك في انتصارها على الرغبة الأخرى.

          و الّذي يبدو من هذه الآراء أنهم قد خلطوا بين مقدمات الارادة وحقيقة الارادة إذ التصور والتصميم و الرغبة كلها من مقدمات الارادة و ليست عين الارادة.

          و تعرض أحد فلاسفة الغرب و هو القديس أو غسطين بأن الارادة تمثل القدرة على قبول تصور أمر ما أو رفضه فليست الحرية إذاً  القدرة على الاختيار بين الخير و الشر لأنّ اختيار الشر نقص و لو كان شرطاً للحرية لما كان اللّه‏ حراً و كيف لا يكوناللّه‏
حراً وهو واهباً الحرية و أول دليل على الحرية شهادة الوجدان، فإذا لم تكن الارادة الّتي بها أريد و لا أريد ملكاً لي فلست ادري  ما الّذي أستطيع ان أقول عنه انه ملك لي.

          و يعتقد أوغسطين ان للارادة قانون يجب اتباعه و هو قانون طبيعي ندركه حالما ننظر في أنفسنا و في الأشياء فان هذا النظر يظهرنا على ان لكل موجود ماهية ثابتة و نظاماً و ميلاً طبيعياً إلى غايته الموجود غير العاقل يتجه إلى غايته طبعاً و الموجود العاقل يتجه إليها بإدراك و حرية و يعبر اغسطين عن القانون بأنه عبارة عن احترام الطبائع و نظامها لتحقيق النظام العام و على هذا فالخير خير لأنّه يطابق النظام و الشر شر لأنّه يعارضه و يرى أغسطين ان الحرية محدودة بطبائع الأشياء فان أفعالها تابعة للّه‏ الّذي هو وحده مطلق و كان سبب التزامه ان قام راهب[80] و قال للانسان إرادة الخير دون احتياج لنعمه الهية.

          و لكن الّذي استفدناه من طبيعة الاختيار ان الاستغناه عن النعمة الالهية في الايجاد غير تام و ان كان للانسان اختيار من جوانب أخرى كما انه لابدأن نميزبين مقام العلم بالمصلحة و القدرة و الارادة و لايصح ان نفسر الارادة بالقدرة أو العلم كما يبدو من بعض فلاسفة الغرب.

          و يقول ديكارت ان الارادة متسقة المدى بطبيعتها فانها لمزية عظمى ان تكون لنا القدرة على العمل بواسطتها أي العمل بحرية و ان نصبح بذلك سادة أفعالنا و من ثم جديرين بالمدح عندما نحسن قيادتها فكما اننا لا نمتدح الآلات الّتي نراها تتحرك على أنحاء كثيرة مختلفة تتفق و ما نطلبه منها وذلك لأنّ هذه الالات لايصدر عنها إلا ما كان ناتجاً عن تركيبها الآلي و كما اننا نوجه المدح لصانعها الّذي كانت له قدرة و الارادة على تركيبها بحذق عظيم فكذلك لأنّ لنا القدرة و الارادة على تركيبها بحذق عظيم فكذلك لأنّ لنا القدرة على اختيار الصدق حينما نميزه عن الكذب فلا بدأن يكون لنا من الفضل أكثر ممّا لو كان باختيارنا هذا أمراً محتوماً يضطرنا إليه مبدأ خارج إرادتنا.


 

          و يعتقد ديكارت ان لنا إراده‏حرة قادرة على القبول أوالرفض كيف ما تشاء ولكن عندما تلاحظ ديكارت في تعبيره يمزح الارادة بالارادة و الارادة بالقدرة و هو من الخلط الواضح كما يبدو منه في بعض الفقرات عدم تمييزه بين الارادة و الاختيار و يجعلهما من مقولة واحدة.

          و ذهب «كانت» إلى أنه ليس الواجب ممكناً إلا بالحرية و وجوده يدل على وجودها و هما معنيان متضايفان فانه إذا كان على الانسان واجب كانت له القدرة على ادائه و كان فيه إلى جانب العلية الظاهرة عليه معقولة مفارقة للزمان  تضع القانون و تفرضه على نفسها فالحرية خاصة الموجودات العاقلة بالاجمال فان هذه الموجودات لا تعمل إلا مع فكرة الحرية و هي إذن من الوجهة الخلفية حره حقاً.

          يتعرض «كنت» إلى مرحلة كون الانسان متحرراً من قيود العلية الّتي تخضع لها سائر الكائنات و الّذي نلاحظه من عرض «كنت» عدم بيان الاثبات و أمّا الثبوت فلا نقاش فيه كما انه لم يظهر حقيقة الحرية و إنّما يعطينا كشفاً عن آثارها كما اننا نناقشه حول حرية الانسان من قيود العلية و لا بدأن يفرق بين التكوين و التشريع و إنّما الحرية انتزاعية.

          و يرى الفيليسوف (نيتشه) ان الحرية ليست من المعطيات الضرورية بل هي إنتاج لا نجدها في ذواتنا كواقعة تجريبية أو كمعطى من معطيات التجربة بل نحن إنّما نشعر بحريتنا في اللحظة الّتي نحقق فيها تلك الحرية و الحرية ليست شيئاً مكتملاً قد تم إعداده من ذي قبل بمعنى  انها ليست مجرد موضوع خارجي محقق من ذي قبل بحيث يصح ان نقول ان الحرية موجودة و إنّما هي فاعلية تخلق ذاتها و تحقق ذاتها ولهذا فهي شيء ينبغي ان يكون من هنا فان الحرية الّتي ينادي بها لا تكاد تنفصل عن فكرة الواجب الأخلاقية أو عن فكرة الذات الحقيقية فنحن هنا بازاء ذاتها ماهيتها الحرية و لكن هذه الحرية لا تظهر نفسها إلا عن طريق العقبات الّتي توجدها لنفسها أو (الأنا) الّتي تضعها أمام ذاتها و هكذا يعتقد نيتشه بتوحيد الحرية مع الواجب لكي يتوصل إلى المبدأ المطلق ويقول الاراده‏هي العامل الفعال الحي الّذي يجعل الانسان
بين عالمين عالم الحس وعالم الروح و كلاهمايوجد بفعل قانون الواجب فالاراده هي المبدأ الحي الّذي يسود كل ما هو موجود ان الحياة العقلية لا ترضي نفس الانسان لأنّها تدخل به في الظلمات بل ان التقدم الأخلاقي هو الّذي يقود  إلى الحكمة الحقيقية و انه لابد من وجود آثار للارادة تترتب عليها وهذا لا يتوفر إلا إذا اعتقدنا بالعامل المادي وهو يرى ان هذا العالم المادي على الرغم من ثرائه و نظامه ما هو إلا حاجز يحجب وجود العالم الآخر عالم الأرواح و الارادة.

          و الّذي يبدو من فيتشته‏انه لم يتوصل إلى حقيقة الحرية إلا من زاوية أثرها بكونها موجودة تخلق ذاتها مع ما يستلزم من التمسك بالدور الباطل لتوقف الحرية على ذاتها و توقف ذاتها على الحرية.

          و تمسك هيجل بأن ماهية الانسان روح أي بمعنى  الشعور و الحريه‏ولكن الشعور و الحرية بمفهومه على درجات ثلاث ففي الدرجة السفلي الروح مقارن للجسم ينمو وينضج و يشيخ معه إحساساته غامضة تقابلها  انفعالات غامضة و هذه تعني باللاشعور ثم يظهر الشعور الواضح فيدرك الانسان ذاته ويدرك الأشياء و هذان إدراكان متعارضان يوفق بينهما الفهم الّذي وظيفته إدراج الاحساس تحت قوانينه الأولية و جعل مدركات الشعور موضوعية.

          و الّذي يبدو من عقيدة هيجل ان الروح تعطي اللوحة الواضحة عن الشعور و الحرية بينما حقيقة الروح ليست عبارة عن الشعور والحرية و ان صح التعبير فانهما من آثار الروح وليستا عين حقيقة الروح.

          و يرى (وليام جيمس) القائل بحرية الارادة هل ثمة دليل أوقع على يقينناً ثابتاً بحقيقة واقعية من اننا نستطيع الاختيار ونقدم على المغامرة و نقبل على المخاطرة و نواجه المستقبل في وسع البعض ان يزعم ان هذا الشعور بالتعدد و بالامكانيات الّتي تقبل التحقق كلها على قدم المساواة وبتداخلها الحرفي صف واحده‏دون الأخرى في مقدور البعض ان يدعي ان هذا الشعور لا يعدو ان يكون و هماً من الأوهام فليس لدينا على ذلك وسيلة تجريبية ندحض بها فرصة الحتمية ما دمنا لا نستطيع ان دير إلى
الوارء عجلات الزمن و نبرهن على ان مجرى الأحداث كان يمكن ان يكون مختلفاً عما رغبناه عليه ، و دليل حرية الارادة لا يمكن ان يتحقق تجريبياً إلا بهذه التجربة الباطنية أعني تجربة الاختيار.

          و لكن يمكن مناقشة (جيمس) حيث ذن تعبيره بأننا نستطيع الاختيار قد فسر الاختيار بالاختيار و القدرة على الاختيار لايعطي لوحة الاختيار الواقعية كما انه يكرر في بيان التغير اللفظي للاختيار في قوله دليل حرية الارادة يتحقق تجريبياً بالتجربة و الاختيار.

          و لنتابع نظرية (سارتر) في حرية الارادة أيضاً إذ يعتقد ان الانسان يوجد أوّلاً ثم يتعرف على نفسه و يحتك بالعامل الخارجي فتكون له صفاته و يختار لنفسه أشياءهي الّتي تحدده فإذا لم يكن للانسان في بداية حياته صفات محددة فذلك لأنّه قد بدأ من الصفر بدأ  و لم يكن شيئاً و هو لن يكون شيئاً إلا بعد ذلك و لن يكون سوى ما قدره لنفسه و الانسان هو الّذي يصنعه بنفسه و انه يمتلك ذاته فقد أرغب ان أنضم مثلاً إلى حزب من الأحزاب أو ان أكتب كتاباً أو ان أتزوج لكن في حالة كهذه فان ما يسمى عادة باسم إرادتي ان هو إلا الممارسة الطبيعية لقرار مسبق اتخذته عفواً فإذا كان الوجود حقيقة أسبق على الماهية  فالانسان مسؤول عما هو عليه و إذن تكون أولى آثار الوجودية المترتبة على ذلك هي وصفها كفرد وصياً على نفسه مسؤولاً عما هي عليه مسؤولية كاملة ، و عندما نقول ان الانسان يختارلكل الناس لأنّ الانسان في الواقع و هو يمارس الاختيار كي يخلق نفسه كما يريد لنفسه لا يوجد ممّا يمارسه فعل واحد غير خلاق انه باختياره لذاته يختار أيضاً لبقية الناس فلا عمل من أعمالنا في خلقه لما نريد ان نكونه إلا و يساهم أيضاً في خلق صورة الانسان كما نتصوره و كما نظن انه يجب ان يكون ان اختيارنا لنمط معين من أنماط الوجود هو تأكيد لقيمة ما يختار و إعلاء لشأنه و كأننانقول لكل الناس اختاروا مثلما اخترنا فنحن لا يمكن ان نختار الشر لأنفسنا و ما
نختاره دائماً خير لنا و من ثم فهوم خير لكل الناس[81].

         و الّذي نلاحظه من عرضه للحرية للانسان يؤكد على أسبقية الحرية للتدبير و التبرير العقلي و لكن الّذي عليه التحقيق الفلسفي ان الاختيار يقع في رتبه متأخرة عن العلم و القدره‏و الارادة و إنّما ينتزع منها هذه الطاقات الثلاث و ليس واقعاً في رتبها و يبدو من (سارتر) الخلط بين القدرة والحرية كما انه لا معنى  لتفسير الحرية بالتدبيرأو التبرير العقلي لأنّ التبرير و التبرير من شؤون العقل و أطواره بينما الحرية تقع في خط نهائي بعد موقف التبرير  و التدبير.

          و ان كانت هناك نظريات إسلامية متأخرة قامت بدور  التفصيل بكون الاختيار متفرعاً من القدرة[82] في الانسان و في ذات الواجب لأنّه لو لم نلتزم بأعمال القدرة في الواجب و في الانسان معاً لا ستدعي التمسك بالجبر في ذات الواجب و في الانسان أيضاً.

          و توضيح هذه النظرية ان الفعل إذا كان منبعثاً عن واقعية الارادة لاستدعى كون العقل مجبوراً  لترتبه على الارادة الّتي هي غير اختيارية لأنّ المتفرع منها لا بد ان يكون مثله غير اختياري ثم أشار إلى جهة التفصيل و هي ان القائل بالجبر في صورة المماثلة بين الواجب و الممكن  في الوجود و ان وجود الممكنات تقع من طبيعة الواجب و لا بد في وجود الممكن اعتباره ظلاً للواجب بلحاظ اتحاد السنخية بينهما و مقتضى الظلية سلب الاختيار.

          إلا ان الفلاسفة الاسلاميون و ان التزموا بوجود السنخية يبن الواجب و الممكن كما يحوي ذلك في الأمور الطبيعية الّتي يقع المعول من سنخ العلة كمايوجد ذلك بين الحرارة المائية و النارية و لكن هذا لا يوجب الملازمة بين السنخية و القول بالجبرر و الفلاسفة صرحوا بأن اللّه‏ مختار في فعله و إيجاده و ان كان وجودالانسان مثالاً لوجود
ذات المطلق و ان الانسان مثاله في خلقه فتكون نفسية الانسان بمقتضي المماثلة المحاكاة لما في ذات الحق من انتزاع الاختيار من حصول تلك الطاقات العلم و القدرة و الارادة.

          و الّذي ينبغي ان نلفت نظرك إلى قاعدتين فلسفيتين :

          1 ـ ليس المقصود من اشتراط السنخية على القول بها بين العلة و المعلول المشابهه الطبيعية كما في الحراة بين النار و الماء لأنّه لا شركة بين الذات المطلقة و الذات الممكنة.

          2 ـ انه من تمام العلة ان تؤثر في المعلول حيث لاسنخية و مماثلة بين من ذاته الغنى و بين من ذاته الفقر و الاحتياج.

          هذه بعض اللقطات الفلسفية في إطار الاختيار يعطي دور التجريد و ليس من صافت التجربة كما ان الاضطرار و الاكراه على إيجاد العمل من الصفات التجريدية و ليستا من حقيقة التجربة و ليستا خاضعتين أيضاً للعامل الميكانيكي بأي صورة و اتضح لديك أيضاً ان الاختيار لا يعرف الحال فيه من حيث عنوان التجريد بين التمسك به يكون تبعياً للعلم و القدرة و الارادة أو كونه من الأفعال القلبية كلها تعطي لوحة التجريد دون التجربة و ان كان هناك آثار تترتب على التفصيل بين الصفة و الفعل النفساني من حيث أثر الاختيار و عدمه وقد أشرنا إلى ذلك مفصلاً.

 

35 ـ التجربة في المقدمات و التجريد في النتائج :

          قيام التجربة دائماً على المقدمات فإذا قام المكتشف بعملية تجريبية كتركيب أجزاء الطائرة أو القمر الصناعي أو العقل الالكتروني وسائر الأجهزة الصناعية الحديثة فان التجربة تأخذ حركتهافي نفس ذلك الحقل و لا يمكنها القفز إلى ماوراء ذلك للحصول على المعرفة الفعلية.

          و أمّا النتائج فهي خارجة عن إطار التجربة لعدم سيطرة الاختيار عليها و لكونها في سوار المراحل الاستعدادية دون المراحل الفعلية فلا تكون المعرفة متكاملة إلا
بعد الانتقال إلى الاستنباط و طبيعة الاستنباط يقع في محور المجردات كما ان الملازمة بين المقدمة و النتيجة و الحكم بالملازمة من شؤون الجهاز التجريدي دون العامل التجريبي لأنّ العقل يأخذ في دور عدم تكون النتيجة إلا عند ضم المقدمة إليها و انه لا بد من الملازمة بينهما و لذا تجد عند عدم سلامة المقدمات يكون التأثير في جانب النتيجة و كل هذه الأمور تقع في حقل التجربة و الا تقع في العامل التجريبي. و التجربة لما كانت مستندة إلى الاستقراء و هو الابتداء من الخاص إلى العام بعكس الاستنباط فالنتيجة فيه تجريدية و ان قلنا بان الاستقراء سواء كان تاماًَ ام ناقصاً فلا يمكن الوصول فيه إلى نقطة جزمية و لو قد الوصول إلى الخط الجزمي فالنتيجة على كل حال تجريدية.

 

36 ـ الغاية و المغي :

          حقيقة الغاية ان ترسم لك خطاً للاخلاق نحو الجهة المقصودة فيكون تصويرها المفهومي من الصفات التجريبية دون الجريبية.

          و أمّا كبر حجم الغاية بما تنطوي على مصلحة عظيمة في نظر القائم بتحصيلها كما نشاهد بعض القادة العظماء يقدمون على تحصيليها و ان كانت الواسطة معقدة و لذا يقال الغاية تبرر الواسطة و التجرد يقع بالقياس إلى الغاية و التجربة تقع بالنسبة إلى المقدمات الموصلة إليها سواء كانت المقدمة عادية أم لها قيمة موضوعية.

          و لا بأس ان تتابعني فيما لخصته من كتابي دراسات في التعريف و الموضوع و الغاية تقع في مرحلة تطبيق القواعد فإذا قلت النحو يصون اللسان عن الخطأ في المقال يراد به تطبيق قواعده دون مجرد التعليم من غير ملاحظة التطبيق لقواعده و هكذا الحكم بالقياس إلى علم المنطق فان المنطق إنّما يصون الفكر عن الخطأ عند تطبيق قواعده ، و لذا لو كان الانسان قد درس علم الاستنباط فان الدراسة ا تجعله مستنبطاً ما لم يطبق قواعده ، فالغاية على هذا النحو تكون في مقام التطبيق العملي دون مجرد المعرفة العارية عن الطبيق ، و بعبارة أخرى الغاية ما تقدمت بوجودها العلمي على
الشي و ان تأخرت بوجودها الخارجي و لا يصح ان تقع بوجودها العلمي متأخرة عن العمل والالزم الخلف[83].

         و ممّا ذكرنا يتضح ان مجي العلة الفاعلية و المادية و الصورية يعقبها وجود العلة الغائية الّتي تأتي بعد تقديم العلة الفاعلية بأن يقوم المريد لانجاز البيت و ذلك يتحقق إذا حصلت المواد من المواد الطبيعية كالآجر و الحديد و الأخشاب و الجص و إذا قام بترابط هذه المواد بعضها مع بعض وجدت الشكلية الخاصة المعبر عنها بالصورة و عند تمامية الشكلية يأتي دور الغاية و هي سكني البيت.

          فتكون الغاية هي الخط النهائي لتطبيق القواعد إذا كانت النوعية لخصوص العلم أو تكون بعد الفاعلية و المادية و الصورية إذا كانت من نوع المقولة ، و قد تسري حتى للعلوم أيضاً كما في العلة الفاعلية للتدوين و وجود نفس المسائل للعلة المادية و تنظيمها بالعلة الصورية و الغاية هي المترتبة بعد ذلك كصون اللسان أو الفكر أو الاستنباط.

          و نلفت نظرك إلى جهة الفرق بين الغاية و الغرض ان الغاية ترتسم في دور تطبيق القواعد خارجاً.

          أما الغرض فيقع مقوماً لموضوعية المسائل و يكون محدداً للقواعد العلمية فنسبة الغرض إلى الموضوعات كنسبة المضاف إلى المضاف إليه و ليست من نوع نسبة المعلول إلى العلة[84].

         و على الجملة ان الغرض بوجوده الخارجي و الغاية تقع بوجودها التصوري  و العملي و هي محط تدوين الفنون دون الغرض القائم بالتعليم و التعلم الّذي يكفي فيه بيان الفهرست و الاشارة الاجمالية.

          فعلى هذا تكون الأعراض هي الحدود للشي الموجبة لتدوين في مقام التصور و كلها تعطي أضواء على صورة التجرد أمّا مسألة دخول الغاية في المغي فيمكن ان
تدخل في إطار التجربة.

 

37 ـ الواقع و المتعلق :

          طبيعة التجربة دائماً تتجه نحو المتعلق و الخارج بينما خط التجريد يتجه نحو الواقع و يكون حقل المعرفة الواقع و المتعلق و ربما يكونان متطابقين إذا التقا الخطان معاً بنحو الدلالة المطابقة نظير قولك جاء الخليفة من السفر و يعبر عنه مطابقة  الحكم للواقع أو الانسان حيوان ناطق و ربما ينفصل المتعلق عن الواقع إذا لم تحصل المطابقة فيكون غلطاً و اشتباهاً.

          و ينطق الواقع على المتعلق في صورة انطباق الماهية على الوجود فانهما من نوع التجريد و ليسا خاضعين للتجربة.

          و نقدم إليك أضواء أخرى في معرفة الواقع و المتعلق ان طبيعة الواقع ترتسم على خط المطابقة و التطابق كما أوضحناه في صورة مطابقة الماهية للوجود فإذا قلت الانسان حيوان ناطق حصل التطابق و التحديد الماهوي في الوجود من غير زيادة بينهما خارجاً و ان حصل التغاير بحسب المفهوم أو نظير مطابقة الحكم للموضوع كالخطابات الموجهة للشعب من قبل الدولة أو الأحكام الشرعية الموجهة للمكلفين ففي صورة مقارنة الحكم للمتعلق و اتصاله معه يكون بنحو المطابقة و قد يكون الحكم في واقعه موجوداً إلا ان الطريق كان منسداً و فيه زيف و تحريف يكون غير مطابق للحكم الواقعي.

          و يقسم المتعلق على ثلاثة أنحاء :

          1 ـ متعلق الحكم.

          2 ـ متعلق المتعلق.

          3 ـ موضع الحكم.

          و يعبر عن هذه الانقسامات بالانقسامات الأولية أمّا الانقسام الّذي يقع على كل واحد من هذه الأقسام يعبر عنه بالانقسامات الثانوية لأنّ التقسيم جاء عن طريق
الحكم بينما الانقسامات الأولية يكون التقسيم لها بنحو الاستقلالية الذاتية دون النظر فيها إلى الحكم.

 

38 ـ الصفة الابداعية :

          يتعلق في وجود الفكر طاقتان  :

          1 ـ الطاقة الابداعية :  و هي الّتي لم يكن للشي وجوداً سابقاً فأنشي من كتم العدم إلى الدائرة الوجودية.

          2 ـ الطاقة الانكشافية : و هي الّتي لها مقدمات يهتدي إليها العقل للحصول على النتيجة عند طي المقدمات الاستعدادية و ان كانت الاختراعات الحديثة جميعاً من نوع الانكشاف دون الاختراع.

          و الّذي نحن في بحثه الموضوعي ان الفكر  الابداعي أو وجود قوة الاهتداء لم تكن من العامل التجريبي و إنّما هي طبيعة ميتافيزيقية أو هي مجرد لعة خاطفة[85].

         و بيان هذا  العرض نتحدث إليك بما جاء عن ولاس (1926) حيث يعتقد ان عملية الإبداع و الخق عبارة عن مراحل متباينة تتولد أثناءها الفكرة الجديدة و بيان المراحل.

          1 ـ الاعداد و يتضمن البحث الدقيق في المشكلة بالقراءة و التجربة.

          2 ـ الكمون يتضمن هضماً أو تمثيلاً عقلياً شعورياً و لا شعورياً و امتصاصاً لكل المعلومات المكتسبة الملائمة.

          3 ـ الاشراق : و يتضمن انبثاق شرارة الإبداع و هي اللحظة النهائية لتولد الفكرة الجديدة.

          4 ـ التحقيق : و يتضمن الاختبار التجريبي للفكرة المبتكرة.

          و يبدو من (لاوس) الخلط بين المقدمات التمهيدية و هي الّتي تتوقف على
التجربة أو المقدمات الاستعدادية كما في الأعداد و أمّا التحقيق فيكون في ظرف الآثار و النتائج فان خرج إلى دور الفعلية فهو أمر تجرديدي و ان كان في دور الاستعداد فهو في دور التجربة ولا بدأن نميز بين الاتجاهين.

          أما الاشراق و الكمون فهما من الأمور التجريدية و لذا يحدثنا كراتشفيلد (1951) ان الكمون ربما يقود دون ان يفطن الفرد إلى رموز أكثر فائدة مستمده من البيئة كما يسمح لنمو التمثيل الذهني بينما يكون الفرد منغمساً في نشاط آخر.

          و وصف غيزلين مرحلة الاشراق بأنها العمل الدقيق لحاسم للعقل في عملية الخق و هو ينفضل اعتبار ان عملية الخلق مكونة من عدد أقل من المراحل المنفصله كما يرى انه لا يوجود نوع من الحساب المعروف الكافي للانتاج المبتكر فالابداع أو الخلق يحتاج إلى صياغة طارجة مجرد نقل يصحبه بعض التغيرات أو عمليات الاتقان و بالرغم من أنه يعتقد ان المعاني الكلية لأفكار اللاشعورية غير دقيقة فهو يعرف بأهمية الانحراف الّذي يرتبط بما سماه ما قبل الشعور التشكيلي.

          أما (هاريس) (1959) يعتقد ان الإبداع يتكون من ستة أنحاء :

          1 ـ وجود الحاجة إلى حل مشكلة.

          2 ـ جمع المعلومات.

          3 ـ التفكير في المشكلة.

          4 ـ تحقيق الحلول أي إثباتها تجريبياً.

          5 ـ تنفيذ الأفكار.

          6 ـ تحليل الحلول.

          و لكن (فوكس) أنكر العملية الابداعية و ذكر بأن عملية الخلق أو الإبداع ما هي إلا تعبيراً فقط عما يحدث قبل و بعد لحظة الخلق فإذا رجعنا إلى الخطوات الّتي اقترحها (ولاس) فان الخوتين أ، ب أي الأعداد و الكمون تعتبران خطوتان مبدئيتان لا تدخلان أصلاً في الابتكار ذاته فان التجميع و التمثيل و الامتصاص لأي نوع من المعلومات يحدث يومياً في العمل الروتيني لآلاف لا تحصى من الناس دون إنتاج
فكرة مبتكره أمّا الخطوة (د) أي التحقيق فهي بالضروره يجب ان تعقب حقيقه الخلق أو الابتكار ولكن ليس لها دور بالمرة في الخق ذاته[86].

         و الّذي استقر في ذهننا كما أوضحناه ان الإبداع يوجد بقوة متصرفة لها تمام الاختيار و معرفة الهوية و الحقيقة مع جهة الفرق بين الإبداع و الاكتشاف و ان الإبداع يقع في مرحلة الخروج من كتم العدم إلى دائرة الوجود و مرحلة الاكتشاف لم يكن إلا في دائرة موضوع موجود أو أجزاء متفرقه جمعها القائم بالاكتشاف و ليس المخترع أو المبدع إلا الواجب المطلق لأنّه الموجود الحقيقي و ضم جزء إلى جزء لا يحقق الواقع الموضوعي للاختراع و الإبداع وإنّما  يسمي اكتشافاً و حقيقة الإبداع و طبيعة الإبداع يقع في حقل التجريد.

 

39 ـ الضرورة :

          من الأمور الميتافيزيقية الضرورة مع أقسامها الذاتية و الوصفية المنتشرة أو المؤقتة فانها تعطي استحالة التخلف و لذا يكون الإمكان نقيضاً لها.

          و تنطبق الضرورة على عدم التناقض و ضرورة النتائج عن المقدمات في الاستدلال القياسي أو ضرورة فيزيائية كضرورة سقوط الأجسام عند عدم المانع و ضرورة  تمدد المعادن بواسطة الحرارة و ضرورة تجمد الماء في درجة صفر مئوية و كل هذه الموارد تقع في حقل الميتافيزيقا و ليست واقعة في محيط التجربة.

          ونقدم إليك بعض الملاحظات حول الضرورة الذاتية فقد ذكرنا في كتابنا المنطق المقارن ان الضرورة الذاتية يراد بها ضرورة ثبوت المحمول للموضوع أو نفيه عنه ما دام ذات الموضوع باقياً مثل  الانسان حيوان بالضرورة النبات ليس متنفساً بالضرورة.

          و أشار الدكتور عبد الرحمن بدوي إي ان الضرورة لا تكاد تفهم المقصود بها
هل يقصد مجرد الضرورة الواقعية بمعنى  انها هي انطباق الحكم على أشياء واقعية عرفت بالتجربة أو يقصد بها ان تكون معبرة عن أحوال التزامية يضطر فيها الانسان إلى القول بشيء ما فمن الناحية الأولى يالحظ ان الأحكام الواقعية ليست هي الضرورية باستمرار إذا قد لا يكون الحكم متوقفاً على واقعة و مع ذلك نعد هذا الحكم ضرورياً فالعقائد الايمانية بالنسبة إلى أي مؤمن تعبر عن حقائق ضرورية بالنسبه إليه و مع ذلك هو لمن يشهدها عن طريق التجربة لا يمكن اذن ان نفسر الضرورة بمعنى  القيام على الاحكام الواقعية ففارق بين الأحكام الضرورية و بين الأحكام الواقعية[87].

         و هو قابل  للنقد لأنّ الأمور الواقعية من حيث عنوانها الكلي عامة للضرورة و الإمكان و الامتناع و لازمه تعريف الاخص بالأعم و لا يمكن ان تتجرد الضرورة عن الاحكام الواقعية لأنّها من مصاديقها كما ان الضرورة ليست منحصرة في اطار التجربة و انما التجربة احدي الطرق المثبتة للضرورة لانها توجد بالتجريبيات و توجد بالأمور الأولية الوجدانية فالتفكيك بين الأحكام الضرورية و يبن الأحكام الواقعية من باب سلب الشيء عن نفسه إلا ان الاختلاف الّذي قرره المنطقيون بين جهة القضية و بين كونها موجهة و الا فالواقعية لا تخرج عن طبيعة الضرورة الحتمية.

          و يوجد بعض المصاديق للضرورة الّتي لم يشترط فيها بقاء الموضوع و دوامه و هي الّتي توجد في اللّه‏ وصفاته و تسمى بالضرورة الأزلية فتقول اللّه‏ موجود بالضرورة الأزلية وهذا بالنظر إلى ذات اللّه‏ سبحانه و تقول اللّه‏ حي عامل مريد قادر بالضرورة الأزليه و هو بالنسبة إلى صفاته.

          و تقع المشروطة العامة بالقياس إلى الضرورة بلحاظ بقاء عنوان الموضوع فتقول الشجر متحرك بالضرورة ما دام الهواء موجوداً و السفينة متحركة بالضرورة ما دامت الأمواج موجودة و الماشي متحرك بالضرورة ما دام على صفة المشي.


 

          أما ملاحظة الموضوع من غير وجود قيد الصفة فلا يكون الموضوع متحركاً[88] وبهذا يتضح ان الضرورة لا بد من ثبوتها بحكم العقل و لا اعتقد ان النافي لوجودها في مقام خاص لا يرجع اليها في صورة الاحتكام اليها.

          و القائل بالوضعية يرى ان الحكم بالضواهر الطبيعية تسير في اتجاه واحد مبني على المشاهدة وحدها وغير مؤيد بالضرورة العقلية اذن هو يعترف بها كمبدأ ولكنه فقط لايرى ان هذا المبدأ مننطبق على هذه الحادثة  ونظير ذلك قول القائل ان حادثة السرقة الّتي وقعت بالأمس ليس هنالك شهود ليشهدوا بوقوعها فنفي الشعود في هذه الحادثة ليس يعني عدم اعتبار الشهادة في اثبات الجريمة أو نفيها و انمايعني اعتبارها كمبدأ عام غير انه ينفي تحقيق هذا المبدأ في هذه الحادثة واذن فقوله و ليس هناك ضرورة عقلية تحتم ان يكون هذا وحده هو طريق السير[89].

         و يبدو من المذهب الوضعي اعترافه بالضرورة العقلية على اساس كونها مبدأ عاماً يحتك اليها إلا انه مناف لحقيقة المذهب الوضعي لارتكازه على الحواس و هذا غير بعيد عنه حيث ينكر الاستنباط و يقره كما تقرأ عبارتهم كيف اعلم لصاحبي عقلاً وراء سلوكه الظاهر الجواب هو انك تعلم ذلك بعملية استدلالية تقوم على اساس التمثيل فكما ان لي سلوكاً يشبه سلوك صاحبي و كما ان سلوكي هذا منبعث عن عقل فلا بد كذلك ان يكون سلوك صاحبي منبعثاً عن عقل وراءه[90].

         و يرى المذهب الوضعي ان الميتافيزيقا عدم صرف و لكن عندما تلاحظ تمسكه بالعقل يكون مناقضاً لرأيه.

 

 


 

40 ـ الجزم و الاقرار النفسي :

          تأتي ثلاثة عناوين لطبيعة التصديق :

          1 ـ الجزم.

          2 ـ الاستقامة.

          3 ـ الاقرار النفسي.

          هذه العناوين الثلاث تدخل في اطار التصديق بوجود الشيء و كلها خاضعة للميتافيزيقا و التجربة سواء كان الجزم أو الاستقامة أم الاقرار ايجابياً أم سلبياً لأنّ هذه المجموعة يشملها عالم التصورات و طبيعة التصورات تارة تقع ساذجة و بسيطة كتصور الهواء و لاماء و النار مجرداً و أخرى تلحق بالتصور الساذج بالمقارنه  مع الحكم و يعبر عنه بالعرف المنطقي التصديق الا ان التصديق له اتجاهان :

          1 ـ التصديق المجرد.

          2 ـ التصديق الاقراري.

          و يكون المعنى الحقيقي للتصديق ما كان فيه الاقرار النفسي المعبر عنه بالفعل النفساني دون مجرد التصديق و يكون ذلك الآن الاقراري هو انقداحات نفسية اجتمعت بصورة هيكل واحد متجسد في قالب ميتافيزيقي و ليس من نوع العامل التجريبي.

          و يمكننا عرضاً موضحاً لهذه العناوين الثلاثة اما بيان الجزم و هو حاله‏تعقب التصور الساذج البت بوجود الشيء و الحكم عليه أو نفيه عنه سواء كانت المقدمات من الامور الوجودية المقولية أم من الأمورالاعتبارية كما ان جزمه بوجود الشيء أو بعدمه غير مشروط بالمطابقة الواقعية و هذا الايمان و الاطمئنان حالة ميتافيزيقية.

          و يراد بالاستقامة كما ورد في قوله تعالي (فاستقم كما امرت) عدم الالتواء إلى الطرق المعاكسة بل التمسك بالجادة المثلى عند توجيه الخطاب اليه من غير اضطراب في التفكير ولااضطراب في الذاكرة، و لا اضطراب في الانفعالات، و لا اضطراب في الإدراك، و انما قوامالاستقامة على التركيز وضبط النفس و يحصل ضبط النفس على
جهات:

          1 ـ تحديد الغضب.

          2 ـ ضبطها في مجال السخط و الانقباض.

          3 ـ ضبطها عن الاسترسال في الشهوات.

          4 ـ ضبطها في الفكر فلا تجعلها في متاهة الفكر وتجواله.

          و كل هذه الجهات ممّا تقع في عالم التجرد و الابتعاد عن ساحة التجربة.

          و أمّا حقيقة الاقرار فهو من افعال النفس ويقع آخر الخط النهائي للتصديق و هو أيضاً من الحقائق المجرده ولا يتحكم فيه الصراع القائم بين اللذة و الألم و انما له البت و الجري العملي و مثل هذه النوعية غير داخلة في حقل التجربة و انما هي من صفات التجريد.

 

41 ـ تأثير التجرد في المادة :

          تقرر في الميدان الفلسفي ان تأثير الأشياء بعضها في بعض يرجع إلى اربعة انحاء :

          1 ـ تأثير الأجسام المادية في الاجسام المادية كالمغناطيس في الحديد.

          2 ـ تأثير الأنفس في الاجسام كالعين و الرقية.

          3 ـ تأثير الأنفس في الأنفس كالوعظ و النصيحة.

          4 ـ تأثير الأجسام في الأنفس كالنقر في السماع.

          و لنحاول دراسة التأثير في صورة موسعة.

          و يتنور في خلدك ان مقام التأثير يحمل موضوعية القهر و الغلبة على الطرف المقابل الّذي يحمل في جانبه الضعف و الانكسار فمثلاً ان القوة الجاذبية الّتي في المغناطيس تجعل الحديد منجذبا اليه بنحو التأثير و التأثر.

          و على الجملة ان  العوامل المؤثرة على صور :

          1 ـ التأثير الفيزيائي و هو الّذي يتعرض مثلاً إلى الأقاليم نظير البلاد المجاورة
لخط الاستواء فانها ربما توجب السمرة في البشرة كما ان الاقليم اذا كان بعيداً عن الشمس يكون المناخ رطباً دافئاً أوشديد الحرارة كما ان العوامل الفيزيائية تتدخل في مرحلة السكن و الهجرات وطول العمر و قصره . و قديكون التأثير الفيزيائي مؤثراً في الزراعة كزرع الصحراء اشجاراً أو تحويلها من وجود إلى وجود آخر وغير ذلك من الأمثلة الّتي تحصل من التأثير الفيزيائي.

          2 ـ التأثير الوراثي و ذلك عند ما تنطلق الحياة من رحم الأم باخصاب بويضه انثوية من حيوان منوي ذكري و البويضة الانثوية هي خلية حية تماماً و تكون البويضة قبل الاخصاب لها كيانها الاستقلالي و الحيوان المنوي يكون ذو خليتين ناقصتين و يتحدان عند الاخصاب و الخلية الحية تتكون من نواة و في اطرافها توجد مادة هلامية تسمى بالسيتوبلازم و في جوف النواة تقع الصبغيات 34 زوجاً و هي تحمل المورثات الّتي في كل واحدة من المواد الموروثة الخصائص الوراثية و يكون عند التلقيح يحصل الاندماج بين البويضة و الحيوان المنوي و عندئذ  توجد  خلية واحدة ذات نواة واحدة و تتزاوج الصبغيات فتكتمل الخلية.

          3 ـ التأثير البيئي و سوف نتحدث عنه في موضوعه الخاص.

          4 ـ التأثير الديني و هو الناشي عن بعثه الانبياء لأمم و تقبلهم لاقوالهم لما قاموا بمعاجز و  ادله على صدق الدعوى و الرسالية و يرجع التأثير إلى ناحية اقوائية نفوسهم و هذا ممّا يعطي اللوحة الواضحة على اثر و الاندفاع نحو اقواله الناريبة و هذا أيضاً من نوع تأإثير التجرد في المادة أو نظير الحسد و الثره في الآخرين.

 

42 ـ التجرد في ذات المطلق :

          و من الادلة على التجرد بما جاه عن الامام على  عليه‏السلام (كمال الاخلاص نفي الصفات عنه) و هذا يعطي اللوحة الواقعيه عن حقيقة التجرد بان يتعرى الوجود الحقيقي عن العوارض لشهادة ان كل موصوف غير الصفة فلا بد ان تكون الذات خالية من الصفات لأنّ طبيعتها تقتضي التركيب و التغير  و التجدد فيحسن بالموصوف
الابتعاد عن حقل العوارض و الدخول في القيم المثلي فهو إذاً بعيد عن الاين و الوضع و الحركة و الزمان و التغير كما انه ليس بماهيه والالزم كونه ممكن الوجود و ليس بواجب الوجود.

          و قد تعرض الفلاسفه في التجرد لاثبات الواجب اولاً ان موضوعية الإمكان مؤداه سلب ضرورة الوجود والعدم فاذا قدمت إلى   احد الجالبين الوجودي و الدمي لابدك من تقديم مرجع بينهما و المرجع  اذا لم يصل إلى تمام الاقتضاء أو الفعلية كان من لوحات الإمكان الّذي مفاده النقصان حيث ان الترجيح الامكاني لم يخرج عن دائرة النقصان ما لم يدخل في اطار تمامية الاقتضاء و الفعلية.

          و ثانياً : ان الموجودية تارة ينظر اليها من حيث هي هي و أخرى ينظر اليها بالاضافة إلى ذاتها ، و بعبارة أخرى النظر إلى الوجود الواقعي على نوعين احدهما النظر إلى الوجود الواقعي على نوعين احدهما النظر الى جوهرية الذات و ثانيهما اضافة الذات إلى الموجودية  على نحو الناعتية و ثالثهما ينظر اليهما على نحو الانتزاع و هو غيرثابت.

          هذا بالقياس إلى الجانب الايجابي في كلتا النظريتين اما لوكانت الموجودية بعد العدم كوقوع الفعلية بعد القوة كما في طبيعة الإمكان لأنّها تقتضي الوجود بعد ان لم تكن موجودة ويكون مفادها الحركة و التغير و الانتقال.

          و على هذا العنوان الانتقال و الخروج من القوة إلى الفعلية يحتاج إلى مخرج غير ذات الشيء فاذا احتاج المخرج إلى مخرج آخر لزم التسلسل أو الدور.

          و ذكر ان النفس جوهر شريف يشبه دائرة لابعد لها و مركزها هو العقل و كذلك العقل له دائرة استدارت على مركزها و هو الخير المطلق الأول فكل المجردات قد استدارت عليه و هو مركزها لتساوي نسبتها اليه.

          و ثالثاً : يمكن اثبات المطلق عن طريقالدور و التسلسل و هما ادلة برهانية تجريدية و ليست بأدلة تجريبيه لانه عند بطلان الدور او التسلسل لا بد من الوقوف إلى عالم آخر لا يخضع تحت التجربة.


 

          ويقول ديكارت ان اللّه‏ غيرجسماني و انه لا يعرف الأشياء بالحواس على نحو ما نعرفها و انه ليس مريد لحصول الخطيئة و الأثم ، ويقول انه بعد معرفتنا بوجود اللّه‏ ينبغي للانتقال إلى معرفة المخلوقات انت نتذكر ان اذهاننا متناهية و ان قدرة اللّه‏ لا متناهية[91]. و الّذي نلحظه في  اثبات المطلق سواء كانت المعرفة عن طريق المعلول إلى العلة أم العكس كلها أمور تجريدية.

 

43 ـ البيئة و اقسامها :

          يتعرض لبحث البيئة علم الاخلاق من وجهه تعادل الصفات و يبحث عنها الاجتماعي بما لها الاثر في المجتمع على الفرد و يبحث عنها الفسيولوجي بما لها الاثر في نمو الجنين في الرحم و لذا يمكن تقسيم البيئة إلى ماقبل الولادة و ما بعدها فمثلاً ان السيتوبلازم يمثل بيئة النواة بمالها الأثر فيه ، ثم ان بيئته الّتي في فضاء الرحم تعتبربيئة ثانية كما ان عند خروج الولد إلى الظروف الاجتماعية يكون في محيط البيئة الثالثة و حيث ان المنساق إلى البيئة بما هي في محيط المجتمع فيكون البحث عنها على ركيزتين :

          1 ـ المحل.

          2 ـ الحالة الاقليمية.

          و المقصود بالمحل هو الّذي يتكون منه الخط الطولي و الخط العرضي و اما الحالة الاقليمية فيراد بها الحالة الّتي لا استقرار لها كالقضايا التجارية و الاقتصاديه و السياحية فالجماعة تباشرعدة مجالات و تتأثر بها.

          1 ـ الارض.

          2 ـ المباشرة البحرية.

          3 ـ المباشرة الجوية.


 

          4 ـ مباشره الانسان للانسان بالثقافة و التعليم.

          أما سبب المباشرة في الأرض فيوجب خصب الأرض و زراعتها و كثرة انتاجها و يقع التأثير في المجتمع بسبب هذا العمل من حيث الخصب أو من جهة استخراج المعادن الّذي به التقدم الاقتصادي كما ان الجماعة تتأثر أيضاً في المباشره البحرية من نقل البضائع المهمة عن طريق السفن و البواخر الضخمة في تلك الابحر بحسب موقعيتها الجغرافية.

          و أمّا المباشرة الجوية فقد اصبح في زماننا الحاضر التقارب بين المشرق و المغرب بسبب الطائرات السريعة من نوع الميراج و الفانتوم و الكنكورد إلى غير ذلك من هذه الانواع أو غيرها فان المجتمع يكون بواسطة هذا الاتصال الجوي قد حصل على التأثير السريع في الانتقال إلى الكرات الأخرى بواسطه الاقمار الصناعية و المركبات الفضائية ، و اهم مباشرة بين افراد الانسان هو وجود الثقافة و التعليم‏ض فذاك هو الّذي يحقق مغزى اهداف المجتمع كما ان الحياة  الاجتماعية تابعة للحالة الطبيعية الّتي توجب التأثير في الاجتماع من حيث تقدم حضارته و كثرة نسله[92].

         و مقتضى هذا العرض لموضوعية البيئة يتجلى لديك ان طبيعتها تقتضي التجرد و ليست واقعة في اطار التجربة ولامن شؤونها.

 

44 ـ التقاليد و العادات :

          من جملة المصاديق التجريدية التقاليد كما تعرضنا اليها في كتابنا علم الاجتماع بان التقليد يراد به المتابعة للآخر في اقواله و افعاله و يكون النظر إلى مؤسس الفكرة نظر اجلال و تقدير . اما بنحو المحاكاة أو الالتزام.

          أن مفهوم التقليد معنى  عام لعبور الزمن البدائي و المتحضر ويشمل القول و العمل و التقليد البدائي يمت إلى البيئة الاجتماعية بمالها من مراسيم خاصة تطوق
أبناءها بفكرة الاجداد لأبناء.

          أما التقليد الحضري فيرجع إلى ناحية المعرفة و العلم و الثقافه و الادب الرفيع فان الالتزام بادب الجاحظ أو ببلاغة الامام على  عليه‏السلام لا يكون ناشئاً عن جهل و عدم معرفه بل يسير على تقييم الشخص و الايمان بالفكرة عن منهج المعرفه دون المتابعة و الاقتداء بصورة ساذجة.

          و يأتي التقليد على صور :

          1 ـ التقليد بمصطلح الديانات فعند اليهود بمعنى  التلمود و عند المسيحيه القواعد و المبادي و عند المسلمين برجوع الجاهل للعالم في غير الكتاب و العقائد و الضروريات.

          2 ـ المشابهة  في  العمل نظير تقليد بعض الدول في الانتاج الصناعي كاليابان الدول المتقدمة.

          3 ـ التقليد العلمي وهو الاقتضاء بما يطرحه المستنبط من مباني يحسن تطبيقها منه من غير رفع مبنى أو تأسيس مبنى جديد.

          أما بيان العادة فذكر علماء النفس انها توجد عند تكرر الشيء حتى يصبح معتاداً فيما بين الافراد و العادة عند علماء الاجتماع هي نوع من السلوك الفردي الّذي أخذه عن طريق التعليم و التدريب و تقابل كلمه التعود الافعال المنعكسه‏الّتي تأتي عن طريق الوراثة كما انها تقابل الافعال الانتحائية أيضاً الناشئة من افعال ولادية وراثية و هي الغنية عن الجهاز العصبي و ذلك يختص ببعض الحيوانات المعتمدة على ضياء الشمس و الكهرباء و المغناطيس بينما في  الافعال المنعكسة تظهر في الحيوانات الّتي يكون فيها الجهازالعصبي موجوداً.

          أما الافعال التعوديه‏فهي تفترق عن الافعال المنعكسة بمرونتها للتعليم و التعلم فتجد الانسان المظهر لبقية الحيوانات الراقية لما يحمل من الجهاز العصبي الّذي بواسطته يكتسب حركات الأخرين عن طريق الرموز الصوتية المعبرة عنها باللسان و سائر الرموز الحركية ويمكنه ان ينقل هذه الافعال إلى اولاده و هكذا إلى الأجيال
المتأخرة عنه حتى تصبح العادة من انواع السلوك.

          و يعتقد الفلاسفة ان العادة مفادها احترام الرأي العام لها و جعلها بمثابة قانون مقدس ، و لكن القانون الوضعي يرى الفرق بين عالم القانون و العادة اذ القانون ما كان مدوناً في الكتب و العادة غيرمدونة و انماتعارف عليها الناس.

          و الّذي يشرق في الذهن انه ليس بفارق جوهري لأنّ الميزان في تدوين الكتب وعدمه امر سهل يمكن ان يقع الأمر العادي مدوناً في الكتب أيضاً و انما الميزان هو التقبل من قبل آراء المجتمع وجعله بمنزله رأي مقدس يجب الركون اليه الا الانزجار عنه.

          و بمقتضي هذا العرض للتقاليد و العادات تعرف ان ادوارهما في محيط شبكة التجريد.

 

45 ـ المعاني الاعتبارية :

          وجود المعاني الاعتبارية هي الّتي تقوم على يد المعتبرين و صلاحية بقائها و روالها بالنظر إلى من بيده الاعتبار و هي من المفاهيم التجريدية كالملكية و الزوجية و الرقيه وقد تقرر في الميدان الفقهي ان حقيقة الملكية ليست من نوع المقولة و  لا انها من الأمور الواقعية و قد أشرنا إلى جهة الفرق بين المقولة و الواقعية ان المقولة تقع في اطار الوجود الخارجي أو ما كانت ذات حيثية خارجية كالفوقية و التحتية  و يراد بالواقعية هي الماهية للوجود و كون الملكية عند مجتمع تعتقد بانه لا بد ان يسودها الفرد و ان الجماعة لا بد ان تتعري عن الملكية كما في الدول الرأسمالية و النظام الاقطاعي او تعتقد جماعة بان الملكية لا بد ان تخضع للمجتمع و ليست ملكاً للفرد و ان تنظيمها بيد الجماعة و هي الّتي يصطلح عليها بالملكية الجماعية أو النظام الاشتراكي و هذه من المعاني الاعتيادية و لايفرق في اتجاهانحوالتجرد و ان اختلفت المباني والاراء الا ان ذلك كله في متعلق الملكية لا في ذات الملكية و هي داخلة في صفقة التجرد و قد تعرضنا في كتابنا علم الاجتماع إلى تقسيم الملكية وهي :


 

          1 ـ الملكية الاشراقية.

          2 ـ الملكية الحقيقية.

          3 ـ الملكية الاعتبارية.

          تتجلي الملكية الاشراقية لبعض الافراد الذين منحوا السلطة على كافة الأمم و لهم الاشراق المنبسط على الكون الأرضي حيث انهم اشرف الموجودات كما تتجلي هذه الملكية للرسول الأعظم  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله واهل بيته  عليهم‏السلام في معتقد الامامية ولكن ليس لهم التأثير في الموجودات و انما هم عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون أو أنهم بنحو شرائط المعلول دون شرائط العلة ويكرنون بمصطلح الفلاسفة الاسلاميين من قبيل تتميم قابليه القابل وليسوا من شروط فاعلية الفاعل.

          أما الملكية الحقيقية و هي الّتي تتجلى في مظهر العلية و المعلولية و التأثير و التأثر نظير قدرة اللّه‏ سبحانه في خلقه و موجوداته فاذا اراد الشيء ان يقول له كن فيكون حيث له التصرف المطلق من غير منازع لانه الفاعل الحقيقي فالملكية الحقيقة ما كانت خاضعة للارادة المطلقة دون الارادة الإمكانية.

          و أمّا الملكية و هي الّتي تقع في نطاق ملكية الانسان فهي اعتبارية و لذا تختلف بلحاظ المعتبرين فقد تعتبر جماعة الملكية في شيء و لا تعتبرها جماعة اخرى أو تكون الملكية خارجة موضوعاً بنحو التخصص دون التخصيص كما في المعاملات الربوبة.

          و كذا نأتي إلى جهة الزوجية فانها من الأمور الاعتبارية الّتي ليست بأمر مقولي و لا بأمر واقعي و هي أيضاً داخلة في حلقة التجرد فاقدام الزوجين على حصول العلقة في اجراء العقد و تحقيق الايجاب من قبل الزوج و القبول من طرف الزوجة و عند تمامية العقد توجد الرابطة المنتزعة من الزوجين المسماة بالزوجية فهي أيضاً من صفات التجرد و لا تقع في اطار التجربة.

          و هكذا بالنظر إلى الرقية عند تملك العبد و استرقاقه أو عند اطلاق حريته وجعله يملك نفسه المسماة بالحرية كلها أمور  اعتبارية و الامر الاعتباري غير صالح
للركون تحت العامل التجريبي و إنّما هو من صفحات التجرد و المعاني البسيطة الّتي لا تخضع للمشاهدة و العيان الحسي.

 

46 ـ المحاكاة :

          تحدث علماء النفس عن المحاكاة بان وجودها ناشي عن عمل غير ارادي ومطاوعة غير مفاجئة إلا ان هذا التعريف غير مرضي لدينا لأنّ المحاكاة و ان كانت بنحو المطاوعه و المنابهة الا انها قد تكون ارادية و غير ارادية لاننا نرى بعض الأفراد يسيرون نحو شخصية عظيمة فيمحاكون  سلوكها و أقوالها و يقلدون نفس ذلك الأسلوب.

          و لذا نجد التفاوت في اصل وجود المحاكاة من حيث القوة و الضعف و ذلك بلحاظ اختلاف الشخصيات من حيث صغر السن و كبره و من حيث الجنس أو السلالة و يكون سير المحاكاة غالباً في ضعف الارادة و ضعف المدارك العقلية و يكون الملتقط لهذه الصورة النظر إلى حالة المبتكر و المخترع و المحاكاة تأتي على أنحاء :

          1 ـ المحاكاة الاثيرية و هي ان يقع في الأثير تموجات بان تحدث أولى حركة في الفضاء و بسبب تلك الحركة تصبح عدة حركات متلاحقة و على هذا الضوء استفاد علماء اللاسيكي و الموسيقى و التنويم المغناطيسي و غير ذلك.

          2 ـ المحاكاة السلكية و هي الّتي تقع بواسطة الكترونات.

          3 ـ المحاكاة بواسطة السلك العصبي و هو ان يكون السبب في نقل الحركة من طرف الى الطرف الآخرنظير نقل صوت الغناء إلى الأذن بواسطة نقل تلك الأمواج الّذي يوجب حركة عصب السمع الّذي منه يسبب حركة المركز السمعي.

          أما أثر المحاكاة في المجتمع فهو ممّا يوجب اثاره الرأي العام كما يحصل ذلك عندمايلقي الخطيب أو الواعظ على الجماهير بما يناسب مقتضى الحال  من تحريك شعور الجماهير واحساساتهم فنجد الجماهير تقبل عليه بكليتها و يكونون في دور الاقتباس لحركاته و نطقه و افعاله عندما يأخذ بمجامعهم و يستجلب شعورهم.


 

          هذا في صورة ما لو استهواهم فكرياً و جاء على وفق رغباتهم كما لو كانوا في ضغط اقتصادي أو كانت سياسة الدولة في عنف و استبداد مع رعيتها يقع خطابه مؤثراً في المجتمع ويمكنه القيام بكل قوه ضد المستبد لتجاوب المجتمع معه وعلي هذا فالمنابهة للجمهور تأتي في خطوط :

          1 ـ الرأي.

          2 ـ العقيدة.

          3 ـ العادة.

          4 ـ التقليد.

          أما الرأي كأن يوجد لديعالم محقق آراء علمية يلقيها إلى تلاميذته فيقتبس تلامذته آراءه ويبثوها للطبقات الأخرى كما نرى ذلك في الآراء الفلسفية بين مذهب المشائين و الاشراقيين وبين المذهب المعتزلي والاشعري.

          قد تكون المحاكاة سارية حتى في التصور الفكري كما نجد ذلك في الخيالات الشعرية لأمير الشعراء شوقي بالقياس إلى الشعراء الذين اتخذوا أسلوبه و منهجه الشعري.

          و قد يقع الرأي و المحاكاة على صعيد المجتمعات العامة كما نشاهد في صورة خروج مظاهرة صغيرة تطالب بحقوقها المدنية أو الدينية سرعان بعد لحظات سوف تشاهد تجاوباً من المهتمعات الأخرى تنضم ك‏إليها لا إرادياً.

          و أمّا العقيدة و هي تلك الصورة والانطباعات الّتي احتضنها المجتمع و بثها إلى الفرد لتسير على هديها كما هو السير بالنظر إلى الأنبياء و الأوصياء.

          و العقيدة مفهوم عام قد توجد في إطار الرأي الخاص وقدتوجد في الطقوس الدينية و المنصرف إليها في خصوص الطقوس الدينية لتبادر الذهن إليها.

          و على هذايقع في دور التجاوب مع تلك الطقوس الّتي سار عليها مجتمعه بحيث يكون مردداً تلك الأوتار وتلك الترددات الواقعة في صفوف المجتمع.

          ومثل هذه اللوائح للمحاكاة تعطي أهمية عن التجاوب من قبل الآخرين و
طبيعة المحاكاة تقتضي التجرد بحسب واقعها لا بالنظر إلى مظهرها الخارجي.

 

47 ـ الوجود المعنوي :

          حررفي ميدان الفلسفة ان الوجود يتصف على أنحاء :

          1 ـ الوجود الخارجي كوجود زيد الخارجي و النبات الخارجي و هو الّذي يدخل تحت المقولة.

          2 ـ الوجود الكتبي كما يتعاطاة المؤلفون و الكتاب ككتابه اسم زيد.

          3 ـ الوجود الذهني كتصور اجتماع النقيضين و المثلين في عالم التصور الذهني حيث لا وجود له في الخارج.

          4 ـ الوجود المعنوي ويراد به عدم تحديده بقالب لفظي.

          5 ـ الوجود اللفظي و هو الّذي يقع بقالب لفظي كندائك على زيد و خروج مقاطع الحروف عند احتوائه على الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية دلالة على الوجود اللفظي.

          و الغرض ان طابع الوجود المعنوي يحكي عن طبيعة التجرد ولا يرتدي لباس التجربة ونقدم لك أمثلة على الوجود المعنوي كما في الأمور الكلية و الاشتراك المعنوي و الصفات الانتزاعية و المعاني الاعتبارية و الأمور الواقعيه و المعرفة ذاتها لا بالنظر إلى الطرق الموصلة إليها و النسب و السببية و الضرورة و نحوها.

          و أمّا الوجود النفسي لو تصور له كيان استقلالي أمّا الوجود الذهني كان أيضاً من المجردات و ليس له صفة تجريبية و ان كان في الحقيقة لا نرى له وجود استقلالي و ان كان الوجود المعنوي عند الدقة مرجعه إلى الوجود الذهني إلا أنه يختلف بلحاظ الاضفافة و الحيثية و لكن مع ذلك كله لم ينفر المعنوي عن صفحة التجرد.

          و هذه الأمثلة توضح نا الخط التجريدي و عدم انتمائه إلى الخط التجريبيمن الأشياء لأنّهالا تصلح ان تكون في محيط التجربة و الدخول في إطار الحواس لعدم الاستيلاء عليها.


 

          و لو كان الميزان في المعرفة الرجوع إلى التجربة في كل شيء لما كان للوجود المعنوي حقيقه‏ثابتة بينما الأمريعطي الالتزام بوجود الأمر المعنوي و الحكم على كثير منها بالوجود المعنوي.

 

48 ـ السياسة :

          من الأمور التجريدية المفهوم السياسي و على ضوء ذلك نقدم إليك بعض آراء الفلاسفة كما جاء عن كتاب أفلاطون في الجمهورية الفاضلة حيث شاهد الاضطرابات السياسية بعد مقتل سقراط حرر أسساً سياسية :

          1 ـ يتعين على الحكومة ان تستند إلى المعرفة الحقة.

          2 ـ ان يقع التبادل بين المجتمع في الوفاء.

          3 ـ ان كل صانع أو عامل أو جندي أو رجل دين أو مدرس لا بد ان يمر بمرحلة تجريبية قبل الممارسة و على السياسي لا بد ان يكون لديه مجموعة ثقافية تؤهله على الخوض في المعارك السياسية.

          4 ـ و كان يستنكر وجود الطبقات لأنّه يسبب توزيع ولاء المواطنين بين المصالح الطبقية إذ تهفو نفوس الارستقراطيين لاقامة حكومة أو (ليجاركية) يسيطر عليها الأغنياء بينما العامة تتوجه إلى وضع دستور ديمقراطي و يعتقد أفلاطون ان منشأ هذا الصراع هو تعارض المصالح الاقتصادية بين من يملكون و بين من لا يملكون و تكون زبدة حديثه (ان المجتمع يقع بين طبقتين مجتمع الأغنياء  و مجتمعالفقراءويقع دائماً الصراع بينهما ويجعل طرقاً ثلاثة لحل ذلك الصراع القائم بينهما).

          1 ـ احداث تغيير عميق في نظام الملكية الخاصة و انه ليفضل إلغاء الملكية الخاصة تماماً.

          2 ـ توعية المواطنين على إيثار الصالح العام على هيكل ما عداه.

          3 ـ رفع مستوى  القائمين على شؤون الحكم و الادارة ثقافياً و أخلاقياً و إزالة التحزب و تثبيت مراكز القوى.


 

          و يوصي بتقسيم السكان إلى أربع مجموعات حتى لا يكون المجتمع في صراع مستمر بين الطبقة الديمقراطية و الطبقة اليجاركية.

          و بني جمهوريته على ثلاثة طبقات :

          1 ـ الصناع الذين يبنون المنازل و يحيكون الملابس و يعدون الطعام و يجب ان تشتمل الدولة على أربع حرف أو خمس، الزراع البناء، الخياط، الاسكافي، و أضاف إلى المهن الصناع و البحارة و، التجارة.

          2 ـ المحاربون الّذي يذودون عن حياض الدولة تجاه المغيرين عليها.

          3 ـ الحكام ، و يرى أهم هذه الطبقات الحكام و يجب ان يتعلموا الموسيقي و الرياضة لأنّ فيها صفاء الروح و الجسم.

          و ينبغي على الحكام ان يتصفوا بسجايا طيبة كالصدق و القسط و الجلد، و ضبط النفس، و يحرم الملكية الخاصة على الحكام لأنّه يوجب تشطير المدينه‏و يشتت جهود حكامها إذ تسيطر المصلحة  الذاتية على عقل كل حاكم ويحتم على الحكام ان يعيشوا مع عامة الناس كما يفعل المحاربون في المعكسرات و إذا امتلكوا البيوت و الأراضي و المعادن النفسية فانهم يخرجون عن دور الحاكمية إلى صفة المزارعين.

          و يقول بأن تكون زوجاتهم و أطفالهم مشاعاً لهم جميعاً كما في نص عبارته المترجمة، لن تكون لأحد زوجة خاصة و لن يعرف الابن أباه ولاالأب ابنه ويرى سبب الحكم بالاشاعة العائليه‏حتى لايرى الحاكم اتجاهاً في المصالح الشخصية و إنّما نظره دائماً في مصالح المدينة خاصة ، و يذهب إلى ان العدالة جزء من الفضيلة البشرية و الفضيلة هي الصفة الّتي تهيى‏ء  الانسان ليغدو صالحاً أو خيراً.

          و أمّا طبيعة الدولة لديه فيعتقد انهانظام اقتصادي مع تعلقه بفضيلة الانسان و لابد ان تتسم الدولة بالعداله بأن لا تضردولة أخرزي و يحتم أفلاطون على إقامة جيش للدولة للدفاع عن مصالح المجتمع وصيانه‏سلامتها و إذاكانت الحرب فناً فلا بد ان يتفرغ جماعة من المواطنين و ان يؤهل و الدراسة الموسيقي و الرياضة.


 

          و ذهب أرسطو إلى ان الدولة هي الجماعة و هي كائن طبيعي و عرفها بأنها جماعة ذات تنظيم مشترك ويفهم كون الدولة كائناً طبيعياً باتجاهين :

          1 ـ أن يخطط التنظيمات الاجتماعية من العائلة و منها إلى القرية ثم إلى دولة المدينة فالدول هي المرحلة الأخيرة لنموالعلاقات البشرية.

          2 ـ ان الانسان حيوان سياسي و لا يعيش إلا في إطار الدولة و على هذا فالدولة أرفع للجماعة ، و يعتقد أرسطو ان الفرد و الجماعه‏حلقة متصله و يتصل أحدهما بالآخر اتصالاً عضوياً و لايفرق بين الجماعات السياسية و الجماعة الّتي في خصوص المجتمع ويقول بأنالتفرقه أساس الدولة بخلاف أفلاطون فهو يرى أساس الدولة الوحدة.

          و كانت عقيديته في الملكية هي الملكية الخاصه‏دون الملكية المشاعة كما سار عليها أفلاطون إلا أنه أباح الملكية الخاصة للعمال والفلاحين.

          واستدل أرسطو على أربعة أسس منطقية :

          1 ـ الحافز والارتقاء وفسره بقوله انه لو أحرز إنسان مغنماً خاصاً فلن يتضرر أحد من الآخر سيسعي للارتقاء بذاته.

          2 ـ البهجة الّتي تبثهاالملكية الخاصة في النفوس فالناس بطبعهم مغرمون بحيازه النقود و تملك الأشياء.

          3 ـ الحرية فالملكية العامة لأشياء تخضع الأفراد لارادة سلطة عليا.

          4 ـ تتأصل الملكية الخاصة في نفوس الناس بحيث ان انتزاعها منها يصيب المجتمع بأضرار بليغة و تتألف الدولة على ثلاثة ركائز :

          1 ـ من الزوجين و السيد و العبد و من الجموع توجد العائلة.

          2 ـ مجتمع القرية الّتي تجمعها عدة عائلات و يحكمها الرجال المسنون على منهج سيطرة الأب لأبنائه و تكتفي القرية بالدراسة الثقافية البدائية.

          3 ـ تتكون الدولة بالقرى المتعددة و يكون دور الدولة السعي إلى سعادة أمتها الّتي تحتوي على الأنظمة في مصلحة الأمة بحيث تعيش على قانون واحد ولن تأتي
هذه الجماعة إلا بين أناس يعيشون في مكان واحد و يتزاوجودن و يقول ان العائلة يمكنهاأنتملك الأرقاء لصالح شؤونها الحياتية ، و ان نظريته في الانتفاع يدور على نوعين الأول الانتفاع الأصيل ، الثاني الانتفاع الثانوي فاستعمال الشيء أصيل و استبداله انتفاع ثانوي.

          و يقصد بالمواطن من كانت له القدرة على المشاركة الفعاله‏في تسيير شؤون الدولة سياسياً و إدارياً و قضائياً.

          و يتكلم عن الديمقراطية و يحدها بخمس نقاط :

          1 ـ المساواة المطلقة فللفقير نفس حق الغني و ليس لأحد من المواطنين فضل على آخر إلا بالعمل الصالح.

          2 ـ يساهم جميع المواطنين الصالحين في إدارة شؤون الدولة كل حسب طاقته و القانون فوق كل شيء.

          3 ـ عامة الناس أصحاب السلطة العليا فمنهم تصدر الأوامر و التوجيهات و تسمى بدولة الدهماويين.

          4 ـ ينتخب الحكام عن طريق العامة[93].

         و لنحاول ان نتدخل في العرف السياسي المعاصر لكسب أثر التجريد فيها فمثلاً ان قيام منظمة دوليه‏لدعم الاقتصاد و التجارة أو المساعدة المتبادلة كما يحصل ذلك في السوق الاوروبية المشتركة أو للمساعدة الاقتصادية المتبادلة (الكوميكون) أو إقامة منظمات لتدعيم التطور التقني بين الدول كما يوجد فعلاً في الجماعة الاوروبية للطاقة الذرية.

          أو تكون دولة مناوئة إلا أنها تقوم على دعم الجماعات غير السياسية من تغذية وزراعة كما انه حصل بعد الحرب العالمية الثانية احلاف كمافي الحف الأطلسي و يعتقد بطرس غالي ومحمود خيري ان التكتل الأطلسي كان موجوداً قبل عقد الحلف
رسمياً[94] و يعتقد هؤلاء ان التحالف الّذي يضم انكلترا و فرنسا والولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى.

          إلا أنه تم توقيع معاهدة واشنطن في 4 نيسان ابريل 1949 الّتي ضمت كلاً من الولايات المتحده و كندا ويلجيكاو الدانمارك و فرنسا و ايسلنده و إيطاليا و فاللوكسمبورج و هولنده و البرتغال و بريطانيا و انضمت إلى هؤلاء المتحالفة في عام 1925 تركيا و اليونان و في عام 1955 التحفت بهذه المجموعة جمهورية المانيا الاتحادية (المانيا الغربية ).

          و مثل هذه النوعية من الأخذ و العطاء في التحالف يعطيك لوحة واضحة عن صفحة التجرد أيضاً و عندما تلاحظه ركائز الحلف القائم على مجلس الحلف و هو السلطة العليا و اللجنة العسكرية و القيادة العسكريه‏كلها ترتكز على النمو الفكري وتطلع الاستنتاجات و الاستقراء و التمثيل.

          و هكذا بالقياس إلى حلف و ارسو الّذي انطلق في عام 1955/14 ذيا (مايو) و هو الّذي يضم البانيابلغاريا تشيكوسلوفاكيا المانيا الديمقراطية المجرد بولنيا رومانياالاتحاد السوفياتي ومدته عشرون عاماً و يتألف من القيادة العسكرية الموحدة و من لجنة سياسية استشارية ومن الميدان الثقافي و الايديولوجي.

          و نلاحظ بما جاء في مخطط الأمم المتحدة عندما افتتحت عام 1974/9 نيسان (ابريل) المبنية أوّلاً في المحافظة على السلم و الأمن الدوليين و ثانياً تنمية العلاقات الودية بين الدول و ثالثاً تحقيق التعاون الدولي في الميادين الاقتصادية و الاجتماعية و الثقافية الانسانية و المحافظة على حرمة حقوق الانسان وحرياته الاساسية من غير تمييز في العرق أو اللغة أو تفريق بين الرجال و النساء الفصل 6 ـ 7 و 14 و 9 ـ 10).

          و تكون مبادي الأمم المتحدة على ما يلي[95]:


 

         1 ـ المساواة في السيادة.

          2 ـ تنفيذ التزامات الميثاق بحسن نية.

          3 ـ حل المنازعات الدولية بالطرق السلمية.

          4 ـ الامتناع عن التهديد و استخدام القوة في العلاقات الدولية.

          5 ـ تقديم كل مساعدة ممكنة لأمم المتحدة فيما تتخذه من إجراءات.

          6 ـ واجب الدول غير الأعضاء في التصرف وفق مبادي الميثاق.

          7 ـ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأعضاء.

          و تشاهد من خلال هذا العرض في النصوص القائمة عليها الأمم المتحدة و تمسك الأعضاء بها ممّا يوجب الالتزام بالميتافيزيقا حتى على من ينكرهاو ان مثل هذه القرارات لا تصلح للركون تحت عالم التجربة بشيء من الوجوه.

          و تجد إلى مثل هذا في التمسك بالميتافيزيقا بما يجري بين الدول في رفع العلم و هو رقعة من نسيج ذات لون معين أو عدة ألوان و قد تحمل أشكالاً و رموزاً و تمثل الشخصية الاعتبارية للدولة لتمييزها عن غيرها من الدول في المحيط العالمي ينظم استخدامه القانون و العرف الدوليين و القوانين المحلية للدولة صاحبة العلم فالقانون المحلي يحدد أوصاف العلم كألوانه و أبعاده و الأشكال المرسومة عليه وينظم استعماله كما ينظم استعمال الأعلام الأجنبية على اقليم الدولة نظراً للمعنى الرمزي الّذي ينطوي عليه رفع العلم على الأبنية العامة أو في المناسبات القومية و نحوها فاعتبر رفعه رمزاً للسيادة على المكان كما اعتبر تحقيره عملاً عدائياً موجهاً إلى الدولة صاحبه العلم و قد يؤدي إلى نزاع سياسي أو مسلح ، تطورت الأعلام الوطنية على مدى الأميال بالنسبة للدول المستقرة ذات التاريخ الطويل ومنذ الحرب العالمية الثانية وقيام عدد كبير من الدول الحديثة العهد بالاستقالال تضاعف أعداد الأعلام الوطنية في العالم المعاصر و أكثر هذه الأعلام المستحدثه تعتمد على عاملين اللون و التقسيم
الهندسي لرقعة العلم[96].

         فالعلم يعطي الدلالة على المعنى التجريدي و ان من يلتزم بالمذهب التجريبي لا بد ان لا يؤمن بوجود العلم و لو كان من دولة و إلاكان متمسكاً بالمناقضة في جميع الفروض.

          و تكون السياسيه بمفهومها العام من عناوين التجرد لأنّها لا تخضع للتجربة و العيان الخارجي و اختلاف المباني فيها لا يعطي دخولها في العالم الحسي كما ان موارد الانطباقات فيها لا يثبت كونها واقعاً من الأمور التجريبية.

 

49 ـ الاشتراك :

          طبيعة الاشتراك تقوم على خطين :

          1 ـ الاشتراك اللفظي.

          2 ـ الاشتراك المعنوي.

          و وجه الفرق بينهما ان الاشتراك اللفظي يوجد في صورة تعدد المعاني المتباينة الّتي تنطوي تحت لفظ واحد كالعين و المعدن فلفظ العين غطاء لمعاني متعددة من النابعة و الباصرة و النفط و هكذا و لفظ المعدن للذهب و الفضة و النحاس.

          و تعرض علماء الأصول إلى الاشتراك اللفظي على صعيد صحة جواز  استعمال اللفظ بأكثر من معنى  في ان واحد و عدمه والملتزم بالامتناع يدعي ان الاستعمال مفاده إيجاده المعنى باللفظ و إلقائه أمام المخاطب و يكون توجيه المخاطب إلى المعنى أوّلاً و بالذات ويكون نظره إلى اللفظ تبعاً و إذا استعمل اللفظ في معنيين على الجهة الاستقلالية تعلق اللحاظ الاستقلالي إلى كل واحد منفرداً و هذا غير ممكن حصوله.

          و ان كان حقيقة الأمر تبدو غير هذا فان النفس لها صلاحية اللحاظ لمعنيين استقلاليين في مقام التصور و الامتناع إنّما يقع في حقل الخارج و لا بد ان تميز بين
الاتجاه التصوري و الاتجاه الخارجي في الامتناع و الفلسفي يرى الامتناع موجهاً لأنّ الآن الأولي في طرف المعنى الأولي لايسري إلى المعنى  الثاني بعد تلبس كل معنى بمادة و صورة و ما أجاب به أستاذناالخوئي في دفعه لنظرية أستاذه[97] من نوع المغالطة لأنّ الاعتراض كان في صورة الاستعمال و الجواب كان في مقام التصور[98].

         إلا ان سماحة الوالد تصور الامتناع فيما إذا كان اللفظ المشترك بنحو المرآتية للمعنى و الكاشفية عنه و بهذه الصورة لا يمكن في دور الفناء ان يكون اللفظ فانياً في معنى ثاني لأنّه عند استعمال اللفظ في المعنى الأولي قد لوحظ فيه جانب الاندكاك و الفناء فلا يتصور ان يكون بذلك الآن الفنائي متصوراً في معنى  آخر لأنّه يستلزم جمع اللحاظين على ملحوظ واحد و هو غير معقول أصلاً نظير وجود ماهيتين كاملتين على وجود واحد فالامتناع ليس من جهه عدم قابلية تصور النفس لتعدد اللحاظ حيث ان النفس قابلة لخلق الصور المتعددة في ان واحد[99].

         و يكون دور الاشتراك اللفظي من المعاني المجردة كما ان الاشتراك المعنوي كذلك لأنّ  الاشتراك  المعنوي  عبارة عن الكلي بالقياس إلى أفراده و هو من المعاني المجردة.

 

50 ـ التنبؤ و الايحاء و الغيب :

          من جملة الانطباعات التجريدية هذه العناوين الثلاثة :

          1 ـ (التنبوء يراد به توقع الأحداث المستقبلية الناشئة عن انقداح نفسي سواء كان عن حدوث قضيه في زمان أو مساحة جغرافية ممكنة المشاهدة و حصول المتنبأ به و ان كان أمراً حسياً إلا ان ذات التنبوء يتصف بعالم التجرد دون عالم الحس و التجربة «و يتضمن التنبوء في العلم تخصيصاً يعين أي الخطوات تخطو إذاأردنا ان
نشاهد اضطراباً في الطبيعة فتنبؤنا بالمكان الّذي سيكون فيه كوكب معين في لحظة معينة مساو لقرار نتخذه عن المكان الّذي نضع فيه المنظار المقرب في لحظة زمنية معينة إذا أردنا رؤية ذلك الكوكب و إذن فهو بمثابة خطة تصف لنا طريق السلوك الصحيح)[100].

         ذكر الدكتور أحمد فائق و الدكتور محمود عبد القادر (ان الصدق التنبؤي لا يقدر إلا في حالة الاختبارات التنبؤية فقط فإذا كان الهدف من الاختبار هو التنبوء فلا بد في هذه الحالة من تقدير معامل صدقه التنبؤي أمّا إذا كان الهدف من الاختبار التشخيص فقط أي تقدير الحالة الراهنة للفرد فقط فانه يقتصر في هذه الحالة على تقدير صدقه التلازمي و صدقه التكويني[101].

         و المهم ان أصالة التنبوء في مقام التجرد، و أمّا المبادي للانتقال و الحصول على الخبرات لا يوجب الشمول في جانب التنبوء فتكون صفة الصدق و صفة التنبوء من حقل التجربة و غير واقعين في ساحة التجربة و الحس و ان اعتمد المتنبي على خلفيات من دراسة التاريخ و التطلع على الحقائق و وضع عدة احتمالات تقريبية لينطلق إلى فضاء المعرفة و الواقعة من غير فرق بين التفاؤل الطيب و التشاؤم في معرفة الأمور المستقلية ويكون كشف الحالات المستقبلة من الصفات التجريدية و هذا يضر بشخصية المتنبيى‏ء من حيث قوة نفسيته كما في سير الأنبياء أو ممّا يستعين في فهم الحقائق عن وجود خلفيات فأصالة التنبوء تعطي دور التجريد.

          2 ـ الايحاء قد عرف بأنه التأثير في عقائد أو أفعال شخص آخر دون الالتجاء إلى أوامر مباشرة[102] و يقوم على عاملين :

         أ ـ العامل الداخلي و هو الاشراق النفسي الّذي يحدث فيها تلقائياً.

          ب ـ العامل الخارجي و هو يتفرع على نوعين :


 

          1 ـ سبب مسانخ للوجود البشري كما نجده في التنويم المغناطيسي كما عرفه فرانز انطون مسمر (1734 ـ 1815 م) ان ناموس الجاذبية العامة الّذي أظهر حقيقته نيوتن ينطبق على السيال العام المعروف منذ قرنين سابقين وان هذا السيال العام يحدث في الجسم الانساني تأثيرات مماثلة لتأثير الجاذب المغناطيسي.

          و عرفه (فون هوهنهايم) الطبيب السويسري بأنه اتصال شخص بآخر عن طريق سيال يكون شطراً  من السيال العام.

          و أكد علماء النفس ان التنويم عبارة عن عملية إيجاءات يستخدمها المنوم لاعطاء الأوامر أثناءها للمنوم لذلك أصبح من الضرورة بمكان اختبار الأفراد بالنسبه‏لقابليتهم للتنويم و هو اختبار يجب القيام به قبل تجربة التنويم الفعلي و يهدف إلى معرفة قابلية هؤلاء للايجاء و تقبلهم إياه[103].

         و من هذا المنطق كان لكل إيجاء نوع من التنويم و التوجيه إلى الوجهة الّتي يختارها لامنوم ومن هنا كانت الحلقات الايجائية التجريبية لاختيار المجرب الخير في أمثال هذه الأمور لضبط  الحواس  و  انقطاع  المنوم عن كل ما في العالم الخارجي[104].

         و تكون التجربة الّتي قام بها المنوم للاستطاع عن الوقائع والأحداث المستقلية و المتصرمة تكون ذات الانكشاف  عمل تجريدي و ان حصل بمقدمات تجريبية ولا بد ان تميز بين الاتجاهين.

          2 ـ سبب غيرمسانخ للوجود البشري كما يحدث ذلك في إيجاء الأنبياء عن طريق الوحي الالهي في تبليغ رسالات السماء للمجتمع الانساني و إعطاء هقوانين الهية يسير على ضوئها ويمثل هذا الدور أيضاً الصفة التجريدية.

          و الّذي نلاحظه من آراء علماء النفس حول الايجاء تجدهم يصنوفونه على ثلاثة أصناف :


 

          1 ـ الايجاء المعنوي هو تصديق الآراء من غير مناقشة و لا سيما إذا كانت موافقة لطبيعة الشخصية.

          2 ـ الايجاء الوجداني ويراد بهشعور الطرف الآخربما تأثر به الشخص نظير تأثر الأم على ولدها عندما يتألم من جرح ويعتقد (آدم سميث) (1776) ان هذه الصورة من المشاركة الوجدانية عبارة عن استجابة سريعة غالباً انعكاس شرطي ويمثل سميث إلى الايحاء لالتعاطف معرفياً عقلياً أو بإحساس المرء بالعدالة.

          3 ـ الايحاء الحركي (المحاكاة) و هو الّذي يوجد عن طريق الفعل كما في محاكاة الأفعال و يكون التنويم المغناطيسي كما أشرنا إليه أكمل مراحل الايحاء ويعبر عنه بعض علماء النفس إفراط في الايحاء حيث يتلاشي مؤقتاً الضبط الشعوري للشخص على سلوكه و يقبل الايحاءات على مستوى لا شعوري من الشخص الّذي يقوم بتنويمه[105] وكل هذه الأصناف تؤكد ثبوت التجرد و لا تلتحق بعالم الحس  و التجربة.

          4 ـ الغيب و هو على نوعين :

          أ ـ غيب مختص في ذات الحق المطلق.

          ب ـ غيب أطلع بعض عباده لصلاحية نفوسهم على هضم ذلك الغذاءالروحي من غير عمل و وسيط كما يتعاطاه المرتاضون لصقل نفوسهم وبعدها عن ساحة الشهوات و المنكرات و الدخول في حقل الروحانيات.

          و كل هذه الأنحاء تقع من صفات التجرد و ليست في شبكة التجربة و الحواس.

 

51 ـ الحدس :

          الانتقال من المدرك إلى المدرك تارة تقع مع الواسطة كما في الحواس الظاهرة و أخرى يكون الانتقال إلى المدرك بدون واسطة كما في الحدس ويحصل ذلك بواسطة
قوة انتباه الشخص إلى النتيجة بدون ملاحظة المقدمات تفصيلاً سواء كان عن غفلة أم سرعة خاطفة إلى النتيجة و هو من مصادر المعرفة أيضاً.

          و بعتفد الحدسيون بأنه يمكن ان تدرك ذات الشخص من غير حاجة إلى مقدمات يستدل منها على حصول النتائج فيكون الإدراك مباشراً من غير مقدمة بل و لا نتيجة و عرفه علماء النفس بأنه استنتاج عادي استخلص من معلومات كامنة لا تعطي بوجودها الفرد.

          و نحن ندعي ان وجود مثل هذه الكيفية من الانتقال إلى اللازم عملية تجريدية ولم يفقد الحدس وجود المقدمية و ان كانت مغفولة عنها لسرعة الانتقال و المباشرة إلى النتيجة و هذا لا يوجب رفع اليد عن وساطة المقدمة و المبدائية.

          و يردد (جون ديوي) الحدس بين احتمالين يقول اما ان الحدس هو في إدركنا المباشر للكيفية المتضمنة في هذا الصدد و للتشابه الكيفي بين هذا الموقف و بين غيره من المواقف الّتي كنا فيما سبق قد استدللنا منها النتائج أو ان نقول بصورة أكثر مباشرة ان الحدس هو ما نعنيه بالعادة الّتي تفعل فعلها عندئذ[106].

         إلا ان الّذي نلاحظه في موقف جون ديوي ، بتعبيره للحدس ان حقيقة الحدس تتجة إلى ناحية الاتصال المباشر إلا أنه أكثر مباشرة في صورة تحديده بالعادة و هذا لا يحقق جوهرية الحدس لأنّ العادة و عاء لعدة مجالات و ليست أداة لخلق الحدس و إيجاده.

          و يحدثنا (الدكتور حلمي المليجي) (الحدس في الحقيقة استنتاج عادي استخلص من معلومات كامنة لا يفطن إلى وجودها الفرد في تلك اللحظة ربما يفطن الفرد بغموض لبعض هذه المعلومات ولكنه لا يستطيع التعبير عنها بكلمات إذن أنواع الحدس ليست صوراً متميزة عن التفكير بل ربما تمثل فقط استنتاجات مستمدة من بيانات أو معلومات غالباً لا شعورية[107].


 

         و يعرف (وارن) الحدس (بأنه حكم بدون تفكير سابق معروف من الشخص و يرجع الحدسيون الادراكات إلى إدراكات مباشرة كما ان  الظاهريين يرون انه ليس لدينا إلا إحساسات و ليس وراءها واقع تقابل الاحساسات ).

          و قد أشرنا إلى ان طبيعة الاستنتاج تقتضي التجرد و الدخول في الميتافيزيقا و التجديد والحدس لما كان قائماً على الاستنتاج السريع فيكون من مصاديق التجرد و ان كان مستمداً من معلومات منطوية إلا ان كيفية الانتقال و طبيعة الاستنتاج من العوامل التجريدية.

 

52 ـ المنعكس الشرطي و أثره التجريدي :

          اختلف علماء النفس حول الطريقة الّتي يتوصل بها الانسان إلى معارف جديدة عن طريق التعلم و ينبغي ان نلفت نظرك إلى جهة الفرق بين عملية التعلم وبين نتائجه إذ عملية التعلم  تقع في الاطار الداخلي الّتي لايمكن مشاهدتها و تكون النتائج هي عبارة عن الآثار العارضة بعد العملية الّتي تقع صالحة للمشاهدة بخلاف عملية التعلم فانها نشاطات عقلية و الّذي يقع في دائرة التجرد عملية التعلم دون نتائجها لأنّه يمكن جعلها في قالب اللمس أمّا بيان الآراء فقد كانت الأولى المسماة بالارتباطية تنادي بأن التعلم إنّما يحدث نتيجة ارتباط بين المثيرات و الاستجابات المجالية اتجهت في تجاربها و اهتماماتها نحو الإدراك و الفهم في عملية التعلم و يرى المجاليون ان التعلم يحدث نتيجة لإدراك الكائن الحي للعقلاقات المتعددة الموجودة يبن مكونات الموقف التعليمي و هم بهذا لا يقرون بدور ارتباطات المثيرات بالاستجابات بل يؤكدون على أهمية الموقف الكلي أو المجال و أهمية الدور الّذي تقوم به عملية الإدراك و العمليات العليا بمعنى  آخر[108] و على هذا نقدم الآراء التالية :

         1 ـ نظرية بافلوت الروسي القائمة على دراسة فسيولوجية الهضم و ذلك عندما أجرى عمليه‏جراحية على كلبه بتوصيل غدده اللعابية بمخبار ليقيس كمية اللعاب الّتي
يفرزها الكلب عند تقديم الطعام إليه بينما رأي الكلب يفرز اللعاب قبل مجي الطعام بمجرد سماعه لأقدام و قبل تقديم الطعام و سمي تقديم الطعام بالمثير الطبيعي الّذي هو المثير غير الشرطي وعبر عن ذات اللعاب كنتيجة للاستشارة غير الشرطية بالاستجابة غير الشروطية وسمي الافراز كاستجابة لصوت القادم الّذي يقدم له الطعام بالاستجابة الشرطية وسمي صوت المقدم للطعام المثير الشرطي، و أخذ بافلوف دراسة العلاقة بين المثير الشرطي و المثير غير الشرطي القائمه‏علي الجرس و الطعام و ذلك في صورة دق الجرس قبل تقديم الطعام للكلب و بعد هذه العملية تجد الكلب يفرز اللعاب من مجرد سماع الجرس و إليك النقاط القائمة في دراسة (بافلوف) :

          1 ـ الجرس (الاستجابة غير الشرطية).

          2 ـ إفراز اللعاب(المثير غير الشرطي).

          3 ـ الطعام (المثير الشرطي).

          و يمكن ان تتصور هذه التجربة على ستة قوانين:

          1 ـ حصول الاستجابة الشرطية عند تكرر المثير غير الشرطي بعد المثير الشرطي و تطلق على عملية الاكتساب بتكرارتقديم المثير غيرالشرطي اكتساباً بالتدعيم أو التعزيز.

          2 ـ اختفاء الاستجابة الشرطية فيما لو كرر  المثير  الشرطي من غير تقديم الطعام.

          3 ـ إعادة الاستجابة الشرطية أسهل من تكوينها لأنّ أصل الايجاد يحتاج إلى عملية تكرارية بما يقارب عشرين مرة بينما الاعادة قد تحصل بمقدارخمس مرات.

          4 ـ (من الممكن ان ينتقل تأثير المثير غير الشرطي إلى مثير شرطي عن طريق التدعيم وبعد مدة يصبح المثير الشرطي مثيراً غير شرطي لينقل تأثيره على مثير شرطي ثان و في هذه الحالة تكون الاستجابة الشرطية للمثير الشرطي الثاني أضعف من مثيلتها الخاصة المثير الشرطي الأول) و هي عملية (الضوء يتلوه الجرس) و بعد هذه العملية صار الضوء مثيراً.


 

          5 ـ يحدث التشريط الانتقائي بواسطة التعزيز الانتقائي حيث ظهر لدى بافلوف ان أي صوت يحدث و يسمعه الكب يؤدي إلى الاستجابة الشرطية و هي إفراز اللعاب و أطلق على هذه الظاهرة و هي ظاهرة التعلم الشرطي بالتعليم و أخذ (بافلوف) يتنوع في تجاربه للمثير من حيث الكمية و الكيفية.

          6 ـ ربط زمن حدوث الاستجابة الشرطيه‏بزمن احداث المثير الشرطي و اتباعه بالمثير غير الشرطي و يكون مقصود (بافلوف) ان إفراز اللعاب من قبل الكلب يوجد بين فترة المثير الشرطي و المثير غير الشرطي و هو مابين قرع الجرس و تقديم الطعام.

          و يبدو ان مذهب السلوكيين اعتقداو ان ردود الفعل المنعكس تكون من الأمور الفسيولوجية و على هذا الأساس فان الفكر يقع خاضعاً للعوامل الفسيولوجية كمافي إفراز اللعاب بينما حقيقة الفكر و الإدراك لا يفسران برد الفعل المنعكس و إنّما لهما أبعاد أخرى.

          أما ما يتعلق بموضوع بحثنا بعلاقة التجريد في الفعل المنعكس الشرطي فيظهر بوضوح ان طبيعة الفعل المنعكس الشرطي متعلق بعوامل الفسيولوجية على بعض النسب، أمّا درك العلاقة بين الاستجابة غير الشرطية و بين المثير الشرطي فذاك بقوة أخرى غير رد الفعل ويكون المنبه الشرطي كمايحدث في دق الجرس للكلب أو خطوات المقدم له الطعام يوجب الانتقال إلى درك مجي الطعام وبذلك يحصل المثير غير الشرطي و هو اللعاب و بهذا يظهر من السلوكيين وغيرهم الخلط الواضح كتفسيرهم للاستجابة بالإدراك و إنّما هو صفحة أخرى و في حقل خاص إذ الإدراك يحكي عن كيفية الارتباط و العلاقة و الاستجابة تحكي عن ردود الفعل نظير الأصداء المنعكسة.

          و ممكن ان يتنور الطريق أمامك بأن الفعل المنعكس الشرطي لا يتصف بالتجرد إلا بملاحظة حصول العلاقة و الارتباط بين الاستجابة غير الشروطية و بين المثير الشرطي و إلا فالفعل بما هو وجود خارجي و العلاقة هي الّتي ترمز إلى صفحة التجرد.


 

          3 ـ نظرية الجشتالط[109] كاركوفكا فرتهيمر) و ذلك  عندما قام كلو أو (كوهلو) بعملية تجريبية أوّلاً مع كلب وضعه في قفص و وضع لها على مقربة طعاماً ثم جعل أمامه سلكاً فما ان من الكلب إلا ان خرج من القفص و لكن في التجربة الثانية للفرخة أخذت فترة زمنية عند مواجهة المسلكية حتى ان خرجع و في المرة الثانية من نفس التجربة خرحت الفرخة من غير توانٍ، و كلمة  (الجشتالط) في التعبير  الالماني يراد بها الصيغة الّتي وردت بحسب الميزان السلوكي عن السلوك الكلي الّذي يقع واسطة لتفاعل الكائن الحي مع البيئة الخارجية و بهذا يختلف سير الارتباطيين مع الجشتالطيين لأنّ الارتباطيين يفسرون السلوك بما أنه منطوق سلوكي ويفسر الجشتالطيون السلوك على أساس كونه من الظواهر النفسية و يرتكز الجشتالط على قائمتين:

          1 ـ المجال الطبيعي و هو عبارة عن مجال (جسم) في سلوكه و ارتباطه مع جسم آخر و وجود المجال (الجسم) موجب لتحديد سلوك الجسم كما انه يمكن من خلال سلوك الجسم يكون طريقاً لاثبات خواص المجال نظير انضمام كلوريد الباريوم مع محلول كبريتات الصوديوم عند جعلهمافي أنبوية ،و طبيعي سوف تترسب كبريتات الباريوم بلحاظ طبيعة العلاقة بينها و بين  الماء لأنّ طبيعة كبريتات الباريوم يوجب الترسب بما يحتوي عليه من مواد غير صالحة للذوبان في الماء.

          وعرف فرادي المجال بأنه الحيز المحيط بشيء ما و الّذي تظهر فيه آثار قوى هذا الشيء.

          2 ـ المجال السلوكي : يعتقد أرباب نظرية (الجشتالط) ان التعلم عملية كلية لا يمكن تجزئتها إلى وحدات أولية و يكون حدوث التعلم نتيجة لإدراك الكائن الحي بسبب حصول العلاقات  المختلفة و الّتي يؤدي إدراكها إلى الاستجابة الصحيحة المعبر عنها بالاستبصار و قد كشف كلر هذه الملاحظة عندما قام بتجربة ثالثة على
القرد الشمبانزي عند جعله في قفص و قدم له الطعام عن بعد و جعل داخل قفصه عصاً صغيرة وعصاً كبيرة يمكن جمعهما في صورة عصا واحدة أكبر منهما و أخذ (كلر) يبعد الطعام عن القرد المسمى سلطان شيئاً فشيئاً و كان دور القرد في المرحلة الأولى ان أخذ العصاة الصغيرة ثم بعد ذلك أخذ الكبيرة و عند ابتعاد الطعام عنه أخذ يلعب في العصايتين حتى عرف كيفية إدخال إحداهما في الأخرى و في المرحلة الثالثة توصل إلى تناول الطعام و أطلق (كلر) على هذه المرحلة من التعلم بالاستبصار و يعطي دور عملية القرد ان اهتدي إلى وجود العلاقة بين العصاة الطويلة المركبة من جزئين و المسافة الّتي وضع عليه طعامه ومثل هذه النوعية من العلاقة والاهتداء ترمز إلى ناحية التجرد وان حصلت المقدمة بالتجربة و يكون أصل الانتقال من الحيوان أمر تجريدي.

          3 ـ نظرية المحاولة و الخطأ : تبتني هذه النظرية على الأمور التجريبية كما يبدو من (ثورنديك) الامريكي وكانت تجربته ان وضع الحيوان في بعض الأجهزة و جعل غذاءه خارج الجهاز و كانت الكيفية ان وضع القط في قفص يحتاج في فتح بابه إلى رفع مزلاج خارجي إلى أعلي مع دفع الباب في نفس الوقت و جعل طعام القط القفص و أخذ (ثورنديك) يلاحظ تحركات القط مع إحصاء المدة إلى ان فتح الباب ثم آخذ تكرار العملية التجريبية للقط حيت تقلص الوقت بأقل من العملية الأولى و كانت العمليات المتأخرة رافعة لأخطاء السابقة و توصل (ثورنديك) إلى نتيجة المحاولة الخطأ و أضاف (ثورنديك) إليهما بقانون الأثر و هي ان الاستجابة المتعلمة هي الّتي تقترن بالرضا و السرور بالنجاح و تترك أثراً مشبعاً في الحيوان و قانون الاثابة و هو ان الاستجابة الّتي تعطي أثراً طيباً تتدعم لأنّها تثيب الحيوان على القيام بها في نفس الوقت تختفي الاستجابة الفاشلة لأنّها لا تثيب الحيوان فلا تحظى بتدعيم يدعو إلى القيام بها مرة أخرى[110].

         ويكون مفاد هذا العرض ان المحاولة و الخطأ يقعان في التجربة و الّذي نلاحظه انهما لا يناطان في إطار التجربة و القضايا المحسوسة و إنّما و عائهما أوسع من
المحسوس و المجرد لأنّ المحاولة و الخطأ يقعان أيضاً في الأمور النظرية و الجهات الميتافيزيقية أو كما يسير عليه السوفسطائيون و المشككون في الترديد بين هذهين الخطين.

          4 ـ نظرية و اطلسون : و هي المسماة بالاتجاه السلوكي و هي القائمة على ملاحظة العلاقة بين المثير و الاستجابة و المرتكزة على عمودين مضافين إلى المحاولة و الخطأ (تعلم حل المشكلة).

          أ ـ  التكرار.

          ب ـ  الحداثه.

          و يكون على طبق مذهبه المادي الميكانيكي في تفسيره للسلوك تقع الاستجابة في كمال أوجها الحدوثي من قبل سلوك الكائن الحي ولذا يلازمها التكرار بخلاف ما لو وقعت الاجابة فاشلة و خاطئة فالحدوث يقع مرة واحدة من غير تكرار ولكن مذهبه يخالف ما  اعتقده ثورنديك بأن المحاولات الخاطئة في مبدئها (تعتبر نهاية المطاف).

          و يبدو من واطسون في اتجاهه السلوكي ان دورالملاحظة بين المثير و الاستجابة يعطي صبغة التجرد و ان كان في بداية الأمر اعتمادها على التكرار و الحداثة لأنّ العلاقة الحاصلة بين المثير و الاستجابة من صفحات التجرد.

          5 ـ نظرية طولمان وهي قائمة على نوعين في معرفة السلوك.

          أ ـ السلوك الكلي.

          ب ـ السلوك الجزئي.

          قال طولمان في عرضه لهذين  السلوكين ) ان السلوك الكلي قائم على قانون الوظيفة و ان السلوك الجزئي قائم على قانون الشرطية فالسلوك الكلي مركب من عناصر نفسية متعلقة بالإدراك الواقعي و كونه وظيفة لسلوك الكائن و على هذا النهج وضع معادلة لسلوك الانسان و هي س (سلوك) = و (وظيفة) × (إدراك) × (إدراك ء دافع السلوك) و مقصوده من هذه المعادلة ان ما يحصل من سلوك للانسان ناتج عن تفاعل
الإدراك للواقع (مع دافع معين يوجب حركة الانسان في خدمة السلوك وظيفة للكائن[111].

         و نلاحظ نظرية طولمان انه لم ينكر وجود علاقة بين المؤثر الشرطي (الجرس) و المؤثر الطبيعي (الطعام  عند إدراك الكلب في الانتقال كما انه لم ينكر وجود الإدراك بين الاستجابة الناجحة الّتي تستلزمها المكافاة و يكون تعلم الشخص عن طريق المعاني و العلاقات و هذا ممّا يؤكد نظريتنا في عالم التجرد.

 

53 ـ النظرية :

          يمكننا ملاحظة نوعين :

          1 ـ الضرورة و النظر.

          2 ـ النظرية والقاعدة و القانون.

          أما بيان الضرورة فهي قائمة على التصور غير المعقد و التصور الواضح من غير تأمل عقلي كتصور وجود الشمس و الماء و الهواء و النار.

          و يراد بالنظر التصور المعقد الّذي يحتاج إلى التأمل كتصور الوجودات الكونية هل هي مخلوقة صدفة أم ناشئة عن علة عقلانية مدبرة؟ أو كتصور حقيقة الملك هل هو وجود نوري أم ناري.

          أما حقيقة النظرية فتفسر على أساس كونها في قبال الحقيقة أو هي نسق متكامل من الفروض المتجانسة و المرتبطة أساساً بموضوع الظاهرة الّتي تسعي النظرية لتفسيرها و يكون تعريف النظرية هي مجموعة من المتواضعات أو المسلمات الّتي ابتكرها صاحب النظرية و افترض ان لها مقابل نظري في الواقع.

          كما ان دور النظرية تساعد على فهم الوقائع و العلاقات المرتبطة بالواقع عند وجود مجموعة القوانين العلمية أو ما يسمي بالمبادي.

          و يكون فهمنا للنظرية من خلال هذا العرض انها من الأمور الانتزاعية إلا أنهافي
محيط الدائرة الجزئية ولذا لا توصلنا إلى خط نهائي قاطع لأنّها قابلة للنقض بوجود نظريات جديدة معارضة فهي لا تعطي لوحة عامة يطمئن إليها في جميع الميادين و لذا يمكن ارتفاع موضوعها بالكل أو تنصهر إلى بعض النظريات الأخرى فتكون ذائبة أمام النظرية الحديثة.

          و بهذا تفترق عن القاعدة لأنّها تعطي دور القضايا الحقيقية والأمور العامة الّتي لا يصلح ان تحدد في زمان أو مكان فالنظرية في اتجاه جزئي و القاعدة في اتجاه كلي مستغرق كما ان القانون يراد به الضبط العام و لكن بما انه يعطي صبغة الجعل الاعتباري و كل هذه الأنحاء ترمز إلى ناحية التجرد و لا تقع في لوحة الحس و التجربة بشي من الوجوه.

 

54 ـ الانتقالات التبادر السياق المقارنة الاطراد :

          توجد الانتقالات الذهنية على أنحاء :

          1 ـ التبادر: يراد به الانتقال إلى المعنى الموضوع له من غير قرينة ترشده إلى الموضوع له و إنّما ينسبق الذهن إلى المعنى  من غير واسطة بمجرد إطلاق اللفظ كقولك الخليفة الأول ينتقل الذهن إلى أبي بكر و أمير المؤمنين إلى الامام على و الشمس إلى هذه الشمس الّتي أمامنا و مثل هذا الانتقال من مصاديق التجرد كما ان الاهتداء إلى المعنى المجازي و ان كان  بواسطة القرينة على المعنى الموضوع له من المعاني المجردة أيضاً بغض النظر عن الحقيقة و المجاز و إنّما النظر إلى جهة كيفية الانتقال المباشر و اللامباشر و ان كان في الواقع التبادر إلى المعنى الموضوع له قد اعتمد أوّلاً على خبرات و ترددات ذهنية للحصول على أنس المعنى و الانسجام معه حتى كان بمجرد إطلاق اللفظ صار الانتقال إلى المعنى الموضوع له بصورة سريعة و مثل هذا الانتقال و لاكيفية لثبوت المعنى الحقيقي يقع من نوع المجردات بغض النظر عن الكيف المسموع الّذي كان هو الواسطة في الانتقال أو وجود خبرات للحصول على انس المعنى الموضوع له.


 

          2 ـ السياق : يقصد بالسياق فهم المعنى و الحقيقة من خلال مجموع عرض الجمل و القضايا الّتي لم يقع التصريح القولي عليها و إنّما يفهم المعنى من خلال الوحدة المترابطة فالانتقال إلى المعنى الحقيقي هو من طبيعة المجردات و لايصح ان نصفه من الحس و التجريب أصلاً  و يمكن ان ندعي ان السياق مقدمة تمهيدية للتادر و انه يعرف المعنى الموضوع له من مضمون الكلام ،  كما ورد في تفسير كلمة ابا للامام على  عليه‏السلام معناها يعرف من الآية في قوله تعالي (متاعاً لكم و لأنعامكم).

          3 ـ المقارنة: تتصور المقارنة على أنحاء في لمعانها التجريدي:

          أ ـ المقارنة بلحاظ المماثلة و ذلك في صورة الاتحاد بين شيئين متماثلين كقولك دار زيد مثل دار عمر و وفضيلة محمّد كفضيلة على و المقارنة بحسب المثلية تقع أمّا بالكم أو بالكيف كما في الخطين المتوازين و السواد مع السواد و البياض مع البياض.

          ب ـ المقارنة بسحب التفاوت كمقارنة الفكر الاسلامي و الفكر المسيحي أو كمقارنة الفلسفة الميتافيزيقية و الفلسفة الوضعية بما يقصد فيها من تفوق واضح بين الفلسفتين وتقديم إحداهما على الأخرى.

          ج ـ المقارنة بحسب القضية الحينية كما هو بالنسبة إلى التقييد دون القييد نظير التعمم والتقمص فان العمامة و القميص أخذا مقارنين لوجود الشخص من غير زيادة أحدهما على الآخر الّذي  يعبر عنه في مصطلح الأصوليين بالحصة التوأمية و في عرف المنطقين بنحو القضية  الحينية.

          4 ـ الاطراد: يتخذ الاطراد كقانون عام اماان يكون ناتجاً  عن استقراء كما في فحصك لبعض جزيئات الحديد و تمدده بالنار يكون الحكم مطرداً على كافة المصاديق الأخرى.

          أو يكون في مقام الحقيقة امام المجاز و ان نوقش في هذه النقطة بأن المجاز كالحقيقة فانه مطرد أيضاً.

          و مجموع هذه المعاني المتصورة للاطراد يكون في دور التجريد و لا يقع في
ميدان التجربة.

 

55 ـ  القيم :

          تعرف القيم عند علماء النفس (عبارة عن توجه سلوك الفرد و تدفعه في مسارات معينة[112] أو هي عقيدة يفضل المرء ان يسلك بناء عليها أو هي عقيدة توجه سلوك بناء على رغبته[113].

         ويأتي علماء الأخلاق للقيم من زاوية الضمير وتعبيره كقيمة أخلاقية إذا استند على الاثابة و العقاب و عند علماء الاجتماع هي الآثار الّتي ينتجها الشخص حتى يكون مرضياً عند المجتمع[114].

         و قد قام (فرنون و البورت و لندزي) بدراسة القيم على جهة الفروق الجنسية بين الرجال و الساء حيث طبقوا قياساً للقيم على (1663) رجلاً و (1593) امرأة فوجدوا ان القيم الاجتماعية و الدينية و الجمالية ترتفع عند النساء أكثر من ارتفاعها عند الرجال في حين ان القيم الاقتصادية و النظرية و السياسية ترتفع عند الرجال أكثر بالقياس ما عند النساء.

          ونشرت هذه الدراسة في عام 1931 إلا أنه في عام 1951 و 1960 و في عام 1965 ظهرت تعديلات أخرى و كان تقسيم القيمة على ستة أقسام :

          1 ـ النظري و هي المبنية على تكشف الحقائق و قيام الشخص بدراستها بمعمق و تبصر من غير نظر إلى الجمال أو منفعة الأشياء و يكون غرض هذا الشخص إلى التنظيم و جمع المعلومات و يتمثل هذا النوع في الرجل.

          2 ـ الاقتصادي و يتجسد في الرجل لاهتمامه بالانتاج و التسويق و الاستهلاك و كثرة الثروة.


 

          3 ـ السياسي يقوم به الرجل بحثاً عن القوة و السيطرة و الغلية بأي صورة توجد و لذا يعتقد كثير من الفلاسفة ان القوة من أكثر الدوافع العالمية و الأساسية.

          4 ـ الاجتماعي يطلبه الرجل أيضاً للحصول على العلاقة و الارتباط بين المجتمع البشري و ان كانت المرأة أكثر تطلباً من الرجل.

          5 ـ الجمالي و هو رعاية الشكل و الانسجام و يتمثل ذلك في كيان المرأة.

          6 ـ الديني و هو أرفع القيم و أجلها لما يعتبره الشخص من الوحدة و فهم الكون متكاملاً أو يعرف (سبرانجر) الرجل الديني بأنه شخص يتجه بناؤه العقلي باستمرار نحو خلق أعلي الخبرات قيمة ذات الارضاء[115].

         كل هذه الانطباعات للقيم ترشدنا إلى اتجاهها نحو التجريد لأنّ القيم من الأمور الاعتبارية و ليست من الأمور المقولية سواء فسرناها عن طريق كونها عقيدة أم الضمير أو الآثار الاجتماعية كل بحسب غرضه بما يفسره العلم النفسي أو الأخلاقي أو الاجتماعي.

56 ـ الشخصية :

          تأتي كلمة الشخصية اشتقاقاً من كلمة الشخوص أي الظهور و التبدي أمام الآخر و الشخص هو سواد العين أي إنسانها الّذي يرى عن بعد ثم استعمل الاسم في ذاته و اشتقت منه التعبيرات المختلفة و لا يسمى شخصاً إلا ما كان له جسم يشخّص لوجود ارتفاع له[116].

         و كلمة الشخصية في اللغات الاوربية تطلق على الادوار الّتي يقدمها الشخص أمام المتفرجين و الناظرين إليه.

          و عرف واطسن 1924 بأنها أنواع النشاط الملاحظ عند الفرد بأسلوب موضوعي لمدة كافية من الزمن في مواقف مختلفة تتيح التعريف عليه عن كثب كما انها في النهاية تمثل مجموع عاداته الّتي تميزه عن غيره من الأفراد[117].


 

         إلا ان هذا التعريف قد استند على الصفحة الخارجية و العوارض الخارجية لوجود الشخصية و يكون دور الملاحظة يعطي الصفة الخارجية لوجود الشيء.

          و عرفها شيرمان (1928 م) ان الشخصية هي السلوك المميز للفرد.

          و عرفها ماي (1930) بأنها ما يجعل الفرد فعالاً أو مؤثراً في الآخرين.

          و فسرها بقراط (400) قبل الميلاد بالامزجة وصنفها على اثنين الأول المزاج السكتي أي مرض السكتة القلبية الثاني المزاج السلي أي مرض السل، ويرى المزاج الدموي على ثلاثة أنواع السوادي، و الصفراوي ، و البلغمي، ولكن تعتبر هذه الأمزجة الشخصية بلحاظ الجسم كما ان ) كوتشمر) قسم الناس إلى أربع مجموعات قصير البدن و يعبر عنه النوع المكتـنـز، و ضخم الجسد و قصير الساقين نسبياً ، و ممتلي الصدر متسدير الكتفين صغير اليدين و القدمين، و النوع القوي الرياضي وهو الّذي يتميز جسمه و أطرافه بتناسق في النمو في البنية عريض الكتفين و كبير اليدين والقدمين، النوع الثالث الواهن الّذي يتضاءل جسمه بالنسبة للطول فهو نحيف طويل ضيق الصدرو كسر العظام غير مكتمل، النوع الرابع : المشوه و هو الّذي يتميز بعدم التناسق و عدم التوازن الغددي.

          وعلي كل فان الشخصية لها انطباقات كثيرة و من مصاديقها الشخصية الجسمية و على الجملة ان الشخصية اما تأتي عن طريق الجواهر و الماهيات و اما عن طريق الخواص و الاعراض.

          و فسر (هارم) ما كيفران نمو الشخصية من أجل الفرد و المجموع يكشف في طياته عن نمو مزدوج في الفردية و الجماعية معاً و يرى ان الشخصية يسيرها علامان الفردية و الجماعية.

          و ذهب البورت (1961) بتصنيف أكثر من مائة تعريف للشخصية في ثلاثة أقسام عامة.

          1 ـ التأثير الخارجي و تسمى بالتعريفات المظهرية حيث انها تسير على ضوء
المظهر.

          2 ـ البناء الداخلي و هو الّذي يسير على وفق الجوهر وتسمى بالطبيعة الداخلية.

          3 ـ وجهة النظر الوضعية.

          و يقصد بالقسم الأول ما كان له كفاءة اجتماعية أو جاذبية اجتماعية و تنطوي تحت هذا القسم ثلاثة تعريفات :

          1 ـ المجموع الكلي لتأثيرات الفرد في الجماعة.

          2 ـ عادات أو أفعال تؤثر في الناس الآخرين.

          3 ـ استجابات الأشخاص الآخرين للفرد كمثير أو منبه.

          و يزاد على هذه الثلاث تعريف رابع : (فكرة الآخرين عنك).

          و قد ناقش الدكتور حلمي التأثير الخارجي هو اننا لا نستطيع قبول الرأي الّذي يرى ان هناك شخصاً له شخصية أكثر أو أقل من شخص آخر فهؤلاء الذين تنقصهم الجاذبية و من جهة النظر السيكولوجية قد منحوا بسخاء بقدر ما منح هؤلاء الذين يتمتعون بالجاذبية الاجتماعية و أهميتهم بالنسبة للعلم سواء حقاً أحكام الناس الآخرين علينا تعرف شخصياتناجميعاً  و لكن ماذا يكون الأمر لواثرنا في أشخاص مختلفين تأثيرات مختلفة هل يعني ذلك أننا نمتلك شخصيات متعددة لا يمكن ان تكون حكماً واحداً فقط هو الّذي كون الانطباع الصحيح عنا بينما أخطأت انطباعات الآخرين[118].

         و يبدو من الدكتور ان تعدد المثيرات عنده اما انه قد اعتبرها شخصيات متعددة أو انها ترجع إلى مثير واحدفان كانت بنحو القضايا المتباينة فكيف ترجع إلى‏واحد وان رجعت إلى وحدة المؤدى فهو يحكي عن شخصية واحدة دون الشخصيات المتعددة ولكن سيتضح من تعريفنا ان الشخصيه‏بنحو الاعتبار دون الانتزاع و لا يتوجه عليه ما ذكرنا[119].


 

         و أمّا القسم الثاني و هو البناء الداخلي ذكر انه عبارة عن فكرة الآخرين عنك لأنّ المدار في البناء الداخلي تصور الآخرين عنك ولكن الّذي يظهر من علماء النفس أنهم يرون أنها ذو تنظيم ديناميكي داخلي في ذات الفرد و يكون النظر إلى الشخصية تارة بما هي في داخل الفرد و أخرى بما ان الغير مؤثر فيها ويقول (البورت) الشخصية هي تنظيم ديناميكي داخل الفرد من جهة نفسية و جسمية تحدد سلوكه و تفكيره المميز له.

          و يقول (ليكي) في تعريف الشخصية هي نظام موحد للخبرة و تنظيم للقيم المتوافقة بعضها مع بعض.

          إلا ان ما ذهب إليه (البورات وليكي) نظرهما إلى الشخصية من زاوية خاصة بينما لها مفهوم واسع لا تحدد بالنظام الديناميكي من الوجهة النفسية و الجسمية و لا انها ناشئة عن النظام الموحد للخبرة و للقيم المتوافقة.

          و يقصد من القسم الثالث هي النظرة الوضعية فلفظ الوضعية عبارة عن الاتجاه العلمي التجريبي وهي الّتي تعين على اكتشاف الحقيقة عن طريق القياس والطرق المفيدة للتوصل إلى الحقيقة فعلماء النفس الوضعيين يرون الحركة مسببة أو محددة بواسطة ضغوط فالانسان مثل الأشياء الجامدة غير الحية و يقولون اننا لا نستطيع معرفة إذا كانت هناك حقيقة واحدة ديناميكية متعددة الصور.

          و ذهب (ثورندايك و هاجين) 1961 إلى ان طرق الشخصية تصنف إلى أربعة أصناف.

          1 ـ ما يقرر الفرد على نفسه لأنّ الشخص أعلم بما تكنه نفسه ولا يمكن ان يطلع غيره عليه حيث انه محيط بجميع ما تنطوي عليه نفسه.

          2 ـ رأي الآخرين عنه لأنّ الغير يمكنه وصف سلوكه من خلال معاشرته مع غيره ويلاحظونه بجميع تحركاته.

          3 ـ قيام مجموعة خاصة تلاحظه في سلوكه في مواقف مقننة.


 

          4 ـ اعتماد الفرد على ما يقرره من أسئلة غير مباشرة تدور حول تصوراته.

          و يكون توجيه ثبوت الشخصية بلحاظ ما يقرره الفرد على نفسه و أمّا رأي الآخرين أو قيام مجموعة خاصة أو اعتماده على أسئلة غير مباشرة كلها طرق و مظاهر للشخصية المنطوية على ما تكنه نفسه و لايصح ان يكون الطريق هو نفس ذي الطريق.

          و الّذي نخاله في تعريف الشخصية إما انها وحدة منتزعة من الفرد أو الجماعة بسبب الأعمال الحسنة أو السيئة الّتي بواسطتها يحصل على المميزات الخاصة الّتي بها توجد الوحدة الشخصية أو انها أمر اعتباري كالملكية و ليست الشخصية حصيلة من المثير أو الاستجابة لا من حيث المثير وحده و لا من حيث اجتماع المثير مع الاستجابة لأنهما من نوع النتائج  عن أصل وجود الشخصية هذا مع ان الشخصية متغيرة الاتجاه فلا يصح ان تعرفها عن طريق المهن و الحرف أو المزاج إلى غير ذلك فالشخصية الدينامية غير قابلة للتعريف إلا بلحاظ الغلبة أو إطلاق المشتق على من تلبس و انقضي عنه المبدأ حقيقة و هذا غير مرضي لدينا في بابه الأصولي[120] كما انه لا يصح ان تكون الذات وليدة الشخصية لأنّ الذات من الجوهر دون الاعراض و الشخصية من الأمور الاعتبارية لا الانتزاعية[121].

         و توجد للشخصية عناصر :

          1 ـ الجاذبية بأن يكون له القابلية على سيطرة الآخرين كالعلم أو ضبط النفس أو سداد في الرأي.

          2 ـ الذكاء كأن يكون سريع الانتباه و سريع البديهة.

          3 ـ المشاركة في الشعور بأن يتحسس الشخص بحالة المجتمع من حيث احتياجهم و حل مشاكلهم.

          4 ـ الشجاعة بأن يكون له القدرة و السيطرة على الآخرين جسدياً.

          5 ـ الحكمة من مقومات الشخصية ان يتحلى الشخص بالتروي و التفكر في
الأمور المستقبلة بأن يضع الأشياء في محالها و يفعل بما يجب فعله و يترك ما ينبغي تركه.

          6 ـ التواضع بأن يخضع الشخص من غير ذل وضعف شخصيته.

          7 ـ مظهر الشخص بأن يكون سليم الجسم جميل الصورة تام المربع حسن القامة.

          8 ـ البيان ان يتحلى الشخص بالفصاحة و البلاغة.

          9 ـ الثقه في النفس بأن يكون صاحب الشخصية ذا رأي مستقر  لا يعتمد على آراء الآخرين[122].

         كل ما جاء في حديثنا حول الشخصية لنتعرف على أبعادها و لنتوصل إلى ان وجودها يقع في عالم التجريد و ليست صالحة في إطار التجربة والحس لأنّها من المعاني الاعتبارية و لايضر إنكارنا للانتزاعية إلا أنها داخلة في إطار الأمور الاعتبارية و هذه الصفحة تحقق كيان التجريد لها دون التجربة.

57 ـ الثقافة :

          ذكر (تايلو) في تعريف الثقافة بأنها الكل المعقد الّذي يشتمل على المعرفة و التعقيد و الفن و الأخلاقيات و القانون و العادات و القدرات الأخرى الّتي يكتسبها الانسان كعضو في المجتمع و أهم نقطة في تعريف الثقافة عند (تايلو) انها تشتمل على القدرات الّتي يكتسبها الانسان كعضو في المجتمع[123].

         و خلاصة تعريفه انه يعتقد ان العامل الأساسي هو القدرة على التعليم من قبل الجماعة و تحصيل العلوم عن دائرة الاكتساب.

          و يحدثنا الدكتور محمّد عاطف السلوك الّذي ينتقل عن طريق التعلم من جيل إلى جيل يسمي الثقافة ، و يمكن ان نلتمس البدايات الأولى للتعلم الاجتماعي و الثقافي في العالم  الحيواني و لكن عدم وجود الكلام عند الأنواع الراقية من الفرد يقيد
بشكل ملحوظ القدرة على الاكتساب و يقلل درجته و لذلك فالانسان وحده هو الّذي له ثقافة[124].

         ويقول (فيبر) ان الثقافة على عكس الحضارة إذ تقوم على تقدم الحياة الروحية أو تطور الحياة العائلية و الروحية و الفلسفية.

          و عرفها فولسم بأنها مجموعة المبتكرات الّتي تستطيعها الجماعة لنفسها مثل مجموعة الأدوات المستخدمة و العادات الّتي يستخدمها الانسان و الّتي يتناقلها جيلاً بعد جيل[125].

         و يعرفها علماء الاجتماع أيضاً بكل ما تمت إلى مظاهر الحياة الاجتماعية.

          وعلي ضوء هذه الأنوار الفكرية تتطلع إلى حقيقة تعريف الثقافة بأنها ما توجب تقدم الحياة الروحية عن طريق الكسب و التعلم و يكون مفهوماً أوسع من الحضارة المادية.

          و تتألف الثقافة من عدة عناصر :

          1 ـ اللغة و هي العامل الأساسي في نقل الأفكار.

          2 ـ الكتابة و هي من الوسائل الّتي تنقل الأفكار إلى المخاطب وتأتي بالمرحلة الثانية بعد المشافهة.

          3 ـ الفن و هو استخراج عمل معبر عن انطباعات نفسية أو اجتماعية أو أخلاقية أو اقتصادية أو سياسية.

          4 ـ العقائد ممايوجب توعية المجتمع إلى عالم الثقافة و الوعي الروحي.

          5 ـ المعارف العلمية و هي من جملة الأمور الثقافية أيضاً.

          و تعرض (ول ديورانت) في قصة حضارته ان عوامل الثقافة تتألف من عناصر أربعة :

          1 ـ الموارد الاقتصادية.


 

          2 ـ النظم السياسية.

          3 ـ متابعة العلوم و الفنون.

          و ذهب (ول ديورانت) إلى ان الثقافة مرتبطة بالزراعة كما ترتبط بالمدينة ثم أخذ في حديثه عن أول ثقافة يقوم بها الانسان و هي نظام الوجبات الثلاث في كل يوم.

          و ذكر ان انتشار الثقافة يوجد بعدة عوامل :

          1 ـ الاتصال العرضي بين الثقافتين الشامل للفرد و المجتمع.

          2 ـ وسائل الاعلان و النشر من الطباعة و الصحافة و الراديو و التلفاز.

          3 ـ انتشار الثقافة عن الثورة و العوامل الاستعمارية.

          و ربما يقسم الانتشار إلى نوعين :

          أ ـ الانتشار الداخلي و هو انتقال الثقافة من فرد لآخر

          ب ـ الانتشار الخارجي و هو انتقال الثقافة من مجتمع إلى مجتمع آخر.

          إلا ان هذين النوعين مرجعهما إلى الاتصال العرضي بين الثقافتين الشاملة للفرد و المجتمع و لا يشترط ان يكون الانتشار الداخلي خاضعاً للعلقل الجمعي لأنّ التلقي قديقع بين الفردين وليس منشأ الهيئة الاجتماعية و لا بد ان يسير الانتشار في تكامل حتى يصل  الغاية الّتي قصد من أجلها  الانتشار فإذا كان الانتشار لم يصل إلى هدفه المرسوم له كان الأمر عكيساً و لأصبح الانتشار عقيماً غير صالح للتأثير و لا بد ان يقدر مدى تأثيره في النفوس حتى يكون له موقعية مركزة[126].

         وذكرنا في كتابنا علم الاجتماع ان منشأ الثقافة يمكن تصويره في نقاط:

          1 ـ الأسرة.

          2 ـ البيئة.

          3 ـ الدين.

          4 ـ اللغة.

          5 ـ ويبدو من مجموع العرض ان مفهوم الثقافة من المعاني البسيطة المجردة
وان صدقت على أمور خارجية فذاك من نوع انطباق الكلي على مصاديقه وإلا فأصل الثقافة تقع في محيط التجريد و ليست واقعة في إطار التجربة و الأمور الحسية و لا بد ان نميز  بين مقام الحمل الأولي و الحمل الشائع و بين المفهوم و المصداق.

 

58 ـ اللغة :

          تعتبر اللغة أداة رمزية على كشف مقصود الشخص و لها مراحل يسير الطفل في ركابها:

          1 ـ المرحلة الانعكاسيه و هي الّتي يتخذ الطفل على شكل صراخ ثم بعض الحروف الملفوظة.

          2 ـ مرحلة الصدى و تتخذ صورة التكرار.

          3 ـ وضوح المعاني.

          4 ـ إدراك معاني اللغة.

          5 ـ مرحلة تعلم القراإة و الكتابة[127].

         و المراد باللغة (هي المفهوم العام المستمد من اللوحة الذهنية في إدراك المعاني و الكشف عنها بعدة أمور رمزية و يمكن ان نقدم بعض التعاريف للغة فذكر انها عبارة عن الحيوان المتكلم).

          و هذا التعريف قابل للنقد لأنّ بعض الحيوانات لها حركات خاصة تؤدي دون النطق في حذود معينة.

          وقال (كارل فون) فريش ان النحلة قادرة على تحديد مكان وبعد الزهور لباقي نحل الخلية عن طريق إداء رقصة اهتزارية و أخرى دائرية وصفهما بدقة و ظهر له ان عدد الاهتزازات و اتجاه الرقصة الدائرية يحمل معالم الرسالة.

          و قد انتقدا هذه النظرية الدكتور أحمد فائق و الدكتور عبد القادر بأن إطلاق كلمة اللغة على هذه الرقصات أمر خاطي لأربعة أسباب :


 

          1 ـ  أن النحل لا يستطيع التعبير عما هو أكثر من مكان الرحيق ولا توجد له رقصات أو حركات يعبر بها عن غيرهذا الغرض لذلك يعد الرقص علامة و ليس رمزاً.

          2 ـ ان النحل يدرك معنى  هذه الرقصات عند رؤيته للنحلة الّتي اكتشفت مكان الرحيق و لكنه لا يستطيع ان ينقل هذه الرسالة إلى نحل آخر و يعني هذا ان رقصات النحل ليست لغة بل رسالة.

          3 ـ ان النحل يستطيع تحديد مكان و بعد حقل الزهر في حدود معينة فإذا كان هذا الحقل أبعد من ذلك عجز عن تحديد  موضعه ذلك بالاضافة إلى ان تلك الرقصات ترتبط بموضوع الشمس.

          4 ـ ان فهم هذه الرسالة يحتاج إلى رؤيتها أثناء أدائها و لا يمكن ان تنقل بغير هذه الواسطة.

          لذلك تعتبر لغة الانسان لغة فريدة لا مقابل لها لدى غيره من الكائنات الحية فهي رموز وليست علامات محددة متنوعة  في مضمونها و ليست قاصرة على نشاط بذاته أو مجال بنوعه لغة مطلقة و ليست نسبية إلى موضوع خارجي أو داخلي و لغة منقولة و ليست مرئية[128].

         و الّذي يتراءي في ذهننا ان اللغة لا تخصص بعلامة أو رمز و إنّما كل‏يحصل فيه التفاهم و كشف المعنى بأي طريق يوجد يمسى لغة و ان كانت الرموز أكثرمساساً للغة إلا ان الرموز غير موضوعة بنحو الوضع التعييني لها و إنّما اللغة لها ستار واسع يضم الرموز و العلامات و لذا نجد (دي سوسور) في تعريفه للغة قال انها (نظام من علامات تعبر عن الأفكار بصرف النظر عن طريقة هذا التعبير الّذي قد يأخذ شكل الكتابة أو الاشارة الخاصة باليكم أو في الأفعال الرمزية أو حركات التأدب أو العلاقات العسكرية إلى آخر هذه العلامات فضلاً عن الكام ذاته) و يبدو من لوك ربط العمليات الفعلية مع اللغة قال ان تصور الانسان يعتمد على الاحساس في البداية فان الرجل البدائي يعبر عنه أوّلاً  فالطفل مثال للفرد البدائي و هو لا يعبر أول ما ينطق إلا عن الأمور المحسوسة
كذلك الأمم المتوحشة مثال الجماعه البدائية ) و يجعل أسس التفكير ثلاثة القوة الادراكية، و التقسيم الادراكي، و علاقة اللغة مع الادراك و يرجع أساس علاقة التصور بأمور أربعة :

          1 ـ الوحدة كما تتصور 4 × 4 = 16.

          2 ـ عدمها تقول 4 × 4 لا = 15.

          3 ـ المقارنة تقول الهواء بارد.

          4 ـ إثبات شيء لشي.

          و يمكننا بهذه اللوحة من بيان عرض التقسيم ان نأتي إلى آخر الخط ان اللغة تقوم على أساس الربط الفكري بين الكاشف و المنكشف.

          و يكون الغرض من مجموع هذا العرض ان طبيعة اللغة تعطي دور التجريد ولا بد ان نميز بين الكاشف و المنكشف فان اللغة بما هي مفهوم عام تقع كاشفة و مظهرة عن العلامات و الرموز و العلاقات و الكتابة و الاشارة و كل هذه الانطباقات هادفة إلى معانيها الموضوعة من أجلها و هذا المعنى  إيضاً من المعاني المجردة سواء كان النظر إلى المفهوم العام للغة أم كان النظر إلى انطباقها على تلك الموارد فان كل فرد تنطبق عليه اللغة أيضاً يقع مشيراً إلى المعنى الموضوع له و هذه أيضاً من حقل التجرد و ليست واقعة في قالب الحس و التجربة.

 

59 ـ قانون السببية و الاطراد :

          تحدثنا في بحث  مبدأ العلية بأن الوجود الكوني لا بد ان يخضع إلى قانون السببية و العلية لعدم إمكان الوجود من غير علة و هو ما يعبر عنه بقانون الحتمية.

          إلا أنه يمكن ان نقدم بعض الملاحظات حول جهة الفرق بين العلة و السبب و الاطراد أمّا بيان العلة فالقرض منها ملاحظة الايجادية و الموجودية بنحو الكفاءة الذاتية و يراد من السبب جهة الاشتراك في التأثير سواء كان بمعونة العلة أم الشروط.

          و يكون المثال لجهة مبدأ العلية كخالقية المبدأ الأعلى  للوجودات الكونية و
يكون النظر إلى مثال السبب تارة لتأثير السبب استقالاً كالاحراق بالقياس إلى النار و أخرى ييلحظ التأثير منضماً إلى بعض  الشروط الأخر كتحليق الطائرة عند امتلائها بالمواد المحرقة مع ضغط الزر على الجهاز المحرك.

          أما بيان الاطراد فهو على ثلاثة أنواع:

          1 ـ اطراد في الظواهر الطبيعية كما نلاحظ تمدد الحديد  بالنار و الحصول على التجربة لبعض الجزئيات فيكون الحكم عاماً  لبقية الجزئيات الأخر من نوع الحديد الملامس للنار و ان ذهبنا في كتابنا المنطق إلى مناقشة الاستقراء لعدم حصول القطع على كافة المصاديق و الحكم بوجه عام و إنّما الحكم وقع بحسب ما أدركه من اتحاد النوع  و الحصول على درجة حرارية معينة و إلا فالأجزاء كافة لا يمكن الحكم عليها بصورة عامة في حالة مكانية و زمانية لأنّ الحكم لا يحدد في موضوع خاص إذا قصد ، القضية الحقيقية و لكن بالنظر إلى جهة الاطراد لكافة الجزئيات بلحاض الخصوصية تكون بنحو العموم و تقع من المعاني المجردة حتى و لو كان من الظواهر الطبيعية لأنّ النظر إلى جهة الحكم دون النظر إلى جهة الموضوع.

          و يكون لحاظ الحكم العام بملاحظة ان التمدد من الظواهر الطبيعية و حدوث الظاهرة تستند إلى سبب طبيعي و هو الحرارة مع كون السبب لا يعمل في المسبب إلا من حيث وجود المقتضى في التأثير و حصول السنة الطبيعية الّتي توجب التأثير بحسب المشاركة و المشابهة و لذا ذكر (أن الأسباب المتشابهة تنتج في الطبائع المتشابهة نتائج متشابهة).

          و تكون صورة الحكم العام بما ان الحديد طبيعة واحدة بالنوع و ان الحرارة طبيعة واحدة بالنوع و ان الحرارة تحدث في الحديد تأثيراً لا يختلف باختلاف الزمان و المكان و الملحض من هذا العرض ان ذات السببية لا تقع في مجال الحس و ان صفة الاطراد و التعميم أيضاً تقع في حقل المجردات.

          و يقول صاحب نحو فلسفة علمية (الرابطة السببية  عند الفلاسفة العقليين قائمة في حكم العقل و ان لم تكن ممّا تدركه الحواس و ليست هي مجرد اقتران في
الحدوث بين العلة و المعلول بل ان هذا الاقتران نفسه هو العلاقة الدالة على ان وراءه و رباطاً عقلياً و هذا الرباط العقلي الّذي يجعل السبب أمراً لا مندوحة عن وقوعه إذا ما وقع سببه هو جوهر السببية و صميمها[129].

         و المهم من البحث ان العلاقة بين العلة و المعلول و ان وراء الأمور الحسية ترتبط بالرباط العقلي و هي من الصفحات التجريدية.

          2 ـ الاطراد في المجلاتات اللفظية أشرنا إلى طبيعة الاطراد في الحقيقة و المجاز و انهما يقعان في محور الألفاظ و هما من حقل المجردات أيضاً.

          3 ـ الاطراد الحكمي و يقصد به كما أوضحناه استيعاب الحكم لكافة الافراد كما هو بالنسبة إلى القوانين الوضعية و الأحكام التشريعية لأنّ مصب الأحكام في نظرهم إلى جميع المصاديق بنحو القضية الحقيقية الفعلية و المقدرة الوجود و مثل هذه النوعية تعطي دور التجرد و لا تنطوي تحت التجربة و الأمور الحسية.

 

60 ـ الاستصحاب التجريدي :

          يتصور الاستصحاب في حالة وجود يقين سابق و شك لا حق، كما لو وضعت كتاباً في محل خاص أو سافرت عن مدينتك مدة طويلة و رجعت  بعد ذلك ففي كلا الموردين سوف يكون دور الحكم العقلي بالرجوع إلى تلك النقطة الأولى إلا ان يثبت حكماً جديداً برفع الموضوع و إتيان موضوع آخر أو رفع الحكم وإتيان حكم جديد و قد بحثه علماء الأصول بإشباع من الوجهة التشريعية لا بأس ان تسايرني إلى بعض مذاهبهم و ما نقدمه إليك من رأينا الخاص في تلك المجالات مع مراعاة المذهب الشيعي و السني و مدى قوة التفكير في دراسة الاستصحاب عندهما و اثر التجريد فيه دون رعاية العامل التجريبي.

          أما آراء الشيعة الأصوليين فعّرفوا الاستصحاب (بإبقاء ما كان[130] و ليس غرضه
إبقاء الأمور التكوينية و إنّما غرضة إبقاء الحكم الشرعي ).

          و ذهب صاحب الكفاية الخراساني إلى ان عباراتهم في تعريفه و ان كانت شتى إلا أنها تشير  إلى  مفهوم  واحد وهو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذي حكم شك في بقائه[131].

         و الّذي نلاحظه من تعريف صاحب الكفاية السير على وفق نظرية الأنصاري.

          و عرف أيضاً (كون الحكم متيقناً في الآن السابق مشكوك البقاء في الآن اللاحق[132].

         و عرفه أستاذنا الخوئي (هو الظن ببقاء حكم يقيني الحصول في الآن السابق مشكوك البقاء في الأنّ اللاحق[133] و هذا التعريف مستند على الظن الشخصي كما ان التعريف الثالث مستند على الظن النوعي.

          و ذهب أستاذنا ميرزا حسن البجنوردي إلى تعريفه (بأنه عبارة عن حكم الشارع ببقاء المتيقن السابق حكماً كان أو موضوعاً ذا حكم من حيث ترتيب الآثار الشرعية على انه متيقن عند الشك في بقائه[134] و الّذي يظهر من مجموع هذه التعاريف انها مختلفة بحسب المباني في الاستصحاب من كونه من الأصول أو الامارات (و الّذي نعتقده انه من الأصول و ليس من الامارات لدخول الشك في موضوعيته ).

          أما الاستصحاب بالنظر إلى المذهب السني (هوعبارة عن الحكم بثبوت أمر في الزمان الثاني بناء على ثبوته في الزمان الأول[135].

         و قد رده أكثر الأحناف و فصل فيه بعضهم و قبله بعضهم الآخر تبعاً للشافعية و الجمهور قال ابن السبكي و هو أقسام :

          1 ـ استصحاب العدم الأصلي.


 

          2 ـ استصحاب مقتضى العموم أو النص  إلى ان يرد المخصص أو الناسخ.

          3 ـ استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته و دوامه لوجود سببه.

          4 ـ استصحاب حكم الاجماع في موضع الخلاف فهو محل الخلاف بين أصحابنا.

          و حدثنا الغزالي في المنخول (ليس من الاستصحاب المقول به استدامة الحكم مع تبدل الصورة كما استصحب أبو حنيفة رضي اللّه‏ عنه وجوب الحقتين في المائة و العشرين فيه إذا زادت واحدة لأنّ الصورة قد تبدلت فلا بد من دليل على النفي[136].

         ثم قال (و إنّما الاستصحاب الصحيح ما نذكره في منع وجوب الوتر و الأضحية بعد سبر مدارك الوجوب و إبطال كل قياس يذكرونه فبعده ذلك نقول الحال لم تتبدل و لا مأخذ للوجوب و براءة الذمة يشهد لها العقل و السمع فيستصحب هذا الأصل المستقر[137].

         و يظهر من الغزالي الخلط بين الاستصحاب و الاشتغال و ان كنا نوافقه في عدم صحة الاستصحاب عند تبدل الصورة الموضوعية للحكم لأنّ الحكم متفرع عن الموضوع.

          و يكون البحث الفلسفي في الاستصحاب (انه من الصفات التجريدية لأنّ الاهتداء على بقاء الحكم أو الموضوع و الرجوع إلى النقطة الأولى الّتي وجدها سابقاً من الأمور الذهنية المطمئن بثبوتها سابقاً و لا أثر لوجود الشك و الترديد في بقاء الحكم أو الموضوع و ان كنا لسنا في صدد بيان المباني القائم عليها وجود الاستصحاب من حيث الامارية أو الأصولية إلا ان النظر إلى موضوعيته من حيث ابقاء تلك الحالة المستقرة سابقاً و هذا يعطي اللوحة الواضحة إلى صفة التجرد.

          كما انه قد تطرق إليه الأصوليون لبعض نقاط فلسفية.

          منها : ان المستصحب كما انه يقع أمراً جزئياً يقع أمراً كلياً من غير النظر إلى
تحديد الكلي بالوجود  الطبيعي و إنّما النظر إليه بنحو التوسعة العامة و المهم ان نقدم إليك التقسيم الكلي و هو على أربعة أقسام :

          1 ـ وجود الكلي في معين كما لو دخل على الدار و شك في بقاء الانسانية عند الشك في خروجه عن الدار فالاسصحاب جار بالنسبة للانسانية عند استصحاب على في الدار.

          2 ـ وجود الكلي في ضمن فرد مردد بين متيقن البقاء  و بين متيقن الارتفاع كوجود انسان في القاعة الدراسية المردد بين وجود خالد الداخل في القاعة أو هشام الخارج عنها و يصح جريان الاستصحاب للاطار العام.

          3 ـ وجود الكلي بفرد معين إلا أنه علم بارتقاع الفرد و احتمل وجود فرد آخر مقارن لارتفاع ذلك الفرد و ذهب الآنصاري في هذا القسم إلى التفصيل بين احتمال وجود فرد مقارن لوجود فرد آخر معلوم و احتمال وجود الفرد عند ارتفاع الفرد الأول فتمسك باستصحاب الأول دون جريان الاستصحاب في الثاني.

          و الّذي نعتقده بحسب الميزان الفلسفي انه لا مجال لاستقرار الاستصحاب عند ارتفاع الفرد المعلوم الارتفاع حيث لايحقق كيان الاستصحاب بفرد محتمل الوقوع.

          4 ـ توارد عنوانين على الفرد المنطوي تحت الكلي فإذا ارتفع  أحد العنوانين لا يضر بوجود الاستصحاب لبقاء  العنوان الآخر لبقاءكيان الكلي في ضمن العنوان و إذا أريد بالعنوان بما انه متيقن فلا يتم الاستصحاب في مجرد صدق العنوان.

          و يتطرق علماء الأصول إلى الاستصحاب في الأمور التدريجية كما في الزمان والحركة أمّا في الزمان فمبني على الوحدة العرفية أو الوحدة الدقية أمّا بحسب الوحدة العرفية فيمكن تصوير الاستصحاب لوحدة القضية المتيقنه‏و المشكوكة عرفاً و ما ذهب إليه أستاذنا الخوئي من عدم الفرق بين النظرة الدقية و العرفية غير وجيه[138] بحسب الصناعة الفلسفية.

          وقد فصل  الانصاري بين أخذ الزمان قيداً في الفعل فلا يجري الاستصحاب فيه
وبين ما لو كان الزمان ظرفاً له فيجري الاستصحاب إلا ان النائيني  ألغي جهة التفرقة لما بنى عليه مذهبه في الاستصحاب بعدم جريان الاستصحاب في الشك في المقتضى و إنّما الشك واقع في إطار الرافع إلا ان ذلك لا بد من إثباته.

          و كل هذه الصور و تحوير المباني الّتي بني عليها كيان الاستصحاب ترشدنا إلى الاتجاه التجريدي و لا تتصل بخيوط التجربة و الأمور الحسية لأنّ صفة الشك و صفة اليقين و الابقاء على ماكان، كلها من لوازم الصفحة التجريدية و لا تتسم بالأمور التجريبية بأي صورة من أشكالها.

          و عند ملاحظة استصحاب الزمان يكشف أيضاً عن دور التجريد كما أوضحناه في ميدانه الخاص إلا ان جهة الاستصحاب فيه من حيث وجوده الطولي و كونه في حلقة متصلة، و لكن بحسب الميزان الفلسفي لا يتم الاستصحاب فيه لأنّ الانات المكون منها الزمان تقع بنحو الحلقات المنفصلة الكاشفة عن موضوعات متعددة و بهذا لا يتم الاستصحاب فيه و ان كان الاستصحاب بواقعه من الأمور التجريدية إلا أنه لا ينطبق على الزمان بحسب الدقة الفلسفية كما انه لا يتم الاستصحاب إذا كان الزمان قيداً للحكم أو الموضوع.

          و ترى بعض الموضوعات ممّا تخرج عن إطار الاستصحاب إلا أنها لم تخرج عن صفحة التجريد :

          منها : إستصحاب العدم الأزلي و يراد به ثبوت العدم قبل صفحة الوجود فيستصحب إلى ما بعد الوجود و هو غير وارد لعدم ثبوت العدم الأزلي موضوعاً لنقضه بالوجود المطلق.

          منها : لا يرتبط الاستصحاب بقاعدة المقتضى و المانع لأنّ موضوعية الاستصحاب قائمة على فعلية الشك و اليقين و ان الشك المتأخر عين اليقين قد تعلق الشك بعين ما تعلق به وجود اليقين،  إلا ان جهة الفرق ان اليقين لايصح نقضه حدوثاً و الشك تعلق باليقين بقاءً،  بينما المقتضى و المانع ان الشك تعلق بوجود المقتضي في استعداده و قابليته البقاء و الشك متعلق بوجود المانع فكل له خطه الخاص به و بهذا
يشرق في ذهنك الفرق بين المقتضى و المانع و بين الاستصحاب.

          منها : ان الاستصحاب غير قاعدة اليقين لانه ان كان زمان المتيقن غير زمان المشكوك فهو الاستصحاب و ان كان زمان اليقين هو بنفسه زمان المشكوك فهي قاعدة اليقين.

          منها : الاستصحاب القهقرائي كأن يكون الشك سابقاً و اليقين لاحقاً و هذا لا يرتبط بموضوعية الاستصحاب و يكون في خط عكسي تماماً.

          منها: الاستصحاب التعليقي على بعض النظريات و هو عبارة عن كون موضوع الحكم في الاستصحاب مركباً من عنصرين ذات الموضوع و شرطه أو ذات الموضوع ووصفه، كما في العنب المغلي فصدور الحكم بعدم شربه لكونه من المسكرات و يكون الحكم بعدم الشرب بالقياس إلى موضوعه و هو العنب كنسبة المعلول إلى العلة وبهذا لا يصدر الحكم النهائي بعدم الشرب قبل الغليان لأنّ الموضوع مركب من ذات العنب و الغليان و لو صدر الحكم بعدم الشرب قبل الغليان يلزم الخلف و  عندئذ تكون فعلية الحكم بفعلية الموضوع.

          إلا ان الّذي نرتئيه ان الحكم من الأمور الاعتبارية الّذي لا يصح تقديه بالموضوع الخارجي و الأمر المقولي حيث يمكن إصدار الحكم في عالم الانشاء و ان لم يكن الموضوع دخيلاً في فعلية الحكم و إنّما له وجود تقديري و يظهر من مجموع حديثنا ان جميع أدوار الاستصحاب و الأمور الخارجة عن موضوعيتة تقع في محور التجريد و لا تقع في شبكة التجربة من غير فرق بين كون الاستصحاب عبارة من عدم نقض اليقين بالشك  أو عدم نقض المتيقن لأنّ اليقين يقع طريقاً للمتيقن و هذه المباني محررة في ميدانها الأصولي و ان كان مختارنا اليقين دون المتيقن خلافاً لما ارتأه أستاذنا السيد ميرزا حسن[139] من كون الاستصحاب (عبارة عن ابقاء حكم المتيقن لا اليقين ).

 


 

61 ـ البراءة العقلية :

          يحكم العقل بعدم العقاب عند عدم وجود قرار قانوني من قبل السلطة التشريعية والوضعية و يصح للشخص ان يسير في انطلاقة حرة من غير تأنيب ضمير كما ان العقل يحكم بالقبح عند عدم البيان التشريعي و عدم وصول النص القانوني إليه و مثل هذه النوعية من الأحكام العقلية تقع في حقل التجريد  و لا تدرك في عالم الحس و التجربة.

          كل ذلك في صورة عدم وصول النص القانوني عند فحصه و اطمئنانه بعدم النص إلا أنه ربما يكون القرار القانوني موجوداً واقعاً و لكن عدم الوصول إليه كاف في حكم العقل إذ وجود القانون لدي السلطة التشريعية لا يكفي في توجيه العقاب إلا بعد التبليغ و وصول النص القانوني أمام الشعب بالمشافهة أو بالكتابة الرسمية كما تتعاطاها الدول في صحفها الرسمية لنشر البيانات الرسمية علي شعوبها.

          و أمّا دفع هذه النظرية والقيام بواجب احتمالي ربما حكمت به السلطة لوجوب دفع الضرر المحتمل من قبل السلطة التشريعية و القضائية فلا مجال لهذا الاداء المحتمل لعدم موضوعية العقاب عند عدم البيان الرسمي و لا يتصور ان يدعي بأن دفع الضرر المحتمل يقع بياناً و حاكماً على عدم البيان الرسمي من قبل السلطة حيث لا موضوعية لاثبات العقاب عند عدم البيان هذا مع انها تصطدم بالمناقصة الواضحة لأنّها تصبح علة لاثبات نفسها مع كونها في صفحة متأخرة عن موضوعها.

          و بالجملة ان حكم العقل بعدم البيان و انه يمكن للشخص ان يقع في فسحة و انطلاقة تامة لعدم وصول القرار الرسمي في فسحة و هذا ما يسمى بالبراءة  العقلية ولكن ربما يكون حكم العقل يصطدم باحتمال ضرر مهم تجد العقل متوقفاً في قراره الأولي كاحتمال وجود لص في الطريق لا يأمن على نفسه أو على عرضه أو على ماله و كان احتمالاً عقلائياً مقبولاً لا مجرد أمور فرضية فان البراءة لا تسير في خطها المرسوم لها سابقاً و إنّما تصطدم بتعاريج يوجب وقوفها عن تلك الجادة المتعرجة.

          و بهذه القرارات يكشتف لديك ان الحكم العقلي على أنحائه الثلاثة :


 

          1 ـ الحكم بالقبح.

          2 ـ الحكم بعدم العقاب.

          3 ـ الحكم باحتمال الضرر المهم.

          كلهافي خط تجريدي و ليست واقعة في صفحات الحس و التجربة إذ كيفية الحكم العقلي في جميع أدواره أو إدراك الحسن و القبح كلها من الحقل التجريدي.

 

62 ـ الاشتغال العقلي و الوجدان :

          نقدم لك عرضاً حول المسؤولية و التحسس الوجداني عند صدور الحكم و الخروج عن عهدة التكليف من قبل السلطة التشريعية لأنّ الضمير و الوجدان يكونان في دور التأنيب عند عدم الطاعة و يقومات في دور التحريض و الدفع نحو الانقياد لما يتحسس الشخص من بقاء العهدة و عدم الخروج عن دائره الامتثال و مقتضى طبيعة التحسس و الشعور بالمسؤولية في اداء الواجب يقع من أنواع التجرد و يلتئم مع طبيعة التجربة و الأمور الحسية و ليست قابلة للدخول في العوامل الميكانيكية أيضاً.

          وقد بحث علماء الأصول موضوعية الاشتغال في إلزام المكلف باداء الواجب عند توجه القرار القانوني من قبل الشريعة الدينية لأنّ العقل يحكم بالامتثال و الانقياد، و وجوب الطاعة، من قبل السلطة العليا الحقيقية، و إليك الصور الآتية :

          1 ـ ان أصالة الاشتغال تقع عند الشك في المكلف به بعد إحراز الحكم و أصل التكليف و يكون ذلك في صورة تردد التكليف امابين المباينين كما لو شك بين تعلق الحكم في السفر إلى بغداد، أو الحكم بإعطاء على ألف دينا أو كان الحكم مردداً بين الأقل و الأكثر كما لو كان الشخص مردداً في توجه التكليف نحوه إما بمقدار ألف دينار أو خمسائة دينار ففي تردد الحكم بين المتباينين يكون بنحو العلة التامة في طرف الموافقة و المخالفة[140] و ليس هناك مجال لحفظ المرتبة الظاهرية في أحد أطراف العلم لعدم احتمال الخلاف بين الأطراف[141] و لا يستلزامه التناقض.


 

         و على هذا الضوء ان العلم الاجمالي بوجود حكم يجب إطاعته عند تردده بين الأطراف  سواء كانت متباينة أو مرددة بين الأقل و الأكثر كلها تنبي عن وجود صفه تجريدية بعيدة عن أجواء التجربة و الأمور الحسية.

          أن أطراف العلم يمكن ان تنطوي تحت عناوين التخيير الثلاثة :

          أ ـ التخيير التشريعي الوضعي أو الديني.

          ب ـ التخيير العقلي المنضم مع القانون الوضعي أو التشريعي.

          ج ـ التخيير العقلي عند تساوي الملاكين.

          ولكن هذه العناوين تصطدم مع سير العلم الاجمالي بوجود التكليف المركز الثبوت المنافية لحقيقته و كيانه و مقتضى التحريض على اداء الواجب و التحرك نحو الطاعة بأسباب التحسس بالمسؤولية و الخطاب الداخلي (الضمير) يعطي عن لوحة التجرد و لذا تجد الاندفاع من قبل السلطة الداخلية في اداء الامتثال و رفض الأصول[142] أو الامارات لحصول المناقضة بين الالزام و الرخصة.

         3 ـ انقسام العلم الاجمالي إلى الكبير و صغير كعلمك بوجود درهم مغشوش في ضمن عشرة أكياس ثم تولد لديك إجمالي صغير ان الدرهم في ضمن الكيس العاشر و هذا التـنقل  و  الحركة  من  الأول  إلى  الثاني  كلها  مراحل تجريدية و ليست تجريبية محسوسة.

          4 ـ ينجز العلم الاجمالي في الأمور التدريجية و بيان ذلك يحتاج إلى تقديم قائمة حول الأمور التدريجية في أطراف العلم الاجمالي.

          أ ـ حصول الأطراف تحت قدرة المكلف من الجمع بينهما أو إتيان بعضها.

          ب ـ عدم قدرة المكلف بإتيان المجموع و إنّما له القدرة على البعض.

          ج ـ تقييد  أحد الأطراف بزمان معين بحيث لا يكون الحكم فعلياً على كافة
الأزمنة.

          و يكون تصوير الحتمية في الطاعة بالقياس إلى الأول و الثاني دون الثالث و هذه الأمور ترشدنا إلى الاتجاه التجريدي.

          5 ـ يستدعي تنجز العلم الاجمالي في صورة استقرار الشبه على مقياس محدد المسمى بالشبهة المحصورة إما بالنظر إلى تعيين غير المحصورة بحسب العرف أو تكون أطراف العلم غير المحصورة من الأمور الموهومة كما ذهب إليه الانصاري أو ما يعسر إتيانها أو ما لا يمكن للمكلف عادة عن المخالفة القطعية بإتيان كافة الأطراف و هذه الوجوه قابلة للنقد كما صورناه في كتابنا دراسات أصولية.

          و المهم في العرض ان الشعور بالمسؤولية و إلزام الطاعة و الامتثال عند العلم بوجود التكليف و الشك في متعلقه كلها ترشدنا إلى ناحية التجرد،  ولا تخضع إلى عالم التجربة كماان له الفسحة و الانطلاقة عن عالم المسؤولية إذا كان مصطراً إلى بعض أطراف العلم الاجمالي فيوجب هدم هيكل العلم وينحل كيانه الاستقلالي عند الاضطرار إلى بعض الأطراف و هذه العملية أيضاً تنبي عن صفحة التجرد أيضاً.

 

63 ـ الصدفة :

          لا بد ان نفكك بين مطابق الصدفة و مفهومها الذاتي، و الّذي يقع في حقل التجرد مفهومها الذاتي و الا فالمطابق إذا كان متجسداً في أمر محسوس يقع من الأمور المحسوسة كما ان مطابقها قد لا يرتكز على الأمور المحسوسة فيكوّن المجردات.

          كما مثل لنا (اكريسي موريسون) ان فرصة سحب البنس رقم 1 هي بنسبة إلى 10 و فرصة سحب رقم 1 و رقم 2 متتابعين هي بنسبة 1 إلى 100 و فرصة سحب البنسات الّتي عليها أرقام 1 و 2 و 3 متتالية هي بنسبة 1 إلى 1000 و فرصة سحب 1و2و3و4 متوالية هي بنسبة 1 إلى 10000 و هكذا حتى تصبح فرصة سحب البنسات بترتيبها الأول من 1 إلى 10 هي بنسبة 1 إلى 10 بلايين[143].


 

         و هذا المثال يعطي دور المطابقة أمّا النظر إلى ذات المصادفة المفهومية فهي من المجردات و لكن زيادة الاعداد بصورة سريعة يكون منافياً للصدفة من حيث الأدلة النقضية عليها.

          و بيان هذه الحقيقة ان الصدفة هي المفاجأة و إثبات الكيان الوجودي من غير سابقة مقدمات مطوية و هي لا تخلو بين اتجاهين :

          1 ـ الصدفة العاقلة.

          2 ـ الصدفة  المجنونة.

          و لكن إبداع هذا العالم بهذا التنسيق الجميل و حفظ التوازن و عدم وجود الخلل الفني في الحركة و التكوين ناشي عن قوة عليا لا تنسجم مع طبيعة الصدفة المجنونة.

          هذا و يستدعي ان يكون في وجود الصدفة الوجود الابتدائي اما استمرار الحركة أو الوجود فلا بد ان يكون بوجودات متباينة غير الوجودالأول كما عليه الميزان الفلسفي الميتافيزيقي و عندئذ لا بد من الالتزام بالترابط بين الصدفة و التكرار في الوجود وهو عين المناقصة.

          كما ينبغي أن نتطلع على حقيقة الفرق بين فكرة الصدفة و مطابق الصدفة كما في جهة الفرق بين الحمل الأولى و الحمل الشائع و بين المفهوم و المصداق و العنوان و المعنون و الكلي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده إذ وجود فكر الصدفة تقع في حقل المجردات أما مطابقها قد يكون وجوداً خارجياً مقولياً و قد يكون أمراً واقعياً أو اعتبارياً فالتجرد في المفهوم كما انّه قد يتحقق في بعض انطباقات الصدفة أيضاً كل ذلك على فرض تعقلها و على الجملة ان الملتزم بإثبات الوجودات الكونية عن طريق الصدفة أيضاً كل ذلك على فرض تعقلها و على الجملة ان الملتزم بإثبات الوجودات الكونية عن طريق الصدفة غير خاضع لنواميس الطبيعة و المباني العلمية و الفلسفية بعد إقامة الأدلة النظرية الرصينة على ان السنن الكونية مستندة على السببية في كل
المجالات و الصدفة تشق طريق الوجود الابتداء من غير سبب أو علة و هو غير برهاني و يقول فرانك الن العالم البيولوجي ان ملاءمة الأرض للحياة تتخذ صوراً عديدة لا يمكن تفسيرها على أساس المصادفة أو العشوائية فالأرض كرة معلقة في الفضاء تدور حول نفسها فيكون في ذلك تتابع الليل و النهار و هي تسبح حول الشمس مرة في كل عام فيكون في ذلك تتابع الفصول الذي يؤدي بدوره إلى زيادة مساحة الجزء الصالح للسكنى من سطح كوكبنا و يزيد من اختلاف الأنواع النباتية أكثر مما لو كانت الأرض ساكنة و يحيط بالأرض غلاف غازي يشتمل على الغازات اللازمة للحياة و يتمد حولها الى ارتفاع كبير يزيد على 500 ميل و يبلغ هذا الغلاف الغازي من الكثافة درجة تحول دون وصول ملايين الشهب القاتلة ميلاً إلينا منقضة بسرعة ثلاثين ميلاً في الثانية و الغلاف الجوي الّذي يحيط بالأرض يحفظ درجة حرارتها في الحدود المناسبة للحياة و يحمل بخار الماء من المحيطات الى مسافات بعيدة داخل القارات حيث يمكن أن يتكاثف مطراً يحيى الأرض بعد موتها و المطر مصدر الماء العذب ولولاه لأصبحت الأرض صحراء جرداء خالية من كل أثر للحياة و من هنا نرى ان الجو و المحيطات الموجودة على سطح الأرض تمثل عجلة التوازن في الطبيعة و يتماز الماء بأربع خواص هامة تعمل على صيانة الحياة في المحيطات و البحيرات و الأنهار و خاصة حينما يكون الشتاء قارساً و طويلاً فالماء يمتص كميات كبيرة من الأوكسيجين عندما تكون درجة حرارته منخفضة و تبلغ كثافة الماء أقصاها في درجة أربعة مئوية و الثلج أقل كثافة من الماء ممّا يجعل الجليد المتكون في البحيرات و الأنهار يطفو على سطح الماء لخفته النسبية فيهيء بذلك الفرصة لاستمرار حياة الكائنات التي تعيش في الماء في المناطق الباردة و عندما يتجمد الماء تنطلق منه كميات كبيرة من الحرارة تساعد على صيانة حياة الأحياء التي تعيش في البحار.

          و حدثنا تشارلز يوجين جاي ان الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد إلا بنسبة الى 1 الى 10  (160)، أي بنسبة 1 الى رقم عشرة مضروباً في نفسه 160 مرة و هو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات و ينبغي
أن تكون كمية الماء التي تلزم لحدوث هذا التفاعل بالمصادفة بحيث ينتج جزيء واحد أكثر ممّا يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات[144].

 

64 ـ النقد :

          أساس فكرة النقد تقوم على إقامة التنفيذ أو الهدم في المبنى العلمي و يقع مثل هذا الدور من العوامل التجريدية و يقع النقد على صور ثلاث:

          1 ـ النقد البناء

          2 ـ النقد خارج البحث الموضوعي

          3 ـ النقد في اللوازم و الشروط

          أما بيان النقد البناء فهو المتوجه إلى ناحية موضوع البحث مع إقامة الأدلة المركزة على بطلان البحث الّذي دون من أجله من غير خروج إلى الآثار و النتائج أو الأمور الخارجة عن صلب الموضوع.

          أما النقد خارج الموضوع فهو الّذي يقع بطرق أجنبية عن دائرة الموضوع نظير نقد النظرية النسبية التطورية بالنسبية الذاتية.

          أما النقد الّذي يقع بحسب اللوازم و الشروط فلا يقع على صلب الموضوع و إنّما يتوجه النقد إلى الآثار أو الشروط الخارجة عن البحث الّذي صيغ من أجله كنقد التعريف المحتوي على الآثار و النتائج أو الشروط و المبادى‏ء بدون اتجاهه نحو بيان الحقيقة و التحديد الماهوي لوجود الشيء[145].

         و ذكر رسل في كتابه مشاكل الفلسفة: فالنقد المقصود ليس باختصار ما يصمم على الرفض دون مبرر بل هو ما يبحث في كل معرفة ظاهرية على أساس مميزاتها و يحتفظ بكل ما يزال يبدو أنّه معرفة بعد أن يتم هذا البحث. أما ان خطر الوقوع في الخطأ يبقى بعد ذلك فهذا ما يجب أن نسلم به مادام الانسان غير معصوم، و للفلسفة أن
تدعي بحث أنّها تقلل من خطر الوقوع في الخطأ و أنّها في بعض الحالات تجعل هذا الخطر من القلة بحيث يمكن التغاضي عنه عملياً و ليس في الامكان ان نفعل اكثر من ذلك في عالم لابد أن تحدث فيه الأخطاء[146].

         و يبدو من رأي رسل في توجيهه لنظرية النقد انه يعتبر النقد قائماً على أساس المعرفة بينما واقعة النقد الكشف عن الاتجاه الايجابي أو الاتجاه السلبي دون كونه تبعه عين المعرفة كما ان رأيه في دور الفلسفة حقيقة ضعيفة الاتجاه بينما الفلسفة لها واقعية موضوعية.

          و يعتمد النقد على ركائز :

          1 ـ بيان التناقض الميتافيزيقي.

          2 ـ التناقض الديالكتيكي.

          3 ـ التضاد أو الدخول تحت التضاد.

          4 ـ المثلية و الاتحاد في النوعية.

          5 ـ المخالفة.

          6 ـ الدور و أقسامه.

          7 ـ التسلسل و اللانهائية.

          8 ـ جهة التمييز بين الاشتراك اللفظي و المعنوي و الترادف.

          9 ـ الفرق بين الحقيقة و المجاز.

          10 ـ معرفة المفهوم و المصداق و الحمل الأولي و الحمل الشائع الصناعي.

          11 ـ الفرق بين التخصيص و التخصص و الحكومة و الورود.

          12 ـ الفرق بين النسخ التشريعي و النسخ التكويني.

          13 ـ معرفة المغالطة  و أساليبها البيانية و معرفة النقض و الحل.

          14 ـ معرفة كيفية الاستنتاج و الفرق بينه و الاستقراء و التمثيل.

          15 ـ الاعتماد على المقدمات المنتجة الصحيحة و معرفة الأشكال الأربعة.


 

          16 ـ معرفة حمل المطلق على المقيد.

          17 ـ معرفة الناسخ من المنسوخ.

          18 ـ معرفة العموم و الخصوص.

          19 ـ بيان جهة الفرق بين المفاهيم الشرطية و الوصفية و اللقبية و العددية.

          20 ـ عدم الاصطدام بين النص و الاجتهاد و التفكيك بينهما.

          21 ـ المعرفة في طرق المصادرة بأخذ الدعوى دليلاً.

          22 ـ التمييز بين الجنس و الفصل و النوع و الخاصة.

          23 ـ معرفة الطرق الاعرابية و التصريف.

          24 ـ معرفة فقه اللغة.

          25 ـ التمييز بين الأمور المقولية و الواقعية و الاعتبارية و عدم الخلط بينها.

          26 ـ معرفة الطرد و العكس

          27 ـ معرفة القواعد الشعرية إذا كان النقد شعرياً أو معرفة الفصاحة و البلاغة و البيان إذا كان النقد نثراً

          28 ـ التمييز بين التجربة و العلم و الحقيقة لأنّ التجربة توجد عن طريق تراكم الحوادث و العلم يأتي في دور المقارنات و كشف الحقائق و الحقائق في رتبة متأخرة عن العلم.

          و يقع النقد على ثلاثة أصناف من حيث ذات النقد :

          أ ـ النقد البياني بالمشافهة.

          ب ـ النقد الفصلي.

          ج ـ النقد الكتبي.

          إلا ان المعنى الحقيقي للنقد يقع في قالب المشافهة و الكتابة.

          و يمكن عرض النقد على أصناف من حيث موضوعية العلم فيكون كل نقد له خواصه تبعاً لموضوعية العلم إلا انه توجد صورة مشتركة لكافة العلوم  كالنقيض و الطرد  و العكس و الحمل الأولي و الحمل الشائع و المقولة و الواقعية و الاعتبار.


 

          و كل هذه الأنحاء الّتي تمت إلى مركزية النقد و إثباته راجعة إلى ناحية التجريد و لا يمكن ان تخضع للعوامل التجريبية.

 

65 ـ الكتم و الاضمار و العزم عليهما:

          يبتنى الكتم على الاخفاء و جعل الشيء المكتوم في سجلات القوى الحافظة والسيطرة على عدم انتشارها و هكذا في مؤدى الاضمار و يمكن رجوع الكتم و الاضمار إلى عملية الاحتفاظ و هي مرحلة لاسلوكية مقرها الذاكرة، كما يقابلها عملية الاسترجاع أو الرجوع إلى القدرة على التحكم في الذات أو ناتج عن الضبط النفسي و كل هذه الفروض تعطينا لوحة عن التجرد لأنّ العزم على الكتم و الاضمار حالات نفسية من الشعور الباطني و تكون مثل هذه النوعية من الصفات التجريدية الّتي لا تخضع للتجربة و الأمور الحسية.

          فإذا جلست مع صديقك و أخبرته بش و طلبت منه الكتم و عدم إطلاع الغير يجعل الخبر في سجلات الحافظة وفي قاصة مغلقة لا يمكن للغير الدخول فيها أو فتحها إذا كان من ذوي النفوس القوية المتحلية في ضبط النفس و القدرة على التحكم بحيث لا ينفعل بالدوافع و الميولات و الرغبات و إنّما يجعل الخبر في قبضة محكمة، وكل هذه الحالات تعطيك أضواءاً على معنى  التجرد دون الدخول في إطار التجربة و الحس.

 

66 ـ  الفسخ و الانفساخ :

          تقع عملية الفسخ على مرحلة هدم القرا ر القانوني التشريعي  و الوضعي و إلغاء حكمه و عدم تنفيذه كوجود العيب في المعاملة فان المعاملة لا تأخذ خطها النهائي في الالزام من قبل المتعاقدين و الفسخ إنّما يوجد في صورة ما لو كان العيب عن مقتضيات فسخ العقد فالفسخ يكون من الحقوق ولذا لو علم الزوج بعيب الزوجة أو علمت الزوجة بعيب الزوج و سكتت و لم يقدما على الفسخ سقط حقهما . لأنّ المورد من نوع
الحق دون الحكم ، و لذا كانا قابلين للاسقاط.

          أما  طبيعة الانفساخ و هو قطع العلقة و الارتباط بسبب الموجب كما في ارتداد الشخص عن دينه فان الزوجه‏تنفصل عنه تلقائياً من غير قصد في إجراء الانفصال و العلقة و هو من مصاديق الحكم دون الحق و قد أشرنا إلى جهة الخلاف يبن الحق والحكم في ميدانه الخاص[147].

         و يقع دور الفسخ و الانفساخ من صفات التجرد لأنّ عملية قطع الرابطة بين المتعاقدين عند وجود الموجب للفسخ أو وجود القطع التلقائي بسب الموجب المسمى بالانفساخ أيضاً  يقع من صفات التجرد كما أوضحناهما.  ويلزم المذهب التجريبي عدم الفرق بين الحق و الحكم اولاً : كما انه لم يفرق لديهم بين الفسخ و الانفساخ ثانياً :

 

67 ـ النسخ التشريعي و النسخ التكويني :

          الفرق بين النسخ و البداء  و التخصيص و التخصص و ما لها الأثر التجريدي، لا يخفي على مسامعك ان حقيقة النسخ يقع في الجهات التشريعية (و هو رفع الشيء بعد ثبوته تشريعاً بعد مجي البيان من قبل المشرع) (وفي اللغة بمعنى  الازالة ، والبداء يقع في الجهات التكوينية) ، و نسب إلى الشيعة ان القضاء المحتوم قابل للتخلف مع انهم براء منه ولاتنطق كتبهم بذلك إذ القضاء من قبل اللّه‏ سبحانه إما عن عدم اطلاعه لأي أحد من خلقه و هذا لا يقع فيه البداء كما ورد عن الامام الصادق  عليه‏السلام (ان للّه‏ علمين علم مكنون مخزون لا يعلمه إلا هو من ذلك يكون البداء و علم علمه ملائكته و ورسله و أنبياءه و نحن نعلمه).

          و أمّا قضاء اللّه‏ الّذي أخبر نبيه و ملائكته بأنه سيقع حتماً و لا ريب ان هذا القسم لا يقع فيه البداء، و أمّا قضاء اللّه‏ الّذي أخبر فيه نبيه و ملائكته بوقوعه في الخارج ،إلا أنه موقوف على ان لا تتعلق مشيئة اللّه‏ بخلافه و هذا القسم هو الّذي يقع فيه البداء و دلت
الآية  عليه  ( يمحو اللّه‏ ما يشاء و يثبت و عنده أم الكتاب).

          و يعتبر الشيعة البداء  بمعنى  الاظهار حقيقة و إطلاق لفظ البداء عليه مبني على التنزيل كما انه لا بد ان نفرق في بعض المصطلحات للنسخ في الجهات التكوينية بما ورد في كنساخ الأرواح أيضاً فالنسخ بالنظر إلى الأرواح البشرية هو عودة الروح الانسانية بعد انفصالها عن البدن الأولي إلى بدن إنسان آخر.

          كما يراد من المسخ هو الرجوع إلى بدن حيوان لا تخلو حاله فان كان محسناً فإلى حيوان سعيد و إلا فإلى حيوان شقي كما في قوله تعالي «كونوا قردة خاسئين» البقرة 65 و غيرها ـ المائدة  60.

          ويقصد من الفسخ هو انتقال الروح إلى شجر أو نبات.

          و المعنى بالرسخ انتقال الروح إلى حجر.

          فالنسخ هو خلع النفس جسداً عنصرياً ثم تلبسها بجسد آخر غير ما لبسته أوّلاً ولايراد به هنا تبدل الجسد في كل عشرة سنوات أو سبع على رأي  (فلوريس) أو في كل ثلاثين يوماً على رأي (موليشوت) و إنّما هو تبدل في نفس الجسم من خلايا ، و يتولد من ذلك عودة  الأرواح إلى  أبدانها كما في معاجز عيسي  عليه‏السلام فان العناصر تجتمع بعد تفرق أجزائها.

          أما بيان التخصيص فمؤداه رفع الحكم قبل مجي البيان الخطابي من قبل السلطة التشريعية أو الوضعية (كأكرم القوم ولا تكرم الفساق) و يكون في خط عكسي عن حقيقة النسخ.

          و قد خالف (أبو مسلم عمر وبن يحيي الاصبهاني) وقال بعدم جوازه[148] و في نسخة هو محمّد بن بحر الأصفهاني ونسب عدم جواز النسخ لأنّها قول بعض اليهود و هم على ثلاثة فرق :

          1 ـ الشمعونية وذهبت إلى امتناعه عقلاً.

          2 ـ العناية و ذهبت إلى امتناعه سمعاً و عقلاً.


 

          3 ـ العيسوية و هم اتباع عيسي الأصفهاني المعترفون بنبوة الرسول محمّد  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لكن الرسالة مختصة إلى العرب خاصة لا إلى عامة المجتمع البشري و اعتقدوا بجواز النسخ عقلاً و وقوعه سمعاً  و استدلوا بعدم جواز النسخ لأنّه يرجع في النتيجة إلى البداء  و هو غير جائز ولكن اتضح بيان الرد بما ذكره الامام الصادق أو يرجع النسخ إلى الاعتقاد بالجهل لأنّه يعتقد بوجوب الأمر بنحو التأييد و هو خلاف ما يعتقده اليهود إذا صدر النسخ بعد ذلك.

          إلا ان الّذي يبدو ان الحكم من قبل السلطة التشريعية أو الوضعية يدور بين اتجاهين :

          1 ـ الأحكام الامتحانية و هذا الشكل لايضر بوجود النسخ لأنّ الاثبات، و الرفع و جدا لأجل مصلحة لأنّه قصد منها الامتحان و العرض الظاهري لكشف دور الشخص في الامتثال و عدمه.

          2 ـ الأحكام الحقيقة بمعنى  ان المصلحة قائمة على أمد معين فعند انتهاء المصلحه يرتفع الحكم و هذا غير مضر بطبيعة النسخ لأنّ القرار القانوني محدد بوقت خاص بحيث إذا انتهي وقته ينتهي الحكم معه والّذي يدخل في إطار موضوع بحثنا ان التجرد يقع في نسخ الأحكام التشريعية أمّا بالنظر إلى الأمور التكوينية فلا يقع فيها التجرد إذا لوحظ فيه جهة المطابقة الخارجية و المقولة بخلاف ما لو أريد به المفهوم العام فهو أيضاً من مصاديق التجرد ولا يدخل في اكليل التجربة و الأمور الحسية.

          و أمّا بالنسبة للتخصيص فقد أشرنا في ميدانه إلى وقوعه في حقل التجرد أيضاً كما ان طبيعة التخصص مفاده الخروج الموضوعي عن أصل الحكم بدون دخوله أوّلاً و خروجه بعد ذلك كما  هو  مفاد التخصيص فأيضاً يقع في دائرة المجردات و لا يدخل في محور الأمور التجريبية . فالتخصيص و التخصص كلاهما من الأمور التجريدية.

          من غير فرق في لحاظ تقديم التخصيص على النسخ و عدمه لأنّ المجموع كله يقع في عالم التجرد سواء كان النظر فيهما إلى مجيئهما في زمان واحد ، و القول فيه
بتقديم التخصيص لكثرته أو مجيئهما في وقتين و كان الخاص متأخراً أو مجي الخاص بعد العمل بالعام و هو على ثلاثة مذاهب :

          1 ـ إلحاق الخاص بالنسخ أو تـنقلب حقيقة الخاص إلى النسخ  و اعترض عليه انه مع كثرة المخصصات لا يمكن ان يجعلها جميعاً ناسخة مع قلة النسخ.

          2 ـ اختفاء المخصصات عن دائرة العام المتصلة به ووصول مخصصات منفصلة.

          3 ـ تأخير البيان لوجودمصلحة توجب التأخير في الأحكام الواقعية و هي في خصوص المخصصات المنفصلة و كل هذه الصور و غيرها سواء كان النظر إليها من حيث عنوان الفرق بين النسخ و التخصيص أم جهة تقديم التخصيص على النسخ في بعض المجالات فانها تعطي الصورة الواقعية لحقيقة التجرد ولا ترتبط بجعل التجريب والأمور الحسية و غرضنا من هذا العرض المختزل لنطلعك على أثر التجرد في عدة مجالات و ليس نطاق التجرد ضيقاً و إنّما له أبعاد كثيرة لا يمكن ضبطه بمعايير خاصة و قوانين كلية ولذا يمكن القول بأن المعرفة  في  طرفه قاصرة لا تخضع تحت ضوابط معينة بحيث تقع مقياساً للآخرين.

 

68 ـ التوضيح و البيان :

          عندما يؤتى بالتوضيح و البيان للمعنى الموضوع له طبقاً لمقررات علماء البيان ان يؤتى بلفظ أجلي من اللفظ الأول و أوضح منه من غير تكرار اللفظ بنفسها تقصد بذلك إظهار المعنى وكشف الستار عنه بالطرق البيانية من غير غرابة أو منافرة أو استغراب و إنّما يؤتى باللفظ الجلي بأحد الطرق المدونة من الاستعارة و الكناية و التشبيه و نحوها و تكون عملية الايضاح و الكشف بالطرق البيانية فيه الدلالة على التجرد و لا ترتبط بعالم التجريب.

 

69 ـ التشكيك في الوجود :


 

          ذكرنا في ميدان الوجودي التقليدي ان التشكيك يقع في الوجود و المراد بالتشكيك الاختلاف بالزيادة و النقصان و بالشدة و الضعف و الاولية و الاولوية نظير الاختلاف في الكميات المتصلة فان طول مترين أكبر من متر واحد و ان ضياء ألف شمعة أشد من ضياء خمسمائة شمعة و ان تقدم العلة أولى من المعلول و هكذا في المراتب المشككة لحقيقة الوجود سواء كان ما به التفاوت أو ما فيه التفاوت لأنّ سطح الوجود لما كان منبسطاً على الوجودات سواء كان بنحو الأمر الطولي أو العرضي من غير تحديد كان منسجماً مع طابع التشكيك و لذا انه لا يقع التشكيك في الماهيه‏أخذ في كيانها الذاتي التحديد و التضييق لدائرة الوجودوبهذا تكون كل ماهية بالقياس إلى وجود خاص مباينة بالنسبة إلى الوجود الآخر فالتشكيك يقع في صورة الوحدة و عدم التفاوت و في الماهية أخذ في موضوعيتها الاختلاف و التحديد بين وجود ووجود آخر و يعطي جهة الاختلاف سواء كان بالنظر إلى جانب الوجود المشكك أو بالنظر إلى التحديد الماهوي كما يشير إليه كلها من وقاع التجرد و لا ترتبط بإطار التجربة.

 

70 ـ التحديد الماهوي :

          اشرنا إلى ان الوجود يتحدد بالماهية و تتضيق دائرته عندما تكتنفه من حيث الجانب الجنسي والفصلي أو الخاصة و مفاد الماهية هو اللاقتضاء من طرف الوجود والعدم و لا تقع في اطار احد المعنيين خاصة كاستقرارها في طرف الوجود خاصة أو في طرف العدم خاصة و انما النظر اليهما على نحو اللااقتضاء و عدم التعيين و تكون صفة اللااقتضاء  و التحديد  للوجود في مقام التجرد دون العملية التجريبية و الأمور الحسية.

 

71 ـ  الرأي العام و الاجماع :

          نقدم اليك سجلاً جديداً حول اثر الرأي العام و الاجماع في لوحة التجريد.

          تعرضنا في كتابنا علم الاجتماع إلى ان الرأي العام هو بناء العقلاء على امر
بحيث تكون الفكرة الغالبة للمجتمع دون لحاظ الفكرة الخاصة و ان المخالف للفكرة الاجتماعية يعتبر خارجاً عن موازين رسوم العقل و مقرراته وهذا لا يختص انطواؤه في المجتمع المنحصر كا ذكره الدكتور حسن شحاته[149] لأنّها قد تكون بعض التقاليد و العادات منسجمة مع تمام الفطرة و ان كان القانون يعتبرها منافرة لطبيعة الزمن فالرأي العام هو الاداة الفاضلة الّتي يستعان بها على اخضاع افكار الآخرين و جعلهم في قالب الرأي العام.

          أن الخضوع للرأي العام لا يحتم على كافة الأفراد ان تنعدم فيهم قابلية التفكير الخاص و انما يحتم على الفرد اذا دخل في حقل الرأي العام ان يخرج معه و يتكيف معه بدون اظهار المخالفة و اما أفكاره الخاصة فذاك امر يخصه و تنطوي في قرارة نفسه اما الرأي العام فهو المرتبط بافكار المجتمع بحيث يطلق على رأي المجتمع انهالرأي العام أو بالعكس و كأنهماصفحة واحدة ، و يتجسد الرأي العام في الأمور الوجدانية والقضايا الضرورية الّتي ترشد المجتمع إلى جهة القضايا الفطرية.

          و على هذا الضوء ليس للرأي العام مساوي كما يحدثنا به الدكتور شحاتة بنص عبارته (فللرأي العام مساوؤه اذ هو في حالات كثيرة ليس واضحاً و لا دقيقاً، و الرأي العام نادراً  ما يكون الرأي الاجماعي أي الرأي الّذي تجمع عليه قاطبة الافراد بلا استثناء[150]

         و الّذي نلاحظه ان الرأي العام ان كان منشؤه التقاليد و العادات و الأمور العاطفية فهو رأي عام شكلي لا يمت إلى ما هو عليه من بناء العقلاء لأنّ الرأي العام الواقعي لا ينظر إلى الجهات العاطفية و انما يرتكز على الأسس و القواعد من حيث البعد الفكري و النتائج المسلمة الضرورية كما  ان ما  تتمسك به الأديان من الاجماع المعبر عنه بالدليل اللبي على اقسامه الصحيحة أو الباطلة تعطينا الاشارة الواضحة على اثرهما في صفحة التجريد و لا يرتبطان بحقل التجربة و اطوارهما.


 

          و قد حرر موضوعية الاجماع علماء الاصول من السنة والشيعة حتى من غير الدين الاسلامي أيضاً و يراد بالاجماع بحسب اللغة احد الأصول الأربعة الّتي تقوم عليها العقيدة الاسلامية ويعرف بأنه اتفاق المجتهدين من الأمة في كل عصر و كل أمر ديني ـ المنجد ـ و حدثنا  صاحب  التبصرة الفيروز آبادي المتوفي عام 476 هـ تحقيق الدكتور (محمّدحسن هيتو)[151] اجماع العلماء على حكم الحادثه‏حجة مقطوع بهاو قال النظام و الامامية ليس بحجة غير ان الامامية قالت ان المسلمين اذا اجمعوا على حكم وجب المصير اليه لأنّ فيهم من قوله حجة و هو الامام و الاجماع عندهم ليس بحجة ولكن فيه حجة.

          و قال في المسائل رقم 2 (اجماع اهل كل عصر حجة) وقال داود المتوفي عام 270 (اجماع غير الصحابة ليس بحجة[152] و اذا قالت الصحابة قولاً و خالفهم و احد أو اثنان لم يكن ذلك اجماعاً[153] الا ان محمّد بن جرير قال هو اجماع[154] و قال صاحب التبصرة في مسألة رقم 4 اجماع اهل المدينة ليس بحجة وروي عن مالك  رحمه‏الله انه قال اجماعهم حجة[155] و ذهب إلى ان اتفاق اهل بيت رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهليس بحجة[156] و تعرض إلى انه لا يعتبر في صحة الاجماع اتفاق العامة[157].

         و جوز علماء الاصول لابناء العامة انعقاد الاجماع الناشي عن القياس و هو رأي الجمهور  و  ذكر  بعضهم  ان يحترم مخالفته[158] و لكن ابن جرير وداود قالا بعدم الجواز[159].

         و اعتمد ابو حنيفة على الاجماع السكوتي ورفضه الشافعي و قال لا ينسب
لساكت قول[160] و عد الغزالي في منخوله صور الاجماع.

         1 ـ أن تجمع الامة على القطع في مسأله مظنونة فاذا قطعوا قولهم و قد كثر عددهم بحيث لا يتصور منهم في طرو العادة التواطؤ على الكذب فهذا يورث العلم.

          2 ـ أن  يطبقوا  في مسألة ظنية على حكم واحد من غير ان ينقل عنهم القطع بذلك.

          3 ـ أن يتشاوروا في مسألة و يستقر رأيهم على حكم و يجمعوا عليه و كانوا معلنين بانهم قالوه عن قياس وظن غالب راحج فيعلم ضرورة من التابعين تشديدهم النكير من يبدي خلافاً.[161]

         و يعتبر في الاجماع نظر المجتهدين دون وفاق العوام و خلافهم[162].

         و اما عددهم بحيث يصلوا إلى مبلغ التواتر فهو النهاية و ان تراجعت اعدادهم الى واحد وما فوقه إلى مبلغ لا يستحيل عليهم الخطأ و التواطؤ عرفاً فلا حاجة فيه عندنالأنّ العرف لا يقضي باصابتهم قضاءاً باتاً إذ الغلط على الواحد و الاثنين غير مستنكر في العرف ـ  و ان انكره جماعة و قالوا (هذا غير متصور)[163].

         و شرائط الاجماع ان يقع في مظنون فان كان معقولاً لا يمكن دركه بنظر العقل فما يتقدم في مرتبته على ثبات الكلام للباري فلا يثبت بالاجماع لأنّ مستند الاجماع هو حجة شرعية كلام اللّه‏ تعالى و كذا الكلام[164].

         و ذكر ان من جملة شرائط الاجماع انقراض العصر ليسـتـبان به استقرار الاتفاق و قال المحققون لابد من انقضاء مدتهم[165].

         و ذكر صاحب المنخول اذا أجممعت الصحابة في مسألة على قولين  فاحداث مذهب ثالث عند بعض العملاء ليس خرقاً لأنهم اجمعواعلي تسويغ الخلاف و فتحوا
بابه[166] الا انه قال بالخرق وقال الشافعي بعدم الخرق.

         و الّذي نلاحظه في تاريخ الاجماع يعتبر من مصادر التشريع عند اليهود أيضاً[167] و كذا عند المسيحيين في قرارات المجامع والعرف[168].

         اما ما يعتقده الشيعة الامامية بان الاجماع حجة اذا كان كاشفاً عن قول المعصوم و كان من جملة المجمعمين و يكون اجماعاً حقيقياً و حجة شرعية و يتمسك به عن طريق قاعدة اللطف بان اجتماع الامة على شيء يكتشف عدم اجتماعهم على الخطأ و لو اجتمعوا على الخطأ يكون من باب اللطف و الرحمة الالهية ان يوقع الخلاف بينهم لاظهار الحق ولو عن بعضهم فالاجماع الّذي في ضمنهم الامام المعصوم يمسى بالاجماع المحصل و الاجماع الّذي يأتي عن طريق الاخبار يسمى بالاجماع المنقول و الّذي يكون معتبراُ هو المحصل و أمّا المنقول فغير معتبر ليس بحجة لأنّه ناشي عن امر حدسي لا حسي و قد انكرت الامامية الاجماع السكوتي و قالت بعدم حجيته.

          و هذه القائمة الّتي قدمناها امامك تعرف ان سير الاجماع عند كافة الأديان و المذاهب المطبقة على حجيته ماعدا بعض النظريات النادرة تقول بعدم قبوله و تكون صياغة حجم الاجماع يعطي اللوحة المرسومة لعالم التجرد لأنّ صفة الاتفاق وكشف الحقيقة بعد الاجماع كلها ترسم لنا الخط التجريدي دون الخط التجريبي كما انه لا يفرق في تقسيمنا للاجماع سواء كان اجماعاً فعلياً أم اجماعاً تقديرياً.

 

72 ـ الصدق و الكذب و النفاق :

          تعرضنا إلى الصدق و الكذب في كتابنا علم الاخلاق، يعرف الصدق بانه المطابق للواقع والكذب عدم مطابقته للواقع لا بلحاظ المخبر أو الخبر أمّا الصدق اللساني غير كاف و انما المطلوب فيه الصدق الواقعي و يكون الصدق و الكذب في
محيط الخبر دون الانشاء لأنّ الاخبار له مطابق خارجي و الانشاء ليس له مطابق خارجي كقم، و سافر، فانها توجد بمجرد الانشاء و لكن الخبر يكون له حكاية عن وجود خارجي.

          وبهذا يكون الصدق من الفضائل الّتي يترتب عليها الاخلاص في العمل و الامانة و الوفاء و يمكن ان نقسم الصدق إلى ثلاثة انواع :

          1 ـ الصدق القولي.

          2 ـ الصدق العملي.

          3 ـ الصدق الفكري.

          أما بيان الصدق القولي و هو عبارة عن الصدق اللساني من غير نظر إلى مطابقة الواقع وعدمه و انما يحكي الصورة الظاهرية فيكون الصدق بلحاظ المخبر و هذا غير مرضي لأنّ الميزان في الصدق كما هو مدون في الميزان ما كان مطابقاً للواقع دون الصدق بلحاظ المخبر.

          و أمّا الصدق في العمل كأن يستأجر نفسه على عمل يؤديه على طبق ما استؤجر عليه فاذا جاء بالبناء أو الخياطة أو السياقة أو النجاوة أو سائر الاعمال صحيحة كان صادقاً مخلصاً في عمله بخلاف ما لو جاء بالعمل غير تام ولو يؤد الشروط المطلوبة في عمل يكون خائناً كاذباً في عمله و هكذا بالنظر إلى الحيوانات قد تكون صادقة و قد تكون كاذبة فبعض الحشرات ربما تتظاهر بالموت، أو الغزال قد يرغم غزالا آخر على العدو معه لتمويه الاثر فان مثل هذا النوع من العمل يكون كاذباً.

          و المراد من الصدق الفكري ان يبدي وجهة نظره البرهانية في العلوم بما جاء في بوتقة فكره فاذا جاء بالاستدلال عن غير دليله الخاص او جاء بالبرهان من نظريات علماء آخرين ساقهاباسلوبه الخاص بمجرد تغيير العبارة باسلوب آخر يكون كاذباً لأنّ الدليل لغيره و يقول (بيير دوهم) في القرنين السادس عشر و السابع عشر كان من النادر ان يذكر المؤلف اسم من استعار منه فكرة ما و كان المؤلف يتظاهر بالتحصيل الواسع بيد انه لا يذكر إلا الكتب الّتي لم يأخذ منها و لم تتورع اكبر العقول عن ان تنحل
لنفسها ما للغير و ثم هذا شواهد محزنة الشهرة[169].

         و يقصد من النفاق اظهار الشيء بما يخالف ما يبطن و مثل هذه التصورات الّتي تعرض على فضاء الفكر كلها من العوامل التجريدية و ليس للتجريب موطن و اثر في اجواء التجربة على الكذب أو الصدق أو النفاق. هذا مع ان التجربة من الموضوعات الايجادية تكويناً.

 

73 ـ مفهوم الشرط و الوصف و اللقب :

          المفهوم هو حصول الملازمة بين المنطوق و المفهوم بنحو اللزوم البين بالمعنى الاخص و هو الانتقال من الملزوم إلى اللازم بدون واسطة أو  البين بالمعنى الأعم و هو الانتقال من الملزوم إلى اللازم مع الواسطة سواء كانت واحدة أم متكررة فتكون الدلالة المنطوقية أوّلاً و بالذات و الدلالة بالقياس إلى المفهوم بالعرض و هو ما استند في فهم المعنى الاخص أو الأعم لاخراج المقدمة مع ذيها و وجوب الشيء و ضده لأنهما لا يستندان إلى اللزوم البين سواء كان بالمعنى الاخص أم الأعم ومثل هذه العلاقة و الرابطة بين المنطوق و المفهوم ترشدنا إلى ناحية التجرد ولاتصلح للتجربة و الأمور الحسية بعد ان كان الانتقال بواسطة العقل عندحصول الملازمة بالمعنى الأخص أو الأعم.

          و يتصور المفهوم على نحوين :

          1 ـ مفهوم موافقة.

          2 ـ مفهوم مخالفة ، و ينطوي تحته مفهوم الشرط و الوصف و الغاية و اللقب والحصر و العدد.

          و المقصود من الموافقة عند مجي القرار القانوني في المنطوق يكون متفقاً مع المفهوم كأن يكون القانون ايجابياً في المنطوق كذلك يقع المفهوم ايجابياً  و هو الّذي يستخلص منه الدلالة الأولوية كقولك صاحب المثـقف المتخرج من الجامعة في
الهندسة فاذا كان دكتوراً فبطريق اولي و قوله تعالى (ولا تقل لهما اف) فالزجر و الاهانة بطريق أولى.

          و يراد من المخالفة الاختلاف بين المنطوق و المفهوم كأن يكون احدهما ايجابياً و الآخر سلبياً  كما نلاحظ في مفهوم الشرط في قولك )ان جاء الأمير غاضباً فلا تسلم عليه ).

          فان السلب في المفهوم اريد به سلب العموم الّذي موطنه السلب الكلي لا عموم السلب الّذي موطنه الايجاب الجزئي فيكون عندئذ اتجاه المفهوم إلى الخط السلبي الكلي دون السلب الجزئي فاذا قيل ان المنطوق نقيض المفهوم فهو بلحاظ الخط السلبي العام لا السلب الخاص.

          و بيان مفهوم الشرط ما كان مستنداً على الملازمة و الارتباط بين المقدم و التالي على نحو يكون التالي معلقاً على وجود المقدم سواء كان بنحو السببية و العلية أم بنحو الشرطية لأنّه قصد به المفهوم العام للنسبة هذا بشرط عدم كون أخذ الشرط لبيان موضوع الحكم لأنّه عند انتفاء الشرط ينتفي موضوع الحكم معه اذ لا يبقى الحكم عند انتفاء موضوعه كقولك ان رزقت ولداً فاختنه لتوقف الختان على وجود الولد كما انه لا يصح مفهوم الشرط اذا سيق لبيان الموضوع على نحو كون الحكم في التالي يوجدمن غير ارتكازه على الشرط ، و هذا النوع قد وقع الخلاف فيه بين علماء الأصول في حجية مفهوم الشرط و عدمه.

          ونقدم اليك عرضاً اصولياً في هذا الميدان بما له الأثر التجريدي لأنّ الانتقال من المنطوق إلى المفهوم و الحكم عليه بحسب شروطه يعطي الصبغة التجريدية ولا يرمز إلى ناحية التجربة بوجه من الوجوه ، و ان كان سبب الانتقال هو اللفظ الا ان ادراك المعنى و المفهوم يحصل بأمرتجريدي و ان كان الّذي نتصوره ان المفاهيم من النوع الموضوعات العقلية و لا تمت إلى المسائل الأصولية لأنّ حقيقة الانتفاء في جانب المعلول يستدعي الانتفاء في جانب العلة وذلك بحكم العقلا و ليس للفظ مجال في هذا الميدان لأنّ الميزان في الحكم العقلي دون ملاحظة سبب الانتقال و كلا الحالين
سواء كان بالنظر إلى الحكم العقلي ام السبب اللفظي كلها من العوامل التجريدية.

          ويحدثنا الغزالي في منخوله عن المفهوم بانه من الالفاظ من مآخذ الأحكام عند الامام الشافعي رضي اللّه‏ عنه وهو منقسم إلى مفهوم موافق والي مفهوم مخالف لظاهر اللفظ فاما مفهوم الموافقة فينقسم إلى مقطوع به كتحريم الضرب فهم من نهي الشارع عن تأفيف الأب و إلى ما يغلب على الظن ، و أمّا المفهوم المخالف للمنظوم فهو كفهمنا نفي الزكاة عن المعلوفة.

          وقد بدل ابن فورك لفظ المفهوم بدليل الخطاب في هذا القسم لمخالفته منظوم اللفظ و ابو حنيفة رحمه اللّه‏ انكر المفهوم الا ما يقطع به كآية التأفيف[170].

         و هذه المذاهب من قبل بعض رؤساء المذاهب الاسلامية السنية و الشيعية تعطي أضواءاً على صفحة حجية المفهوم في بعض المجالات و له الأثر التجريدي أيضاً أمّا بالنسبة إلى مفهوم الشرط فقد اوضحناه من الوجهة التجريدية على بعض النظريات بانه متضمن للانتفاء عند الانتقاء وهو مقتضى لحقيقة التجرد كما وان حجيته من زاوية الحكم الشرعي ان يدل على العلة المنحصرة و ان يراد بالحكم سنخه لا شخص الحكم فيكون حجة مع حفظ الملازمة بين الشرط و الجزاء مع ظهور الجملة الشرطية في ترتب الجزاء على الشرط إلا ان ما يبدو من بعض النظريات الأصولية في كون الترتب أخذ بنحو ترتب المعلول على العلة لا يظهر من صحيفة القضية الشرطية ذلك كما ان العلة المنحصرة غير ثابتة بعد ان ذهبنا إلى عدم الترتب على نهج العله‏و المعلول لذا تكون القضية الشرطية غير دالة على المفهومية و انهما تدل على مجرد الثبوت عند الثبوت لا الانتفاء عند الانتفاء و المهم في لوحة التجرد ان فرضية الثبوت عند الثبوت أو الانتفاء عند الانتفاء أمور تجريدية أيضاً.

          و على الجملة لا يفرق في حقيقة الجملة الشرطية في مفادها التجريدي سواء كانت بنحو انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه أو كون الشرط ما احتوى على العلية بين المقدم و التالي بحيث يكون المقدم علة لوجود التالي، أو تعطي مجردالتلازم بين
المقدم و التالي من غير نظر إلى جهة العلية أو يراد بها بمصطلح الفلاسفة من مصححيه فاعلية الفاعل أو متمم قابلية القابل فان هذه المجموعة الواح لحقيقة التجرد و لا تدخل في هيكل التجربة.

          و لنأتي بك إلى صفحة مفهوم الوصف و ذلك في صورة تقيده بموضوع لا ما كان بذاته موضعاً كما في مفهوم اللقب في قوله تعالي ( و السارق و السارقة فاقطعوا أيديهما) و إنّما الوصف يستند على موضوع للحكم بحيث يكون في دور الانتفاء موضوعاً مستقراً و إنّما يكون النظر إلى دور الوصف تارة يتصل مع موضوع الحكم و أخرى ينفصل عنه لأجل ملاحظة نفي الحكم عن الوصف  و يقع بين الصفة و الموصوف نسبة الأخص مطلقاً أو من وجه و لا يتصور في جانب الموصوف كما يعطي دور الموصوف مع الصفة و يكون المثال لمفهوم الوصف في قوله  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (في الغنم السائمه‏زكاة)  أي أن المعلوفة لا زكاة عليها كل ذلك يعطي التمسك بالمفهوم الوصفي إذا كانت هناك قرينة على التقييد بين الوصف و المفهوم و عند عدم القرينة على التقييد القول بعدم التمسك فيه و بعد انتفاء حكم الموصوف عند انتفاء الوصف كما عليه جمهرة الأصوليين من الشيعة.

          و ذهب الشافعي إلى التمسك بمفهوم التخصيص بالصفة[171] و ذلك فيما إذا علق الحكم في الشيء على صفة من صفاته دل على ان ما عداها يخالفه[172] و خالف في ذلك أبو حنيفة و جماعة من المتكلمين[173] و تعرض صاحب التبصرة إذا علق الحكم على صفة في جنس كقوله  عليه‏السلام (في سائمة الغنم الزكاة ) دل على نفيه عما عداها في ذلك الجنس و لا يدل على النفي عما عداها في سائر الأجناس[174] و من أصحابنا من قال يدل على نفيه عما عداها في الأجناس كلها[175] كما يبدو من ظاهر قول الشافعي في
الأم[176].

         و تكون نقطة البحث ان تقييد الوصف بموضوع الحكم دون جعل  الوصف موضوعاً للحكم يعطي صفة التجرد دون إجراء العامل التجريبي عليه ويمكن القول بحجيته في ميدان الحكم الشرعي.

          و أمّا بيان مفهوم اللقب ان يكون النظر إلى كون الوصف أخذ ذاتاً لموضوع الحكم كما في السارق و الساراقة و لا يشمل الحكم غير ما تتناوله دائرة الاسم فيكون إطار اللقب محدداً في دائرة الاسم وفي نطاق شخص الحكم دون نوعية الحكم وسنخه و يقع الدور التجريدي في نقطة ارتباط اللقب بذات الحكم على نحو الموضوعية و أنه بانتفاء الموضوع ينتفي الحكم معه، و الميزان في الحجية في باب الحكم الشرعي ان لا بكون الوصف  أو اللقب أو الشرط قد أخذ بنحو الموضوعية للحكم، و أمّا النظرة التجريدية فهي في مجال أوسع لأنّها لا نتظر إلى جانب تحديد سوق المفهوم لبيان الموضوع و عدمه أو كون العلة منحصرة و عدمها أو ان المقياس في المفهوم الشرطي ترتب الجزاء على الشرط.

          و كذا الحديث في محور مفهوم الغاية و ان التقيد بها يوجب انتفاء سنخ الحكم بما يشمل أطراف الغاية، أو في حدود الغاية خاصة و الميزان في التمسك في المفهوم ان يلحظ القيد موضوعاً للحكم و عدمه، و الميزان التجريدي الصورة الارتباطية سواء كانت بنحو الانتفاء عند الانتفاء، أو الثبوت عند الثبوت، و سواء كان المفهوم سبيق لبيان الموضوع و عدمه، و بنحو العلة المنحصرة أو بنحو ترتب الجزاء على الشرط في المفهوم الشرطي كلها صالحة للتجريد و لاتقع في محور التجربة.

 

74 ـ الظن  الشخصي و الظن النوعي :

          صورة الظن تقع في حجم ترجيح الراجح على المرجوح كالظن بدخول القاطرة في الساعة الفلانية و يقع الطرف المقابل و لهما و يكون متعلق الظن على
نحوين :

          1 ـ الظن الشخصي.

          2 ـ الظن النوعي.

          أما الظن الشخصي فهو القائم على تعقله الخاص مع جمع الاحتمالات للواقعة فربما يكون للشخص ظن و لآخر قطع ولكن حيث ان الواقعة كانت مرتسمة في تعقل الفرد خاصة يقدم طرق الراجح على المرجوح و بالقياس إلى الشخص الآخر يكون قاطعاً.

          و يقصد من الظن النوعي ان يقوم العقل بالأمر بالتمسك بالظن إذا علم الجمهور بوجود قرار قانوني موجه إليه إلا أنه لم يكن طريق لكشفه لا من طريق علم و لا من طريق علمي و هذا البحث تعرض إليه علماء الأصول و يكون أثر الظن في مثل هذه المجالات نظير القطع بالتمسك بلوازمه على بعض النظريات الأصولية و ان خالفته بعض النظريات الأخرى معتمدين على ذلك بأن حقيقة الظن لا يعطي الكاشفية كما في حقيقة القطع كما هو الّذي نعتقده أيضاً لأنّ الظن ليس من ذاتيته الكشف حتى يتمسك بآثاره ولوازمه هذا على الصعيد التشريعي و أمّا بالنسبة إلى الظن المتمثل في الجمهور و المجتمع فيقع على سطح واحد كالظن بوجود حياة في بعض الكرات و صلاحيتها للسكني فان كافة المجتمع ظان بهذه الظاهرة و يؤمن بوجود مجتمعات بشرية أخرى لها أبعادها الفكرية و الثقافية و على هذا النحو من التمثيل الظني للنوع نستنتج أضواءً أخرى على أثر الظن التجريدي و ان واقع الظن لا يوجد في إطار التجربة لأنّ عنوان الترجيح و القبض على زمام الراجح و ترك المرجوح من المجالات التجريدية.

 

75 ـ الفطرة و الوجدان :

          من المصاديق التجريدية الفطرة و الوجدان و المراد من الفطرة هي المسلمات الأولية الّتي لا تقبل الترديد و الانكار كما في اجتماع النقيضين و الدور و التسلسل و
نورانية العلم و الايمان بواجب الوجود و الايمان بالسببية كما يحدثنا العالم (اندريه لنج الاسكتلندي (ان كل انسان يحمل في نفسه فكرة العلية و هي كافية في الاعتقاد على وجود الاله و قال (ديكارت) (اني مع شعوري بنقص ذاتي أحس في الوقت ذاته بوجوب وجود ذات كاملة و أراني مضطراً للاعتقاد بأن هذا الشعور قد غرسته في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحلية بجميع صفات الكمال وهي اللّه‏ ، ثم يقول ان عندي شعوراً بوجود ذات كاملة لا تفترق في الوضوح عن شعوري بأن مجموع زوايا مثلث تساوي زاويتين قائمتين إذن اللّه‏ موجود[177] و يعرفها  دتيزجن  (أنها  تنفث في روع صاحبها العلم بالحقيقة المطلقة و تهديه إلى حيث تكمن[178] و قال الدكتور (بول كليرانس ايرسولد) أستاذ الطبيعة الحيوتة (و قد لمس الناس عامة سواء بطريقة فلسفية عقلية أو روحانية ان هنالك قوة فكرية هائلة و نظاماً معجزاً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة أو الحوادث العشوائية الّتي تظهر أحياناً ان هنا لك قوة فكرية هائلة و نظاماً معجزاً في هذا الكون يفوق ما يمكن تفسيره على أساس المصادفة أو الحوادث العشوائية الّتي تظهر أحياناً بين الأشياء غير الحية الّتي تتحرك أو تسير على غير هدي و نجد القرآن الكريم تحدث عن قرار الفطرة بقوله تعالي (فاقم وجهك للدير حنيفاً فطرة اللّه‏ الّتي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق اللّه‏) ـ 30 الروم) و جاء في كتاب الاحتجاج عن الامام الصادق  عليه‏السلام محتجاً على بعض الزنادقة قال له عندما أوشكت السفينة على الغرق قال اتجهت نفسك إلى شيء قال بلي قال ذاك هو اللّه‏ و هذه الظواهر تعطينا اللوحة الواقعية لحقيقة الفطرة و الايمان بوجود خالق لهذه الموجودات ببداهة و وضوح و فطرة سليمة كما ان هذه الظاهرة تكشف عن مدي التجرد أيضاً.

          أما حقيقة الوجدان فقد أشرنا إلى بحث الضمير في كتابنا علم الأخلاق مفصلاً ولنأخذ منه المقتطفات حيث جاء في معجم لالاند في تعريف الضمير (هو خاصية
العقل في إصدار أحكام معيارية تلقائية و مباشرة على القيمة الأخلاقية لبعض الأفعال المقبلة فانه يتخذ شكل صوت يأمر أو ينهي و إذا تعلق بالأفعال الماضية فانه يترجم عن نفسه بمشاعر السرور (الرضاء) و الألم (التأنيب) و هذا الضمير يوصف تبعاً لأحوال المختلفة بوصف الواضح الغامض المريب المخطي) الخ.

          و قد نوقش بأن كلمة الصوت إشارة إلى اللاهوت و ذلك لأنّه يجعل من الضمير أمرا مفروضاً من الخارج على الارادة ، و يمكن ملاحظة التعريف ان إصدار الحكم من قبل الضمير ليس هو حقيقة الضمير لأنّ الحكم ناشي عن وجود موضوع و متفرع عنه و كلمة الصوت أو يقظة الضمير أو الرضاء أو التأنيب كلها آثار لوجود الضمير لاعين حقيقته و هو خلط بين الحقيقة و الآثار.

          و يحدثنا كنت (1724 ـ 1804) ان أسوأ خدمة يمكن ان تسري إلى الأخلاق هي ان نريد استخلاصها من القدوات لأنّ كل قدوة يشار عليّ بها يجب  ان يحكم عليها مقدماً وفقاً المبادي الأخلاقية هل تصلح ان تكون قدوة أصلية أي نموذجاً يحتذي لكنها لا يمكنها بنفسها ان تزودنا بفكرة الأخلاقية و حتى نموذج القديس الّذي يتحدث عنه الانجيل يجب ان يقارن أوّلاً بمثلنا الأعلى  من الكمال الأخلاقي قبل ان نقر بأنه قديس و لهذا يقول هو عن نفسه لماذا تسميني خيراً أنا الّذي تراه (لا خير) لا نموذج للخير إلا اللّه‏ وحده الّذي لا تراه لكن من أين اكتسبنا تصورنا للّه‏ على انه الخير الاسمي فقط؟ من الفكرة الّتي يرسمها  العقل قبلياً للكمال الأخلاقي و الّتي يربطها ربطاً لا انفصام له بتصور الارادة الحرة، و في أمور الأخلاق لا محل أبداً للاقتداء، و القدوات لا تفيد إلا في التشجيع أي انها تزيل الشك عن إمكان تنفيذ ما يأمر به القانون وتدرج تحت العيان ما تعبر عنه القاعدة العملية بطريق أعم لكنها لا تستطيع أبداً ان تعطي الحق في اطراح أصلها الحقيقي القائم في العقل و في السير وفقاً  لها ، و يتخذ من مسلك »كانت»  ان الأخلاق لها الأسبقيه على التجربة و هي كامنة في طبيعه العقل و لا تحدث الأخلاق من التجربة فالنموذجية الّتي يصطلح عليها كانت تعرف عن طريق فكرة الكمال الأخلاقي و يكون تصويره للضمير عبارة أخرى عن العقل العملي.


 

          و لكن الّذي يبدو ان الضمير هو العقل المنسجم مع طبيعة الحق ضد الباطل وان كنا نوافق «كانت» من حيث كونه عقلاً عملياً إلا أنه مع اجتماع قوة النفس كما سار عليه الامام الغزالي[179].

         و يتضح من مجموع العرض ان الضمير من الأمور التجريدية كما في الفطرة أيضاً و الّذي يهمنا في البحث التجريدي ان نقدم زاوية رئيسية في إثبات الواجب المطلق لأنّه الطابع الحقيقي لعنوان التجريد و ان البراهين اليقينية الّتي سقناها كلها دالة على الطابع التجريدي غير المشاهد ويكون وجود اللّه‏ من جملة البراهين غير المشاهدة.

          ذكر (فرانك الن) عالم الطبيعة البيولوجية ان هنا لك أربعة احتمالات للاجباة عن هذا السؤال فاما ان يكون هذا الكون مجرد و هم وخيال و مايتعارض مع القضية الّتي سلمنا بها حول وجوده و اما ان يكون هذا الكون قد نشأ من تلقاء نفسه من العدم و اما ان يكون أبدياً ليس لنشأته بداية و اما ان يكون له خالق.

          أما الاحتمال الأول فقد سار في ركاب هذه النظرية سيرجيمس جينز معتقداً بأن هذا الكون ليس له وجود فعلي وليس له صفحة حقيقية و إنّما هو مجرد ظل في مخيلتنا و هذا غيرصالح للمناقشة لأنّه كيف نفسر وجوده الشخصي و نتحدث معه مع انه لا وجود له.

          و أمّا الاحتمال الثاني فالوجود التلقائي غير مقبول علمياً بعد ان استقرت النظريات الرياضية على ان سنن الحياة لا توجد إلا عن طريق مبدأ السببية.

          وأما الاحتمال الثالث ان الكون في واقعه محتاج إلى التأثير و ليس له كيان ذاتي ان يخلق نفسه بنفسه مع ان ما نلاحظه من حدوث هذا الكون لا بد أن يكون منطلقاً من نقطة زمانية لما في الكون من غيرات و تبدلات ديناميكية و إليك بعض الأمثلة التقريبية على ان حدوث العالم لم يحد تلقائياً أو لم يكن له صفحة أزلية كما حدثنا بذلك جون كلوفر ان البروتينات من المركبات الأساسية في جميع الخلايا الحية و هي
تتكون من خمسة عناصر هي الكربون و الايدروجين و النيتروجين و الاوكسيجين والكبريت و يبلغ عدد الذرات في الجزيء البروتيني الواحد 000/40 ذرة و لما كان عدد العناصر الكيماوية في الطبيعة 92 عنصراً موزعة كلها توزيعاً عشوائياً فان احتمال اجتماع هذه العناصر الخمسة لكي تكون جزئياً من جزئيات البروتين يمكن حسابه لمعرفة كمية المادة التي ينبغي أن تخلط خلطاً مستمراً لكي تؤلف هذا الجزيء ثم لمعرفة طول الفترة الزمنية اللازمة لكي يحدث هذا الاجتماع بين ذرات الجزيء الواحد و قد قام العالم الرياضي السويسيري تشارلز يوجين جاي بحساب هذه العوامل جميعاً فوجد ان الفرصة لا تتهيأ عن طريق المصادفة لتكوين جزيء بروتيني واحد إلا بنسبة إلى 10 160، أي بنسبة 1 الى رقم عشرة مضروباً في نفسه 160 مرة و هو رقم لا يمكن النطق به أو التعبير عنه بكلمات و ينبغي أن تكون كمية المادة التي تلزم لحدوث هذا التفاع بالمصادفة بحيث ينتج جزء واحد أكثر ممّا يتسع له كل هذا الكون بملايين المرات و يتطلب تكوين هذا الجزى‏ء على سطح الأرض و بعدها عن طريق المصادفة بلايين لا تحصى من السنوات قدرا العالم السويسرى بأنها عشرة مضروبة في نفسها 243 مرة من السنين (10 243 سنة) ان البروتينات تتكون من سلاسل طويلة من الاحماض الامينية فكيف تتألف ذرات هذه الجزئيات آنهاإذا تآلفت بطريقة اخرى غير التي تتألف بها تصير غير صالحة للحياة بل تصير في بعض الأحيان سموماً و قد حسب العالم الانجليزي ج ب ليثز الطرق التي يمكن أن تتآلف بها الذرات في أحد الجزئيات البسيطة من البروتينات فوجد ان عددها يبلغ البلايين (10 48) و على ذلك فانّه من المحال عقلاً ان تتآلف كل هذه المصادفات لكي تبني جزئياً بروتيناً واحداً، ولكن البروتينات ليست إلا موارد كيماوية عديمة الحياة و لا تدب فيها الحياة إلا عندما يحل فيها السر العجيب الّذي لا ندري من كنهه شيئاً أنه العقل اللانهائي و هو اللّه‏ وحده الّذي استطاع أن يدرك ببالغ حكمته أن مثل ذلك الجزيء البروتيني يصلح لأن يكون مستقراً للحياة فبناه و صورة و أغدق عليه سر الحياة[180].


 

         و يكون حدوث هذه البروتينات و تزايدها أو نقصانها فى بعض المجالات مما يؤكد وجود نقطه الابتداء و لا يمكن ان تتصف بالأزلية مع ما فيها من الديناميكا و التغير المستمر كما انّه لا يعقل أن تحدث تلقائياً من غير سبب موجود فالالتزام بالأزلية مع كون الموجودات محتاجة في التأثير إلى وجود سبب خلاق لها يستدعى تعدد الآلهة فيكون الخالق و المخلوق في آن واحد و هذا غير معقول فلسفياً و علمياً.

          و ذكر دافيد هيوم (1711 ـ 1776) ان إثبات وجود اللّه‏ لم يكن رغبة من رغبات العقل ولكنه رغبة كبرى من رغبات الضمير و الشعور فالأسباب التي تشكك الفيلسوف في الايمان هي بعينها أسباب المتدين التي تبعثه إلى الايمان و هي الشكايات و الآلام و الشرور و قد تعلق البشر باللّه‏ لأنّهم يعتصمون بالرجاء و ينشدون السعادة و كلاهما باعث أصيل في النفس الانسانية فليكن هذان الباعثان مناط الايمان بوجود اله قادر على السعادة و تلبية الرجاء.

          و يمكننا ان نقدم لك بعض النظريات لاثبات الواجب المطلق.

          1 ـ نظرية الرازي ان وجود العقل في بعض الكائنات الحية و قدرتها على اتقان الصفة يدل على وجود خالق أحسن كل شيء خلقه.

          2 ـ نظرية الفارابي قد ابتدأ بمقدمة منطقية لاثبات الواجب المطلق بأن العلم ينقسم الى تصور مطلق و تصور مع تصديق فمن التصور ما لا يتم إلا بصورة يتقدمه كتصور الجسم لابد من الانتهاء الى تصور يقف و لا يتصور تصور يتقدمه كالوجود و الوجوب و الامكان فان هذه لا حاجة الى تصور شيء قبلها بل هي معاني ظاهرة صحيحة مركوزة في الذهن أما التصديق فمنه ما لا يمكن إدراكه ما لم تدرك قبله أشياء أخرى كما ان تريد ان تعلم ان العلم محدث فيحتاج أولاً أن يحصل التصديق بأن العالم مؤلف بمعنى متغير و كل مؤلف محدث و هذه أحكام أولية ظاهرة في العقل كما ان طرفي النقيض يكون أحدهما صدقاً و الآخر كذباً و ان الكل أعظم من الجزء فهذه معاني مركوزة في الذهن يمكن إظهارها على سبيل التنبيه إذ لا شيء أظهر منها و لا
يبرهن عليها لأنها ببينة بنفسها و لا يمكن الاستغناء عنها في إقامة البرهان على أي قضية لأنّها أسس و أصول بديهية و على هذا اليقين وضع الفارابي برهانه على وجود اللّه‏ و قال ان الموجودات على ضربين أحدهما ممكن الوجود و الثاني واجب الوجود و ممكن الوجود إذا فرض غير موجود لم يلزم عنه محال و أما الواجب فمتى فرض غير موجود لزم عنه محال و لا علة لوجوده و لا يجوز كون وجوده بغيره و الأشياء الممكنة لا يجوز أن تمر بلا نهاية في كونها علة و معلولاً و لا يجوز كونها على سبيل الدور بل لابد من انتهائها إلى شيء واجب و هو الموجود الأوّل الّذي هو السبب الأوّل لوجود الاشياء فان التزم بالمثل الافلاطونية لا يستدعي الانكار و لذا تراه يقول و لما كان الباري أكمل الموجودات وجب أن تكون معرفتنا به أكمل معرفة كما ان معرفتنا بالرياضيات أكمل من معرفتنا بالطبيعيات لان موضوع الأولى أكمل من موضوع الثانية ولكننا بالنظر الى الوجود الأوّل كأننا أمام أبهر الأنوار فلا نستطيع احتماله لضعف أبصارنا لأنّ الضعف الناشيء من ملابستنا بالمادة يقيد معارفنا و يعوقها.

          3 ـ و يحدثنا ابن سيناء عن واجب الوجود متعرضاً أولاً تقسيم الادراك الحيواني إلى ظاهر و باطن و الظاهر ما كان بتوسط الحواس الخمس و الباطن ما كان بتوسط الصورة و هي التي تريك الصورة بعد انعدامها أو بتوسط الواهمة و هي التي تدرك من المحسوس ما لا يحس كهرب الشاة من الذئب أو بتوسط الحافظة و هي خزانة ما يدركه الوهم أو ما كان بتوسط القوة المفكرة و هي التي تتسلط على الودائع في خزانة المصورة و الحافظة فتخلط بعضها ببعض و تفصل بعضها عن بعض فالحس لا يدرك صرف المعنى و لا يدرك الصورة إلا في المادة و إلا مع علائق المادة من كم و كيف واين و وضع و والروح الانسانية هي التي تتمكن من تصور المعنى بحده و حقيقته منقوضاً عنه اللواحق الغريبة مأخوذاً من حيث يشترك فيه الكثير و ذلك بقوة تسمى العقل النظري و ليس شأن المحسوس من حيث هو محسوس ان يعقل و لا من شأن المعقول من حيث هو معقول ان يحس و الحس تعرفه فيما هو من عالم الخلق و العقل تعرفه فيما هو من عالم الأمر و ما هو فوق الخلق و الأمر فهو محتجب عن الحس
و العقل و الذات الاحدية لا سبيل إلى إدراك كنه ذاتها بل تعرف صفاتها و ان عقولنا لا تصلح ان تكون حكماً تحكم بها على أعمال اللّه‏ تعالى و أسراره في خلقه و تدبيره و قضائه و قدره و يأتى إلى طريق إثبات الواجب لا عن طريق المخلوقات بل يستنبط من الامكان الّذي هو الموجود أو ما يجوز الّذي يحتمل العقل وجوده لا بد أن يكون موجوداً أولاً المعبر عنه بواجب الوجود، و اما العالم فممكن الوجود لأنه يحتاج الى اثباته عن طريق مخلوقاته و ان كان لا مانع من ذلك كما في قوله تعالى: « و سنريهم آياتنا في الآفاق و في أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق » أو « لم يكف بربك انّه على كل شيء قدير » فقد أشارت الآية الى كلا الاستدلالين.

          4 ـ نظرية ابن مسكويه بعد أن قدم بيان المعرفة بأنّه ليست بجوهر و لا عرض حيث ان الأجسام لا تعرف إلا عن طريق الحواس و النفوس و ان جاءت بعضها أو كثيراً منها عن طريق الحواس إلا أنّها تدرك أسباب الاتفاق و الحواس تدرك المحسوسات فقط و ليست مستندة إلى علم آخر و إلا للزم التسلسل و يرى ان العالم مخلوق و ان اللّه‏ خالقه من العدم و يرى الموجودات في سلسلة متصلة نحو الكمالات و كأنّه يبدو منه تفطن الى نظرية النشوء و الارتقاء و قد أشرنا إلى نقد هذه النظرية في موطنها.

          5 ـ نظرية ابن الطفيل ان المعرفة تتصور على وجوه:

          أ ـ ان العقل يتدرج من المحسوسات الى الأفكار الكلية.

          ب ـ ان العقل قادر ان يدرك الواجب بآثاره من غير تعلم و إرشاد.

          ج ـ العقل قد يعترية العجز من معرفة الأزلية المطلقة و العدم المطلق و اللانهاية و الزمان و القدم و الحدوث.

          د ـ العقل سواء ترجح لديه قدم العالم أو حدوثه فان اللازم من كل واحد من الاعتقادين شيء واحد و هو وجود اليه.

          ه  ـ الانسان قادر بعقله ان يدرك الفضائل من الجهات الأخلاقية و الاجتماعية و اختفاء الشهوات لحكم العقل و يكون في عرضه هذا ان المعرفة تصل الى الواجب حسب الميزان العقلي.


 

          و يبدو لدينا ان إثبات الواجب المطلق تارة من حيث ذاته و أخرى من حيث مخلوقاته أما ذاته فهي المتصفة بالكمال المطلق و لا نرى من الموجودات الكمال المطلق و إنما يقع الكمال للموجودات بحسب الأمور الاضافية و القضايا النسبية إلا أنه بالاضافة إلى الكمال المطلق تكون الموجودات ناقصة غير كاملة و ان اتصفت بالكمال بالنظر ان بقية الموجودات الأخر كما في طاقة نفوس الانبياء و ما يحمله الأنبياء من نفوس قوية بالقياس إلى ما بينهم كنفسية رسول اللّه‏ بالنسبة إلى سائر الأنبياء ولكنه بالاضافة إلى اللّه‏ يكون عبداللّه‏ محتاج الى الكمال و الفيض من اللّه‏ دائماً.

          هذا مع ما في ذات الواجب المطلق عدم التغير و التبدل الديناميكي الّذي هو موجود بالقياس الى الموجودات الأخرى حيث ان كل حركة أو وجود طاقة حرارية معينة تستدعي الانتقال من حرارة بدرجة معينة إلى درجة أخرى قد انقضى مفعولها و هذا لا يناسب مع الواجب المطلق.

          و ممّا يستدل على إثبات الواجب المطلق بمبدأ العلية و السبية لأن الموجودات لما كانت في دور الحاجة و الفقر و عدم استقلاليتها في الوجود فتكون في حاجة إلى قوة خالقة لها و مدبرة لشؤونها و إليك ما قرأته عن اندروكونو أي ايفي العالم الفسيولوجي إذ كان يحدثنا عن جماعة من رجال الأعمال يتكلم معهم قال اني سمعت ان معظم المشتغلين بالعلوم ملحدون فهل هذا صحيح ثم نظر رجل الأعمال إليّ فأجبته قائلاً اني لا أعتقد ان هذا القول صحيح بل انني على نقيض ذلك وجدت في قراءتي و مناقشاتي ان معظم من اشتغلوا في ميدان العلوم من العباقرة لم يكونوا ملحدين ولكن الناس أساءوا نقل أحاديثهم أو أساءوا فهمهم ثم استطردت قائلاً ان الالحاد أو الالحاد المادي يتعارض مع الطريقة التي يتبعها رجل العلوم في تفكيره و عمله و حياته فهو يتبع المبدأ الّذي يقول بأنه لا يمكن أن توجد آلة دون صانع و هو يستخدم العقل على أساس الحقائق المعروفة و يدخل إلى معمله يحدوه الامل و يتملى‏ء قلبه بالايمان و معظم رجال العلوم يقومون بأعمالهم حباً في المعرفة و في الناس و في اللّه‏ حقيقة ان رجل العلوم يستخدم فكرة الآلية بوصفها إحدى وسائله أو
أوداته فهو يتكلم مثلاً عن آلية الجسم ولكنه يجري بحوثه على أساس مبدأ السببية مبدأ السبب و النتيجة على أساس وحدة الكون و ما يسوده من القانون و النظام و هو كأي إنسان آخر يتخذ كل قرار و يفكر في كل أمر على أساس الايمان بمبدأ السببية ففي علم وظائف الأعضاء عند ما يدرس الانسان النمو و التكوين و الصيانة و إصلاح الجسم يجد ان كل خلية من خلايا الجسم دون استثناء تعرف الدور الّذي تلعبه في سبيل تحقيق سلامة الجسم كله ففي الجهاز العصبي تتسم الأفعال العكسية البسيطة بالغرضية كصفة من صفاتها الأساسية فإذا ما أنعمنا النظر و الدراسة فاننا واصلون حتماً إلى أن الاستعدادات المورثة في تكون العقل قد ركبت بحيث انّه عندما يتأثر هذا العقل بالخبرات الحسية تأثراً كافياً يصل حتماً إلى مبدأ السببية و بعبارة اخرى فان الجهاز المسؤول عن التصرفات الفرضية في سائر الكائنات يزداد تخصصه زيادة مستمرة حتى يصير قادراً على المعرفة التمييزية أو الشعور و يتم ذلك نتيجة لتفاعل الخبرات الحسية مع العقل، و بازدياد قدرة الانسان على التمييز الادراكي تنشأ لديه حاسة ترتيب الأشياء تبعاً لأسبقيتها السببية أو يصير قادراً على رد الأشياء إلى أسبابها الأولى فإذا بدأنا بالطبيعة الغرضية التي تظهر في الخلايا المفردة و تتبعنا ما يطرأ عليها من التطور حتى تصير مدركة للبيئة التي تحيط فاننا نستطيع أن نتوقع ظهور القدرة على الحكم و استخدام قانون السببية الّذي وصل الانسان باستخدامه إلى مزيد من السيطرة على البيئة[181].

         و يقول (اندروكونواي ايفي) ان أحداً لا يستطيع ان يثبت خطأ قانون السببية فبدونه تنعدم جميع الأشياء الحية و العقل البشري لا يستطيع ان يعمل إلا على أساس السببية انني أسلم ان لقانون السببية وجوداً حقيقياً و يحدثنا انه سمع بعض رجال العلوم يقولون ان السببية تنتهي حيث تبدأ الميتافيزيقا أو مبادي التفكير ولكنني لا أوافق على ان يستخدم الانسان هذا القانون في المواطن الّتي تعجبه ثم يرفض استخدامه عندما يخشي النتائج الّتي توصله إليها و إضافة حلقة ميتافيزيقية جديدة إلى
سلسلة السببية لا تعتبر تعارضاً مع المنطق فنحن نفعل ذلك دائماً في ميدان العلوم و في شؤون حياتنا اليومية والبحث عن حقيقة هذه الحلقة للحقيقة الواقعة فعلاً إلا إذا طرقها و اختبرها فالاختيار هو الوسيلة الوحيدة لكشف  الحقيقة حولها[182].

         و على هذا الضوء نتوصل إلى وجود مبدأ العلية و السببية لعدم إمكان تخلف المعلول عن العلة و الوجودات الكونية عن السببية و قانون السببية مبدأ عام لكافة المعلولات التكوينية حيث لا يمكن ان يتخلف فرد عن هذا الحكم المطرد لأنّها داخلة في الأمور الواقعية دون الجهات الاعتبارية الّتي تصلح للتخلف بل الأمور الواقعية غير صالحة للتخلف أصلاً.

          كما ان إثبات الواجب المطلق يمكن الاستدلال به عن طريق التغير و التبدل في جانب الموجودات لأن الالم الكوني دائماً في كل آن في موضع ديناميكي و هذا لا يصلح بالقياس إلى من له الكيان الاستقلالي و الكمال المطلق لأنّ الصفة الديناميكية تقع فيحقل المنفعل و هذا لا ينسجم مع طبيعة المؤثر الحقيقي و الفاعل المطلق، كما نلاحظ المادة المحتوية على الذرات و جزئياتها من كهارب و الكترونات و هذا يعطي لوناًَ من وجود الحركة و التفاعل فالمادة تقع دائماً في معرض التغير والتبدل.

          ويبدو من الدكتور محمّد سعيد رمضان البوطي الخلط بين التحديد الماهوي و ذات الحركة للمادة حيث يعتبر ان التغير لا ينسب كله للمادة اذ يقول ولكن هل نستطيع ان ننسب الحركة و التغيير إلى المادة بصيغة التعميم فنقول مثلاً ان المادة كلها تتحرك و تتغير دائماً هذا ما لا نملك أي دليل علمي عليه بل الدليل العلمي ينقض ذلك، و يقول في نقطة أخرى من حديثة ان في المادة حركة بلا ريب ولكن ذلك لا يعني ان كل ما في المادة يتحرك و من ثم يتغير ويقول في حديثه ان هذا التغاير الملموس بين ماهيات الاشياء ليس إلا أثراً لما هو ساكن في بنية هذه الأشياء و ذراتها فهذا السكون هو الّذي اكسب كل شيء من أشياء المادة المتخالفة جوهره الخاص به فكان ثبات هذا الجوهر ظلاً غير منفك لثبات أي لسكون ما هو ثابت لا تدخير في بنية
تلك الأشياء و اعمق اعماقها[183].

         اذ يتجلي لديك ان ما التزم به الدكتور محمّد سعيد يبدو منه عدم معرفته لحقيقة الواسطة في المعروض فان ما في جوف المادة و ان لاحظه غير متحرك إلا ان الحركة تنسب إلى ذات المادة و تكون الحركة لما في المادة بالتبع و العروض حتماً، اذ لا يمكن التفكيك بين حركة الماده و الواقع في جوف المادة نظير من جلس في السفينة فان الحركة وان كانت للسفينة الا ان الّذي في داخل السفينه تكون حركته تبعية و واسطة في العروض هذا مع انا نجد عدم تفرقته أيضاً بين التحديد الماهوي و ذات الحركة.

          و يستدل على اثباته في زاوية الدور و التسلسل لأن التساؤل من خلق هذا الشجر و الكائنات الحية فان توقف وجود الموجد على الموجودات كان دوراً واضحاً و ان استمر الى ان الشجر من أين نشأ فاذا كان السؤال مستمراً عن سبب الموجد لها كان في خط لا نهائي و هو غير صالح و عندئذ لابد من الوقوف الى ادراك المبدأ الأول في الايجاد و حيث ان المجال في اثبات الواجب المطلق يستدعي ان نقدم صحيفة عريضة ليست في مجال الفلسفة التقليدية فحسب و انما ندرس العلوم الحديثة في جميع ميادينها بما تؤمن بوجود اللّه‏ الا فانظر الى العلم يدعو للايمان لكريسي موريسون يقول ان بعض علماء الفلك يقولون لنا ان مصادفة مرور نجمين متقاربين لدرجة تكفي لاحداث مدّ خفاق هدام هي في نطاق الملايين و ان مصادفة التصادم هي نادرة لدرجة وراء الحسبان و مع ذلك تقول احدى نظريات الفلك انه في وقت ما و لنقل منذ بليوني سنة مضت قد مرّ نجم بالفعل قريباً من شمسنا لدرجة كانت كافية لان تحدث امداداً مروعة و لان تقذف في الفضاء تلك الكواكب السيارة التي تبدو لنا هائلة ولكنها ضئيلة الأهمية من الوجهه الفلكية و من بين تلك الكتل التي اقتلعت تلك الحزمة من الكون التي نسميها القول بانّها اهم جسم نعرفه حتى الآن[184] و يأتي اكريسي
موريسون الى بيان التوازن و الضبط بدقة هائلة يتوصل الى وجود قوة تحفظ هذا التوازن الدقيق بين المنظومات الشمسية و يمثل لنا في عرض آخر عن الهواء و المحيط يقول اذا كان صحيحاً ان درجة حرارة الكرة الأرضية وقت انفصالها عن الشمس كانت حوالي 000/12 درجة أو كانت تلف درجة حرارة سطح الشمس فعندئذ كانت كل العناصر حرة و لذا لم يكن في الامكان وجود أي تركيب كيماوي ذي شأن و لما أخذت الكرة الأرضية أو الأجزاء المكونة لها في ان تبرد تدريجياً حدثت تركيبات و تكونت خلية العالم كما نعرفه و ما كان للأوكسيجين و الهيدروجين ان يتحدا إلا بعد ان هبطت درجة الحرارة الى 4000 درجة فهرنهايت و عند هذه النقطة اندفعت معاً تلك العناصر و كونت الماء الذي نعرفه الآن ان هواء الكرة الأرضية و لابد انه كانت هائلاً في ذلك الحين و جميع المحيطات كانت في السماء و جميع تلك العناصر التي لم تكن قد اتحدت كانت غازات في الهواء و بعد ان تكوّن الماء في الجو الخارجي سقط نحو الأرض ولكنه لم يستطع الوصول اليها اذ كانت درجة الحرارة على مقربة من الأرض اعلى مما كانت على مسافة آلاف الأميال في خارجها و بالطبع جاء الوقت الّذي صار الطوفان يصل فيه الى الأرض ليطير منها ثانية في شكل بخار و لما كانت المحيطات في الهواء فان الفيضانات التي كانت تحدث مع تقدم التبريد كانت فوق الحسبان[185] و يتوصل في منطقة الى ان وجود كمية من الماء أو كمية من الهواء بمقدار معلوم لحفظ مع بيان كيفية الفتق و الرتق و الاتصال و الانفصال من الكتلة الشمسية كل ذلك يعطي عن وجود قوة عظمى ترعى هذا الجانب لأنّه لو كان الهواء ارفع كثيراً ممّا هو فان بعض الشهب التي تحترق الآن كل يوم بالملايين في الهواء الخارجي كانت تضرب في جميع اجزاء الكرة الأرضية و هي تسير بسرعة تتراوح بين ستة اميال و اربعين ميلاً في الثانية و كان في امكانها ان تشعل كل شيء قابل للاحتراق ولو كانت تسير ببط‏ء رصاصة البندقية لارتطمت كلها بالأرض و لكانت العاقبة مروعة[186] ثم يحدثنا عن الغازات التي نتنسمها يومياً لنتخذ من الاوكسيجين و
النتروجين و الارجون و النيون و الكنسيون و الكريبتون و هو يحتوي بخار الماء و كذا ثاني أوكسيد الكربون بنسبة 100 من 1 % أو نحو ثلاثة اجزاء من 000/10 و الغازات النادرة تظهر نفسها في شكل الالوان الحمراء و الزرقاء و الخضراء بلا فتات الاعلان اما الارجون الذي يوجد في الهواء بنسبة 6 / 10 في 1 % فانه يعطينا النور الساطع الباهر الّذي تتقدم به المدنية حيث يستخدم و يوجد النيتروجين بنسبة 78 % تقريباً في الهواء في حين تحدد نسبة الاوكسيجين عادة 21 % و الهواء في جملته يضغط على الأرض بمعدل خمسة عشر رطلاً تقريباً على البوصة المربعة من السطح بمستوى البحر و الاوكسيجين الّذي يوجد في الهواء هو جزء من الضغط و هو بمعدل نحو ثلاثة ارطال على البوصة المربعة و كل الباقي من الاوكسيجين محبوس في شكل مركبات في قشرة الارض و هو يكوّن 8 / 10 من جميع المياه في العالم و الاوكسيجين هو نسبة الحياة لكل الحيوانات التي فوق الأرض و هو  لا يمكن الحصول عليه لهذا الغرض إلا من الهواء و لنا الآن ان نسأل كيف ان هذا العنصر ذي النشاط البالغ من الوجهة الكيموية قد افلت من الاتحاد مع غيره و ترك في الجو بنفس النسبة تقريباً اللازمة لجميع الكائنات الحية ولو كان الاوكسيجين بنسبة 50 % مثلاً أو أكثر من الهواء بدلاً من 21 % فان جميع المواد القابلة للاحتراق في العالم تصبح عرضة للاشتعال لدرجة ان أول شرارة من البرق تصيب شجرة لابد ان تلهب الغابة حتى لتكاد تنفجر ولو ان نسبة الاوكسيجين في الهواء قد هبطت الى 10  % أو اقل فان الحياة ربما طابقت نفسها عليها في خلال الدهور ولكن في هذه الحالة كان القليل من عناصر المدنية التي الفها الانسان كالنار مثلاً تتوافر له و اذا امتص الاوكسيجين الطليق ذلك الجزء الواحد من عدة ملايين من مادة الأرض فان كل حياة حيوانية تقف على الفور، ان العلاقة بين الأوكسيجين و ثاني اوكسيد الكربون فيما يتعلق بالحياة الحيوانية و عالم النباتات كله قد استرعت انظار كل العالم، و يكون حديث اكريسي موريسون في بيان جهة الكمية التي في جانب الاوكسيجين و النتروجين و الارجون و النيون و الكنسيون و الكربيتون المحتوي
على بخار الماء او نسبة ثاني اوكسيد الكربون كل هذه تعطي اللوحة عن وجود قوة ترعى هذا العطاء المتوازي و مثل هذا التنظيم المحكم لا يعقل ان يقع في صفحة الماجأة حيث قد اشرنا الى ان قانون السببية يدفع كل هذه التصورات اللامنطقية.

          و يحدثنا جون ادولف بوهلر استاذ الكيمياء في كلية اندرسون قال لكي ندرك كيف تنتسب القوانين الكيموية الى اللّه‏ و نتبين مبلغ قصور العقل الانساني و نعرف لماذا ينبغي ان يتواضع الناس جميعاً حتى أولئك الّذين نعدهم من العباقرة فانني أحب أن على قرائي قراءة لمحة تاريخية موجزة عن علم الكيمياء الّذي هو ميدان تخصصى وسف أحاول الابتعاد عن المصطلحات الفنية و ان أكون واضحاً ما استطعت فمنذ فجر المدنية و الانسان يحاول ان يفهم كنه التغييرات التي تطرأ على ما يحيط به من عالم الماديات و قد كان فهمه للمادة في باديء الأمر يشوبه النقص و الغموض و كان ديمقريطس الذي عاش قبل الميلاد بنحو 400 سنة أول من وصل عن طرق التخمين الى ان جميع الأشياء تتألف من دقائق صغيرة تعتبر كل منها وحدة قائمة بذاتها و تختلف هذه الفكرة عما كان شائعاً من قبل ان المادة تتألف من كتلة واحدة متصلة و لما كانت فكرة ديمقريطس لا تتفق مع ما تشاهده العين من امر المادة فقد بقيت هذه الفكرة مدفونة تحت انقاض ما كان يسود ذلك العهد من شك في صحتها و ظلت الكيمياء القديمة و ما صاحبها من ضروب الشعوذة و السحر الفي سنة و هي تحاول ان تجد تفسيراً لمعنى المادة و في حوالي منتصف القرن السابع عاد روبرت بويل الى فكرة ديمقريطس من جديد و اطلق اسم العنصر على كل مادة من المواد البسيطة التي لا يمكن تحويلها في المعمل الى ابسط منها و العناصر بهذا المعنى تختلف عن المعنى الذي ذهب اليه ارسطاطاليس حينما رأى ان العناصر التي تتألف منها المادة هي الأرض و النار و الهواء و الماء و في سنة 1774 اكتشف جون بريستلي الاوكسيجين و في سنة 1776 توصل لوردكا فينديش الى عنصر الايدروجين و بعد فترة وجيزة اكتشف لافوازييه ان الهواء خليط من الاوكسيجين و النيتروجين و استنبط ان الماء هو الآخر لا يمكن ان يكون عنصراً لأنّه يمكن تحضيره باحراق الايدروجين في الهواء[187] ثم
توصل جون ادولف بعد العرض التاريخي للمادة الكيمياوية الى الايمان بوجود قوة مدبرة و منسقة لهذه المادة لحفظ توازنها و وجود نظام دقيق يرعى هذا التكاثر المروع فيها و يعتقد ان هنالك كثيراً من الأشياء مما لم يصل الانسان بعد الى معرفة كنهه أو تفسيره و مما لا يزال يكتنفه الغموض فاننا لا نريد ان نقع في نفس الخطأ الّذي وقع فيه الأقدمون عندما اتخذوا آلهة لكي يجدوا تفسيراً لما غمض عليهم و حددوا لكل اله قدرته و عينوا له وظيفته و دائرة تخصصه ثم يستطرد في حديثه الى اثبات اللّه‏ قال و والواجب ان نلتمس قدرة اللّه‏ في النظام الّذي خلقه و القوانين التي اخضع لها جميع الظواهر و الأشياء[188].

         و ممّا نشهده من التوازن و النظام و السببية و التغيير و الكمال المطلق توصلنا إلى اثبات الواجب المطلق و هي واقعة في حقل التجرد و لا تقع في ميدان التجربة.

          أما الأدلة الفطرية على اثبات الواجب المطلق فيمكن ان تتصور على اربعة انحاء :

          1 ـ بطلان الدور و اقسامه.

          2 ـ بطلان التسلسل.

          3 ـ بطلان الرجحان من غير مرجح.

          4 ـ قانون العلية.

          إلا انه اشرنا إلى وجه بطلان الدور و أقسامه من جهه توقف احد الوجودين على الآخر حيث انه ينقسم إلى صريح كتوقف أعلي باءوب متوقف على أ أو توقف‏على نفسه كتوقف  أ على أ نفسه أو ينقسم أي مضمر و هو الّذي يستدعي الواسطة كتوقف على ب و ب يتوقف على ج و ج يتوقف على أ فالصريح لم يكن فيه الواسطة و المضمر ما استدعى في وجوده الواسطة والغرض من بيان البطلان ان يتوقف الوجود الكوني على الواجب المطلق و الواجب المطلق يكون متوقفاً على الوجود الكوني و
هذا محال.

          و هكذا عند تتبعنا لصحيفة التسلسل بان تقع الوجودات متولدة بعضها عن بعض إلى خط لا نهائي، وهذا باطل لأنّ الممكنات بحسب واقعها الموضوعي لابد ان تقف على خط مرجح يقدم احد الممكنات على الأخرى، حيث لايمكن ان تكون في تساوٍ مستمر و بهذا لا بد من الوصول إلى مصدر العلل الّذي ابدع و الا اذا قلت لصديقك من اين وجدت الدجاجة فيجيبك من البيضة ثم تسأل من أين وجدت البيضة فيجيبك من الدجاجة و هكذا فان السؤال ان لم ينقطع يكون تسلسلاً مستمراً و هو باطل بالضرورة العقلية نظير لو سألت ما هي علة وجود هذا الكون فاذا كان الجواب بانها وجود موجود آخر يتقدمه تسأله ثانياً ما علة وجود ذلك الموجود المتقدم يجبك انها موجود ثالث اقدم في الوجود و هكذا إلى ان لا ينتهى إلى رقم معين و هو من الأمور الباطلة حيث لا بدمن الوقوف الى مصدر موجد لهذه المعلولات الإمكانية.

          و الغرض من بطلان الرجحان من غير

          رجح انه عند تغير بعض الوجودات لا بد من وجود ميزة و رحجان استدعى هذا التغيير والتحول فاذا لم يكن وجود مرجح يكون باطلاً حيث ان الوجودات كما اوضحناها في الوجود الكلاسيكي على ثلاثة أقسام الوجوب و الامتناع والامكان و يكون صورة الواجب مايحيل العقل بامتناعه و ما اتصف بالامتناع ما يحيل العقل بوجوده، ما اتصف بالامكان عبارة عن اللااقتضاء و هو لا يحل العقل بوجوده ولا بعدمه.

          أما بيان قانون العلة فقد اشرنا اليه غير مرة إلى ان الوجودات الكونية لا بد ان تستمد من طاقة عظمى و علة اولى مبدعة لهذه الموجودات حيث لايمكن ان توجد صدفة من غير علة لقضاء الفطرة بذلك نظير ما لو رأيت اجزاء السيارة المبعثرة على الأرض ثم بعد فترة جئت ثانياً و رأيت الأجزاء قد تركبت و صارت بشكل سيارة تقول ان هذه الأجزاء المبعثرة المفككة الأجزاء لا بد من موجد ركبها و أوجد هذا الشكل و الصورة أو وجدت طائرة محلقة اكتشافية على أجواء بعض الدول فانها لا تطير إلى
تلك المنطقة إلا بسبب الموجه لها و هكذا فان كافة الموجودات لا تستغني عن وجود طاقة كبرى ترعى التوازن و النظام ولا يمكن ان توجد تلقائياً من غير علة ويتجلى لديك انه لا مجال للالتزام بارجاع العالم كله إلى المادة و انها ليست هي المصدر الرئيسي لهذه الموجودات الكونية الحافظة لهذا التوازن و النظام الجميل فاذا قدر ان المادة هي الأصلية للعالم يستلزم المناقضة الواضحة لأنّ طبيعة النقضين كما حررنا هما في ميدانهما الميتافيزيقي لا يجتمعان في موضوع واحد، و وقت واحد، و يكون دور التناقض منطبقاً على مثل المادة في جسم الانسان اذ طبيعة المادة عدم التعقل و الوعي و في الانسان وعي و روح يميزبين الحقيقة و عدمها و يستدعي في حجم الانسان وجود وعي ولا وعي في ان واحد وفي محل واحد كما يتضح لديك عدم استقامة المادية التاريخية بجعل القيم و المعارف ناشئة عن العامل الاقتصادي و ان تركيب المجتمع، و تطوره مستمد ، من الوضع الاقتصادي بسبب رأس المال والانتاج وتصوير التناقض من العوامل الداخلية و ليس باسباب العوامل الخارجية.

          و قد ساقوا أمثلة كثيرة كتناقض الحركة[189]، و التناقض في الحياة[190]، و التناقض في الفيزياء، كما بين السالب و الموجب في الكهرباء[191] و التناقض بين الفعل ورده في الميكانيك[192]، و التناقض في الحرب[193]، و التناقض في الحكم ، كما يذكره (كيدروف) ايام كانت بساطة الحكم و مهما بدأ عادياً هذا الحكم فهو يحتوي على بذور أو عناصر تناقضات ديالكتية تتحرك و تنمو داخل نطاق المعرفة البشرية كلها[194].

         و ذهب (انجلز) إلى ان الفكر لم يخلق المادة و انما المادة هي الّتي خلقت الفكر.

          الا ان الّذي نلاحظه ان تطور الانتاج بسبب رأس المال لا يحقق موضوعاً عاماً لكافة الموجودات الكونية و انما هو فكر مستمد عن بعض المجتمعات البشرية وقد
اوضحنا انه لا بد من التفرقة بين التناقض و التضاد والتناقض الداخلي ليس تناقضاً حقيقياً و انما هو من نوع التضاد و المادية التاريخية تقع من الحالات و العوارض و ليست دخيلة في حقيقة الشيء كما انا قد اوضحنا بطلان نظرية التطور في الميدان الفلسفي و انه ليس المادة و الحركة أي تطور لأنّ كل مادة تتلبس برداء خاص لا ينسجم مع الرداء الآخرهذا مع وقوع الملتزم بالمادية التاريخية عدة تناقضات :

          1 ـ المشاركة بين الانسان و الحيوان في الانتاج فكيف حصل التطور الاقتصادي في جانب الانسان ولم يسر في الحيوان، فاذا كان الجواب لجهة المايز بين الانسان و الحيوان في التفكير و العقل كيف صح انكار موضوعية التفكير بتقديم المادة عليه، كما حدثنا بذلك انجلز ان الفكر لم يخلق المادة وانما المادة هي الّتي خلقت الفكر؟.

          2 ـ اذا كان المجتمع في تساوٍ طبقي فلا بد ان يقف التفكير لعدم موضوعية الصراع بين الطبقية و اللاطبقية و هذا ممّا يوجب احجام التفكير و الوقوف إلى جانب واحد بينما نجد ميدان التفكير اوسع من ذلك.

          3 ـ ان كثرة تضخم رأس المال لا يستلزم  التحرك الثوري او ما يوجب الانتقال في كثرة الانتاج إلى )البروليتاريا) لأنّه لا نجد ذلك محققاً في امريكا و سويسرا و في الدولي الغربية.

          و المهم في العرض ان التفكير من الأمور التجريدية الّذي لا يصلح ان يكون خاضعاً لأمور مادية منبعها الاقتصاد الّذي هو معلول للانسان و لا بد ان نميز بين أصل وجود التفكير و تطوره حيث ان في الانسان طاقة التفكير و يكون دور التطور باسباب تعقيد الحياة و لايختص التصور في اطار الاقتصاد و انما هو احد الأسباب الموجبة لتطوره في ميدان الحياة لا انه مخلوق للاقتصاد.

 

76 ـ الديالكتيك :

          اشرنا إلى كلمة الديالكتيك انها تعطي معنى  الجدل و يكون بحسب العرف المنطقي (الجدل صناعة علمية يقتدر معها حسب الافكار على اقامة الحجة من
المقدمات المسلمة على أي مطلوب يراد و على محافظة أي وضع يتفق على وجه لا تتوجه عليه مناقضته ).

          و فائدة الجدل هو الوصول إلى نتيجة حتمية توجب اسكات الخصم سواء كان عن قناعة ام لا مع ما يترتب عليه مع القناعة لصاحب البرهان و قوة التصور و معرفة الطرق لكيفية الاستدلال في إيقاف الخصم.

          و يقوم الجدل على ركنين احدهما سائل و آخر مجيب و يسمي الأول المحافظ و الثاني الناقض ، و طرق الاسئلة ان يستوحي من السائل الاعتراف الضمني و يؤلف السائل طرقاً قياسية قد اعترف بها الخصم و يكون دور المحافظ و هو المجيب ان يأخذ الطرق السهلة و الأدلة الوجدانية فيستلهم المشهورات الحقيقية و هي الّتي لا ترتفع شهرتها، بعد التفكير و الروية، بخلاف المشهورات الظاهرية فانها تزول عند التأمل، كماورد (انصر اخاك ظالماً او مظلوما) و لكن المشهور الحقيقي لا يزول فان قو

          لك لا تنصر الظالم سواء كان اخا ام غيره.

          اما المشهورات المحفوفة بالقرينة فليست لذات الشهوة ، و إنّما هي مستعانة بواسطة القرينة فالعرض لدي المجيب هو القسم الأول.

          ثم المشهورات اما بالمعنى الاعم وهي القائمة على بناء العقلاء مثل الكل اعظم من الجزء و اما بالمعنى الخاص و هو فيما لو خلى الانسان و طبعه ما اعترف بها الا عند الروية و التأمل كحسن العدل وقبح الظلم.

          و كذا يأخذ المجيب بالمسلمات و هي الّتي يتسالم عليها الجميع سواء كانت صادقة ام كاذبة ، و يأخذ أيضاً بالاوليات و هي الواضحة عند كافة المجتمع البشري كالكل اعظم من  الجزء او ياخذ بالمشاهدات القائمة على الحس او بالمتواترات وذلك عند اخبار جماعة يمتنع تواطئهم على الكذب كالاخبار بوجود المدينة المنورة و مكة المشرفة و وجود بيت المقدس ، او بالفطريات و هي الّتي قياسها معها كالاثنين نصف الاربعة و ربع الثمانية.

          أن هذا الاتجاه في التمسك بصحة الاستدلال يتخذ شكل التجريد و لا يقوم
على التجربة بشتي اشكالها لانه لا يمكن اخضاع الاستدلال في مثل هذه الطرق تحت التجربة أبداً ، و كذا فيما لو اراد ان يتجه المجيب إلى الطرق البرهانية الّتي هي قبل الجدل لأنّ طبيعة الجدل كما ذكر في موطنه متأخر دائماً عن البرهان.

          و بيان البرهان كما تعرض اليه المناطقة بانه عبارة عن قياس مؤلف من يقينيات تـنـتج يقيناً بالذات اضطراراً و عند تأليف مقدمتين يقينتين يكون مفادهما البرهان،النتيجة لابد ان تصبح يقينية بحكم المقدمتين البرهان القياسي و ليس من التمثيل و الاستقراء لانها طرق ظنية فلا يكشفان الجزمية و اليقينية و يكون المحور في إقامة البرهان هو الحد المتكدر لانه العلة في اثبات المطلوب ، و يطلق عليه الواسطة في الاثبات.

          ويقسم البرهان إلى لمي وآني (والبرهان اللمي هو الّذي يستدعي الانتقال من المعلول إلى العلة)، و البرهان الاني هو الانتقال من العلة إلى المعلول و (البرهان الاني واسطة في الاثبات) و البرهان الللمي واسطة في الثبوت (و يكون الدور الاستدلالي في البرهان الاني ان الاوسط يقع معلولاً للاكبر عند تحققه للاصغر) او يكون الاوسط و الاكبر كلاهما معلولين لعلة واحدة.

          ثم ان البرهان اللمي (اما ان يكون وجوده علة في اثبات الاكبر للاصغرالاكبرطابعه المحمول) و الاصغر طابعه الموضوع، فبطبيعة الحال يكون المحمول علة لاثبات موضوعه كما يقال ان علة الحرارة موجبة لتمدد الحديد.

          ولنتوصل بهذا العرض الموجز ان الادلة البرهانية سواء كانت لمية اوآنية فانها توصلنا إلى نتيجة يقينية اصالتها التجريد و تكون عامة و سارية في جميع العلوم.

 

77 ـ العنصر المحايد :

          مذهب  العنصر  المحايد  قائم  على  تفسير  الوجود  بما انه منفصل عن  اتجاه المادة و الروح  منفردين و لانه  قد  لوحظ  مع  المادة  و  الروح مجتمعين  و ك إنّما الوجود صفحة مستقلة ليس بمادة و لا بعقل مع الروح، و قد تبني هذا المذهب و ليم
جيمس (1883 ـ 1910م)  الفيلسوف الاميريكي البرجماتي ، و يعتقد ان الشعور و العقل و النفس  كلها رموز الى الإدراك الحسي ليصبح الانسان بواسطتها عارفاً و مدركاً لفكرة ما ينتجه ذلك ان الشعور و العقل و النفس ليست وجودات مستقلة و إنّما هي مرتبطة بالمادة ويقع العقل و المادة مظهرين لشي واحد و هو ( الهيولي) المسمى بالعنصر المحايد و (الهيولي) ليس بعقل و لا مادة و لا نفس.

          و الّذي يصطلح عليه في العصر الحديث بالمادة الخام هي العنصر المحايد و سار على هذا المذهب (برتداندرسل) الفيلسوف الانجليزي اذ يقولا عقيدتي ان جيمس قد اصاب في رفض الشعور باعتباره كائناً قائماً بذاته و ان الواقعيين الامريكيين قد اصابوا بعض الصواب في اعتبارهم العقل كليهما مؤلفين من الهيولي محايدة لا هي بالعقلية ولا هي بالمادية اذ عزلناها وحدها ـ و يكون اتجاه رسل عدم التمسك بمبدأ الثنائية و هو كون الوجود قائماً على المادة و العقل ، وقد اطلق رسل على العنصر المحايد الواحدية المحايدة ، و يعتقد ان هذه الماده قابله ان تتجلي بمجموعة حوادث او احساسات و هكذا بالنظر إلى العقل و ليس الفرق بين العقل و المادة اختلافاً جوهرياً و إنّما اختلافهما بالدرجة دون النوع.

          و بعد عرض خلاصة اجمالية عن العنصر المحايد و اختلاف أنظار الفلاسفة حول تحديد الوجود اما بالمادة او العقل، و الروح، او الروح، و المادة او العنصر المحايد، فان العالم متكون من عنصرين و هما العقل الّذي به يدرك الكليات و الموضعات العامة الا انه يختلف بحسب هويته، و طبيعته بلحاظ، وجوده المشكك الّذي يختلف بالكمال و النقص و هو من الطبيعة المجردة او من المادة الّتي يستقر عليها الوجود الجسماني بشتي صوره و اشكاله الكمية والكيفية ، اما تصوير العنصر المحايد فامر فرضي ليس له وجود في عالم التصور و الحقيقة لأنّ الامور اما ان تخضع للامور الواقعية و هي التحديدات من الجنس و الفصل و اما ان تخضع تحت المقولة و هي الاعيان الخارجية او ما كانت منتزعة من الاعيان الخارجية كالفرقية و التحتية و اما ان تكون من الأمور الاعتبارية الخاضعة تحت الجعل و الاعتبار فالعنصر المحايد على
جميع هذه الأمور لا يمكن انطباقه عليها.

          اما اذا جئناه من زاوية كونه في معرض الاستعداد و التلقى دون التلبس بالفعلية، فالمادة الخام ان كانت في دور الاستعداد فلا تصدق عليها بالعنصر المحايد لانه كيف يقع في ان مادته سلب المادة عنهو في ان كونه عقلاً سلب العقل عنه و إنّما هو صالح لأنّ يرتدي كلاً منهما و هذا يؤدي معنى  العدم أي ليس‏فتكون القضية من نوع مانعة الخلو و هو ان الوجود اما من فصيلة ما يدرك الكليات اولا و الثاني هو المادة و الأول هوالفعل فتكون القسمة للوجود من نوع الحصر العقلي دون الوجود الاستقرائي الّذي يمكن فرض وجود ثالث اورابع و هكذا و على أي حال فان العنصر المحايد يقع من المجردات لأنّه في ان العرض عليه بالفعل او الروح او الشعور والمادة من منح المجردات لأنّه في ان العرض عليه بالفعل او الروح او الشعور و المادة من منح المجردات ويتناسب هذا القول مع فرضية الحال كما ذهب اليه بعض المتكلمين بان الواسطة بين الوجود و العدم هي الحال و قدرفضها الفلاسفه وقالوا بعدم الواسطة، و على تقدير تماميته فهو أيضاً من المجردات كالعنصر المحايد.

          أن مجموع ما قدمناه امامك اضواء لحقيقة التجرد و ان كان هنالك ادلة كثبرة دالة على التجرد و لاتصلح للتجربة كاداة الشرطية و القضايا لجنسية والتعزير و نحوها إلا ان ما ذكرناه كفاية في اثبات التجرد و الوصول إلى الحقيقة بما وراء الحواس اذ الحقيقة لا تنحصر في اطار الحواس كماانهالا تتحد في اعماق الفكر كما سار عليه هيجل الّتي يعبر عنها بالوجود المطلق وهي مرحلة نظام الشيء في ذاته بمعنى  نظام الشعور حتى تنتقل إلى ماهيته المسماة بنظام الشيء من أجل ذاته وانما صفحه الحقيقة تعم الجهات التجريدية و الحسية.


 

[1] . المنطق المقارن للمؤلف مخطوط .

 

[2] . مانويل كنت ص 207.

 

[3] . علم النفس المعاصر ص 212.

 

[4] . المحاكمات بين الكفاية و الاعلام الثلاث ج 3 ص 52 ـ 146 تقريرات سماحه الوالد للمؤلف.

 

[5] . راجع المدخل للعقود و الايقاعات للمؤلف.

 

[6] . تعليقه اليزدي على المكاسب ص 120 ج 1 ط 1375 هـ .

 

[7] . تعليقه الاصفهاني ج 1 ص 5 ط حجرية.

 

[8] . علم النفس المعاصر للدكتور حلمي المليجي ص 22.

 

[9] . التفكير الفلسفي الاسلامي ص 201.

 

[10] . منطق الاشارات ص 317 .

 

[11] . مدخل علم النفس ص 237.

 

[12] . مدخل علم النفس ص 214 ـ 224.

 

[13] . مدخل علم النفس ص 214 ـ 224 .

 

[14] . الانسان ذلك المجهول ص 72.

 

[15] . الدفاتر الفلسفية 1/ 32 المادية و المذهب التجريبي النقدي 77 و القضايا الأساسية في الماركسية لبيخانوف 11 و المادية الديالكتيكية 255.

 

[16] . منطق المظفر 456.

 

[17] . هيدجر الوجود و الزمان ص 421 ـ 422 .

 

[18] . افلوطين التساعات الثالثة 72 ف 10.

 

[19] . الوجود و الزمان ص 432 تعليق 2.

 

[20] . كارل ماركس ص 58 .

 

[21] . حول التناقض.

 

[22] . الكون و الفساد ص 168 ـ 169.

 

[23] . الكون و الفساد ص 154.

 

[24] . المحاكمات ج 1 ص 164.

 

[25] . جون لوك للدكتور محمّد فتحي الكشنيطي ص 80 ـ 81.

 

[26] . المنطق و فلسفة العلوم ترجمة الدكتور فؤاد حسن زكريا ص 418 ـ 419.

 

[27] . المنطق جون ديوي ص 240 ـ 241

 

[28] . حوليات ص 8 ـ 13 ـ 18 المرآة و الفلسفة الحولية الثانية عام 1981 جامعة الكويت ـ مجلة تصدرها كلية الآداب.

 

[29] . نقد العقل المجرد ص 766 ـ 781.

 

[30] . المنطق و الفلسفة ترجمة الدكتور فؤاد حسن زكريا ص 128.

 

[31] . احياء العلوم ج 3 ص 78.

 

[32] . الموجز في مسائل الفلسفة الاسلامية د . كمال اليازجي ص 29 ـ 26 ط 1 سنة 1975.

 

[33] . المحاكمة في القضاء لسماحه الوالد ص 81.

 

[34] . ياقوت ص 13.

 

[35] . دروس في الأخلاق لماريون 80 ـ 81.

 

[36] . أرسطو ـ ماجد فخري ص 114.

 

[37] . أرسطو ـ ماجد فخري ص 122.

 

[38] . الميزان ص 67 ـ 68 الغزالي.

 

[39] . الرسالة القشيرية ص 133 ـ ط 1959 القاهرة.

 

[40] . الاخلاق نظرية ص 62.

 

[41] . المصدر نفسه ص 67 ـ 68.

 

[42] . نقد العقل المجرد ص 685 ـ 686.

 

[43] . مناهج البحث العلمي ص 156 للدكتور عبد الرحمن بدوي.

 

[44] . المنطق و فلسفة العلوم للدكتور حلمي المليجي ص 293.

 

[45] . المنطق الحديث و مناهج البحث ص152.

 

[46] . علم النفس المعاصر ص 53.

 

[47] . اللّه‏ يتجلي في عصر العلم ص 11 ط 3 لجون كلوفر مونسما ترجمة الدكتور الدمرداش.

 

[48] . تاريخ الفكر الفلسفي ص 180 ـ 181 .

 

[49] . تاريخ الفلسفة الغربية ج 1 ص 339 ـ 335 ط 3 ـ 1978.

 

[50] . أسس علم الاجتماع ص 144 ـ 147.

 

[51] . أسس علم الاجتماع ص 146.

 

[52] . [250]  المنطق و فلسفة العلوم ص 264 ـ 266.

 

[53] . المصدر نفسه ص 266 ـ 267.

 

[54] . لينين ج 1 ص 201 دار التقدم موسكو 1966.

 

[55] . عالم الفكر مجلد 5 عدد 1 للدكتور مؤنس ص 76 كويت.

 

[56] . عالم الفكر مجلد 5 عدد 1 للدكتور مؤنس ص 81 ـ 82.

 

[57] . المنطق و الفلسفة العلوم ص 257.

 

[58] . المنطق و فلسفة العلوم ص 259.

 

[59] . المراد من الوثيقه المعنوية و هي الّتي تضم الدراسات التاريخيه الّتي دونت من قبل جماعة من المؤرخينوالرسائل المحررة منقبل القاده والمفكرين أو السجلات الرسمية كماتدونمنقبل المحاكم أو الصحف أو نقل الشهود أو مايستعرضه الأديب من شعر و قصص كما انه يجب على الذين يريدون التخصص في البحوث التاريخية ان يعطوا مرحلة البحث عن الوثائق والرجوع إلى الفهارس حقها من الأهمية فلا يسرعوا في اختيار موضعات بحثهم قبل التأكدمنوجود الوثائق والمراجع التيتتصل بهذه الموضوعات . المنطق الحديث و مناهج البحث ص 467.

 

[60] . المحاكمات بين الكفاية و الاعلام الثلاث للمؤلف

 

[61] . المنطق و فلسفة العلوم ص 260.

 

[62] . عالم الفكر عدد 1 ابريل 1974 دكتور محمّد عواد حسين ص 135.

 

[63] . عالم الفكر عدد 1 ابريل 1974 دكتور محمّد عواد حسين ص 145.

 

[64] . الثقافة الجديده العدد 11 السنة 7 ص 10.

 

[65] . لينين ماركس انجلز و الماركسية ص 24.

 

[66] . ما هي المادية ص 46.

 

[67] . فلسفتنا ص 98.

 

[68] . المنطق نظرية البحث ص 390 ـ 391.

 

[69] . المنطق نظرية البحث ص 390.

 

[70] . المنطق نظرية البحث ص 392.

 

[71] . فلسفة التاريخ ص 44.

 

[72] . المنطق نظرية البحث ص 392

 

[73] . المنطق نظرية البحث ص 393.

 

[74] . المنطق نظرية البحث ص 395.

 

[75] . مسأله الجبر و الاختيار جاءت قبل الاسلام و تحدثعنها فلاسفه اليونان و نقلها السريانيون وتكلم فيها الزرداشتية كما بحث عنها النصاري ثم المسلمون ص 248 . فجر الاسلام للدكتور أحمد أمين ط 1995 مصر.

 

[76] . راجع ما كتبته في مصادر الاختيار.

 

[77] . المحاكمات ج 3 ص 20 ط 1 المؤلف.

 

[78] . رسالة التصديق  و الاسفار للفيلسوف الشيرازي و المحاكمات ج 3 ص 3029 المؤلف.

 

[79] . اعرف نفسك دكتور فاخر عاقل ص 156.

 

[80] . اسمه بيلاج.

 

[81] . الموسوعة النفسيه الارادة مسلسل 15 ص 16 ـ 68.

 

[82] . المحاكمات ج 3 ص 98.

 

[83] . أنوار الوسائل ج 2 ص 407.

 

[84] . المحاكمات ج 1 ص 74.

 

[85] . موسوعة نفسية ـ الذاكرة مسلسل 10 ص 179 للدكتور مصطفي غالب ط 1979م .

 

[86] . علم النفس المعاصر ص 218 ـ 221.

 

[87] . المنطق الصوري للدكتور عبد الرحمن بدوي ص 103.

 

[88] . المنطق المقارن للمؤلف.

 

[89] . التفكير الفلسفي الاسلامي للدكتور سليمان دنيا ص 139 ـ 140 ط 1/ 1967 م مطبعة السنة المحمدية.

 

[90] . نحو فلسفة علمية ص 204.

 

[91] . مبادي الفلسفة ديكارت للدكتور عثمان أمين ص 68 ـ 69.

 

[92] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[93] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[94] . المدخل في علم السياسة ص 712 ط 3.

 

[95] . جولة في السياسة الدولية ص 223 ـ 224 ط 1978 د . حسن الابراهيم د. يوسف عباس د . عزيز شكري.

 

[96] . القاموس السياسي ص 812 ط 3 عام 1968 أحمد عطية اللّه‏.

 

[97] . محاضرات ج 1 ص 206 ط 1962 م النجف.

 

[98] . دراسات أصولية للمؤلف.

 

[99] . المحاكمات ج 2 ص 159 ط 1 للمؤلف.

 

[100] . منطق جون ديوي ص 700 في الهامش.

 

[101] . مدخل علم النفس العام ص 275 ـ 276.

 

[102] . علم النفس المعاصر ص 135.

 

[103] . موسوعة علم النفس ـ التنويم المغناطيسي ص 41.

 

[104] . موسوعة علم النفس التنويم المغناطيسي ص 41.

 

[105] . علم النفس المعاصر ص 141 للدكتور حلمي المليجي.

 

[106] . منطق جون ديوي ص 722 ـ 723.

 

[107] . علم النفس المعاصر  ص 222.

 

[108] . الموسوعة النفسية ص 139.

 

[109] . كلمة الجشتالط المانية  و يقصد بها الصورة أو الصيغة أو الشكل أو البناء أو التنظيم أو الكل المتكامل أو الاطار.

 

[110] . علم النفس العام ص 189 .

 

[111] . المصدر نفسه ص 192 ـ 193.

 

[112] . علم النفس التربوي لجماعة من الدكاتره د . محمّد خيري ص 28.

 

[113] . علم النفس المعاصر ص 175 للدكتور حلمي المليجي.

 

[114] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[115] . علم النفس المعاصر ص 177.

 

[116] . مدخل علم النفس ص 412.

 

[117] . مدخل علم النفس ص 413.

 

[118] . علم النفس المعاصر ص 320 ـ 321.

 

[119] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[120] . دراسات أصولية ـ للمؤلف.

 

[121] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[122] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[123] . علم الاجتماع للدكتور محمّد عاطف ج 1 ص 275 ط 1966 .

 

[124] . علم الاجتماع للدكتور محمّد عطاف ج 1 ص 275 ط1966.

 

[125] . أسس علم الاجتماع د . حسن اشحاته ص 266 ـ 277.

 

[126] . علم الاجتماع للمؤلف.

 

[127] . علم النفس التربوي ص 110 لجماعة من الدكاترة رئيس علم قسم علم النفس محمّد خيري.

 

[128] . علم النفس العام ص 228 ـ 229.

 

[129] . نحو فلسفة علمية ص 293 للدكتور زكي نجيب محمود.

 

[130] . الرسائل للشيخ الانصاري.

 

[131] . الكفاية ج 2 الطبعة الحجرية حاشية المشكيني.

 

[132] . مصباح الأصول تقريرات أستاذنا الخوئي ص 5 ج 3 ط 1376 هـ.

 

[133] . مصباح الأصول تقريرات أستاذنا الخوئي ج 3 ص 6 ط 1376 هـ .

 

[134] . منتهي الأصول ج 2  375 ط 1968.

 

[135] . نهاية السؤل ج 3 ص 112.

 

[136] . المنخول ص 372.

 

[137] . المنخول ص 373.

 

[138] . مصباح الأصول ج 3 ص 129.

 

[139] . منتهى الأصول ج 2 ص 378 ط الأولي عام 1968 م.

 

[140] . الموفقة ترك الطرفين معاً و المخالفة اتيان طرف واحد و ترك الطرف الآخر.

 

[141] . الحكم الظاهري يقع في الامارات و في الأصول التنزيلية و غيرها.

 

[142] . المراد من الأصول هي البراءه و الاشتغال و الاستصحاب القائم في موضوعيتها الشك و المراد من الامارات هي الأدله النقلية.

 

[143] . العلم يدعو للايمان لكويسي مورويون ص 51 ط 7 / 1978 م.

 

[144] . اللّه‏ يتجلى في عصر العلم ص10 جون كلوفر مونسما ترجمة الدكتور الدمرداش ط 3 عام 1968.

 

[145] . دراسات في التعريف و الموضوع و الغاية ـ للمؤلف مخطوط.

 

[146] . مشاكل الفلسفة ص 129 ترجمة محمّد عمادالدين بن اسماعيل و عطية محمود هنا.

 

[147] . كما ذكرناه مفصلاً في كتبانا المدخل العقود و الايقاعات.

 

[148] . التبصره ص 251 لأبي اسحاق المتوفي سنة 476 هـ ط 1980 م.

 

[149] . أسس علم الاجتماع ص 286 ـ 287.

 

[150] . أسس علم الاجتماع ص 287.

 

[151] . التبصرة ص 349.

 

[152] . طبقات الشافعية ج 2 ص 284.

 

[153] . التبصرة ص 361.

 

[154] . التبصرة ص 361.

 

[155] . التبصرة ص 365.

 

[156] . التبصرة ص 368.

 

[157] . التبصرة ص 371.

 

[158] . الابهاج ج 2 ص 261.

 

[159] . المستصفي ج 1 ص 196 بولاق.

 

[160] . المنخول للغزالي ص 318.

 

[161] . المنخول ص 306 ـ 308.

 

[162] . المنخول ص 210.

 

[163] . المنخول  ص 312.

 

[164] . المنخول ص 316.

 

[165] . المنخول ص 317

 

[166] . المنخول ص 320 .

 

[167] . نظام الزواج للدكتور محمّد شكري سدور ص 18ط 1979م.

 

[168] . نظام الزواج للدكتور محمّد شكري سدو ص 35 ـ 36.

 

[169] . علم الأخلاق للمؤلف مخلوط.

 

[170] . المنخول ص 208 ـ 209.

 

[171] . المنخول ص 209.

 

[172] . التبصرة ص 218.

 

[173] . رفع الحاجب ج 2 ص 116 و اللمع ص 29.

 

[174] . التبصرة ص 226.

 

[175] . التبصرة ص 226.

 

[176] . الام ج 2 ص 20 ط بولاق.

 

[177] . اللّه‏ يتجلي في عصر العلم ص 37.

 

[178] . نقض أوهام المادية الجدلية ص 201.

 

[179] . علم الأخلاق للمؤلف مخلوط.

 

[180] . اللّه‏ يتجلى في عصر العلم ص 9 ـ 10 .

 

[181] . اللّه‏ يتحلى في عصر العلم، ص 150 ـ 152 .

 

[182] . المصدر نفسه ص 152.

 

[183] . نقض أوهام المادية الجدلية ص 109 ـ 110ط2/1979 م دار الفكر.

 

[184] . العلم يدعو للايمان ص 52 .

 

[185] . المصدر نفسه ص 63 ـ 64 .

 

[186] . المصدر نفسه ص 65 .

 

[187] . اللّه‏ يتجلى في عصر العلم ص 96 ـ 97 .

 

[188] . المصدر نفسه ص 102 .

 

[189] . كارل ماركس ص 58.

 

[190] . كارل ماركس ص 60.

 

[191] . حول التناقض ص 14.

 

[192] . حول التناقض ص 14 ـ 15.

 

[193] . حول التناقض ص 14 ـ 15.

 

[194] . المنطق الشكل و المنطق الديالكتيكي ص 20 ـ 21.