الإسلام و نظرية سيكولوجية التعلم

          قبل تناولنا في البحث الموضوعي حول التربية الإسلامية نقدم زواية من البحث تُطلنا على طريقة التعليم في الإسلام و يقصد بالتعليم العملية التطبيقية للعلم و يقوم التعلم بدوا على الدافع و الغايه و الاستعداد في العقل و المعرفة و الإيمان و التقوى كما في قوله تعالى «أن أكرمكم عند اللّه‏ أتقاكم»[1] فقد اعتبر الإسلام الشخصية بالعلم إضافة إلى التقوى دون الشكلية و المظاهر الخارجية.

          و يمكن أن نعبر عن التعلم هو عملية التكيف بحسب المواقف و بهذا يشمل الصورة الظاهرية كالحركات الملاحظة في سلوك الإنسان خارجا و إلى العمليات العقلية كالتفكير و قال رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله(و الذي بعثني بالحق نبيا لا ينجي إلا عمل مع رحمة و مراده صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهبالرحمة المصلحة لحياة المجتمع و يمكن أن يكون عرض الرسول إلى جهة التعلم الحركي.

          قال الإمام علي عليه‏السلامالعلم علمان مطبوع و مسموع و لا ينفع المسموع إذا لم يكن المطبوع و هذا معناه يثبت القابلية و الاستعداد في التعلم.

          و عن الإمام زين العابدين عليه‏السلامو حق السائل عطاؤه على قدر حاجته و حق المسئول إن أعطى فاقبل منه بالشكر و المعرفة بفضله و يكون مقصود الإمام هو التعلم المعرفي.

          و ينبغى للمربي أن يبتعد عن ساحة إيجاد القلق و الاضطراب في نفسية التلميذ أو الولد بالنظر إلى الأب و لا نقول أنه يجب إعدام موضعيتهما لأن فيها المزايا الطيبة و إنما المطلوب قلتها في نفسية التلميذ أو الطفل كما يقول الدكتور جابر عبد الحميد جابر و على الرغم من أننا أكدنا الملامح السلبية للقلق إلا أنه ليس ثمة شك في أنه له مزايا[2].

         أما علاقة التربية في التعليم حيث أن التربية تقوم على أساس المحافظة على المؤسسات الاجتماعية المعينة و تعرف بأبها عبارة عن البرامج المنظمة التي خططت لانتاج معرفة معينة بينما التعلم يقوم بتغيير السلوك سواء كان مرغوبا فيه أم غير مرغوب فيه فاذا كان خط التعلم و التربية هو تنظيم المجتمع على خط معين كانت التربية و التعليم في غاية واحدة.

          و المهم أن التعليم يقوم أولاً على التركيز في جانب الغاية و يراد بالغاية أو الهدف هو تلك النتيجة التي يرغب المتعلم تحصيلها ولو كانت عن مقدمات متعرجة فإذا كانت الغاية سامية يقدم الفرد على تحقيقها و بهذا يكون سير الإسلام عندما يعبر عن الصلاة بأنها معراج المؤمن و قربان كل تقي لكي يكشف للإنسان الغاية من تحقيق الصلاة أو قوله الصوم جنة من النار و هكذا فيتوضل المكلف إلى أن الغاية حميده عند عرض الخطاب عليه بقوله تعالى «أقيموا الصلاة».

          فعلماء السيكولوجيا عندما يأتون إلى التعلم لابد أن يدرك المتعلم الغاية من أجله و هكذا في نظر الإسلام عندما يقول رسول الإنسانية صلوا كما رأيتموني أصلي قد كشف سرا غامضا بأن الصلاة قربان كل تقي.

          و قوله سبحانه «الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه»[3].

         و قال الإمام علي عليه‏السلام : «خذ الحكمة ولو من المشركين».

          و قوله سبحانه «و يعلمكم الكتاب و الحكمة و يعلمكم مالم تكونواتعلمون»[4].

         و يحدثنا علماء السيكلوجيا أنه لابد من وجود دافع للشخص حين التعلم و يعرف الدافع عبارة عن الطاقة الكامنة في الكائن الحي التي تدفعه ليسلك سلوكا معينا في العالم‏الخارجي.

          و الذي نلاحظة في حقيقة الدافع هو إحدى مقدمات الإرادة لان الإرادة قبل وجودها ترتكز على وجود المصلحة و الرغبة في الشيء و التحريك نحو العمل و الدافع هو ذلك الخط النهائي لتحقيق العمل و ما يصطلح عليه بتحريك العضلات.

          أما الملاحظة الإسلامية في دور الدافع فقد استعرضت عده‏أحكام لتحريض المجتمع على أداء الوظيفة العملية أما بالطرق الإيجابية كما في الخطابات الندبية و أما بالطرق السلبية كالخطابات التحريمية.

          و يقوم التعلم أيضا على أساس الاستعداد أو القابلية في وجود الانسان أو الكائن الحي عند صورة التعميم.

          و الاستعداد تارة يقوم في دور النضوج الجسمي و أخرى في النضوج العقلي و بهذا تشاهد أحكام الإسلام و تعليمه عند شروط الصلاة و الصوم و الحج و الجهاد و قد لاحظ فيها النضوج الفسيولوجي و العضوي و الجانب العقلي.

          و يلاحظ في جهة التعلم أيضا عدم العائق و لذا ينبغي للمعلم أن يتخذ الطرق السليمة التي توصل المتعلم إلى هدفه بسهوله.

          و الإسلام قد لاحظ هذا الإتجاه حيث جعل خطوطا سوف نستعرضها في دور التربية الإسلامية و من موارد التعليم السيكولوجي أن يكون للشخص استجابة في العمل و الاستجابة قد تكون بدافع نفسي أو بواسطة تحريك خارجي و الإسلام قد لاحظ في أحكامه الاستجابة النفسية و الخارجية معا كما في الخطابات الندبية و الالزامية فان الخطاب الندبي مما يوجب في نفسية الشخص الاندفاع نحواتيات العمل بواسطة ذلك العشق في نيل الثواب اما في الخطابات اللإلزامية فإنها عند التطبيق في الامتثال تكون من نوع الإستجابة الخارجية.

          كما أنه يحمل في نفسية المكلفين الدوافع الفسيولوجية فإذا أحسن الاستئناس حصل التكرار نظير العشق في العبادة فإذا حصل الدافع الفسيولوجي تكرر منه العمل و حصل الفناء في إتجاه الخالق الحقيقي و الإسلام في قوانينه نظير المعلم عند عرضه للمادة الدراسية يأتي عن طريق الدافع الفسيولوجي و السيكولوجي تجعله يفزع إلى القيام بأنواع معينة من السلوك في اتجاه معين و تكون ظروف الدوافع الإسلامية أن تجعل المكلفين في خط متوازي و تخلصه من عدم التوازن بإزالة الظروف المثيرة و إشباع الدافع الذي يحرك الفرد نحو العمل فإذا قام الإسلام بعرض قوانينه على المجتمع بصياغة متقنة يوجب الحب و الشوق إلى أمتثاله أو يرسم له صورة عن أهوال الآخرة و هذا كله بحسب ما يتقبله الشخص أما من حب و ثواب و شدة و عقاب و يعبر عنه السكولوجيون بالنسبة للثواب المكافأة بالمثوبة و الجزاء بالعقوبة و لا يصح أن يقع الخط الجزائي في أول مرحلة لأنه ممايعرقل النمو الفردي و الاجتماعي و لذا تشاهد مسألة الجزاء في جميع الديانات ملحوظة في الخط النهائي و لم يكن الإسلام في العرض التعليمي حين التحريض و الدافعية للمكلفين قد أوجب في نفسيتهم القلق الإيجابي كالحب أو السلبي كالفناء و إنما جعلهم في خط معتدل في الاندفاع نحو الطاعة لأن القلق في النفوس لم يعط الصفحة الواقعية للإسلام و إنما يريد أن تقع النفوس مطمئنة متوازنة حتى تعرف حسن التطبيق في الاداء، و الإسلام دائما يريد من المجتمع الإسلامي تحصيل وجود العلاقة بين الدافعية و الآداء و أن ترعى المناسبة بينهما و هذا بعين ما سلكه علماء السيكولوجيا في التعلم[5].

         و الإسلام عندما يدفع الفرد إلى الطاعة بمعنى أنه دفعه في توجه السلوك نحو هدف معين أما لصلاح الحياة الاجتماعية و تحسين علاقته مع المجتمع أو لصلاح آخرته و إقدامه نحو حياة أتم نظير من جاع فإن له دافع يحركة نحو الهدف و هو الشبع و هكذا في الأنظمة الإسلامية فيها دافع و فيها هدف.

          كما أنه قد استخدم الحوافز المثيرة من أثر الثواب في الطاعة و العقاب عند المعصية ولكن كل ذلك عندما يجعل العلاقة بين التكليف و العمل فدور الإسلام لم يكن من نوع المعلم الذى يلّح على المتعلم أكثر مما هو متوجه إليه حتى تصبح الرغبة عكسية أو يظهر له السلطنة و الهيمنة أكثر مما عليه الفرد من العلاقة في واجبه. و ليس الإسلام مما يجعل في الفرد اضطراب انفعالي حتى يكون مثبط العزيمة على الأداء و إنما الإسلام يساير المكلفين على نحو بث الحب من جهة و النظرة إلى أهوال الآخرة و حسابها الدقيق من جهة أخرى بخط معتدل.

          فمسألة الثواب و العقاب جاءت بها جيمع الأديان و سار عليها علماء السيكولوجيا و القانون الوضعي و كلها مشيرة إلى جهة الحافز في تعديل الصفات لمصلحة دنيوية أو أخروية سواء في الجانب السلبي أو الإيجابي.

          ينبغي أن نلفت نظرك إلى أن التكاليف الشرعية منها ما قد تكون حركية تحسس الغير و منها ما تخص نفسه و الذي تخص الغير كما يقول السكولوجيون أنه لابد أن يخضع إلى عدة خصائص:

          1 ـ التآزر و التفاعل و التناسق في العمل لابد أن يكون ناشئاعن مثيرات و استجبابات بين الوظيفة و العمل كما أن يحصل ترابط القوى الحركية كما نشاهد رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عندما طلب مآزرته مع قومه.

          2 ـ السرعة في الإنجاز نظير من استأجر بناء دار أو خياطة ثوب فإن المطلوب منه إنجاز العمل من غير تسويف في الوقت.

          3 ـ الدقة فإنه بعين المسارعة يراد منه الدقة في حسن التطبيق.

          4 ـ هذا مع ملاحظة القدرة فإن الأحكام الشرعية تلحظ القدرة و الاستطاعة.

          5 ـ و كذا مطلوب منه التوقيت كما في دور الأحكام العبادية حتى في أحكام المعاملات أيضا.

          و خلاصة حديثنا أن الإسلام قد اتخذ جميع الطرق التعليمية من حيث الطريقة اللفظية كتعلم القرآن و العلوم و الطريقة البصرية كما في الهلال و الشهادة و الطريقة الحركية كما نرى الرسول في تعليمه للصلاة و الحج و مثل هذه النوعية بعينها قد سار عليها السيكولوجيون.

          أما بالنسبة إلى الكلمات الكلية و المفاهيم العامة أو المعاني فالتلميذ لابد أن يصل إليها بسهولة من غير تعقيد في التعبير و قد اجريت تجارب كثيرة على إدارك المفاهيم و تعلمها كما صنع ذلك (ريد) بجعل بطاقات كل واحدة منها تحتوي على أربع كلمات احداهما تدل على المفهوم الذي يراد استخلاصه و كان يعرض البطاقات بالتسلسل على المفحوصين و يذكر مع كل بطاقة الإسم الرمزي الذي يراد من الفحوص استنتاجه.

          و المفاهيم العامة تشترك فيها جميع الفئات البشرية و إذا كان هناك بعض الخواص قد يختلف كما في البيئة و الحالات الاجتماعية إلا أنه من حيث عناوينها الكلية قد تكون متشابهة أو أنها من حقيقة واحدة فالعفة و الحياء و الأمانة و الصدق و الوعد و الكذب و النفاق كلها مشتركة عند المجتمع البشري إلا أن الظروف الموصلة إليه قد تكون مختلفة.

          و الإسلام قد أشار إلى تلك المفاهيم بأساليب مبسطة حتى يدركها الجميع‏ها و يستعرض علماء السيولوجيا حقيقة المشكل و كيفية علاجها للمتعلمين فأول مايلاقي المشكلة و هو الشعور بها و يعرفها (جون ديوى) بأنها حاجة يشعر بها الفرد و إن كان تعريفه قد نظر إلى المشكلة بما هي مسألة فردية حيث قد تكون المشكلة لفرد و لا تكون مشكلة عند الفرد الآخر و إنما التحسس لابد أن يقع على النوع دون الفرد و عند ملاحظة حل المشكلة لابد أن ينظر إلى طبقة المشكلة و مراجعة فروضها و أسبابها و تطبيق الحل على الحالات المماثلة و يعبر عنها في مصطلح السيكولوجين بالتعميم.

          و ذكر في حل المشكلة عبارة عن بحث بيانات عن مشكلة لا يتوافر حلها و إعادة ترتيبها و تقويمها و هو يستلزم استبصار أي اكتشافا للعلاقات بين الوسائل و الغايات أكثر مما تستلزمه أشكال أخرى من التعلم و الاختلاف في الدرجة لا في النوع[6].

         و عندما تشاهد مسير الانبياء في سلوكهم مع المجتمع يلاقوا تلك المشاكل كما نرى في حياة نوح مع قومه قد ردد المحاولة في الدعوة إلى اللّه‏ بعدة طرق و هكذا دور إبراهيم و موسى و عيسى و الرسول الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آلهقد عرضوا الإيمان على الأمم بمحاولات كثيرة للحصول على الغاية ولكن تكون مواجهة المشكلة تحتاج إلى زمن طويل كما جاء في حياة نوح عليه‏السلام و قد تكون مواجهة المشكلة في زمن قصير كدور المعلم و المتعلم و يمكن على هذا البيان أن نقسم المشكلة إلى اجتماعية و إلى فردية و للأنبياء و الرسل مثل هذا الدور يقومون بمواجهة المشكلة الاجتماعية لأن هدفهم إعلاء كلمة التوحيد و الإيمان في صفوف المجتمع.

          و ليس قيام الأنبياء في حل المشاكل و في معرفتهم للأمور عن طريق الاستنتاج و هو عبارة عن مجموعة حقائق يستخلص منها شيئا آخر و ليست معارفهم عن طريق الاستنباط الذي هو عبارة عن ضم مقدمتين ينتج منهما نوع ثالث أو أن معارفهم بنحو التفسير للظواهر الكونية مع ملاحظة عدة مقارنات و نتائج يرضون الشعوب بما يلائم طباعهم و بيئاتهم و إنما علمهم بحل المشاكل عن طريق الوحي الإلهي.

          و لذا قال اللّه‏ حكاية عن الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في قوله سبحانه «قل إنماأنا بشر يوحى إلى»فمن حيث التكوين البشري سواء من حيث الاستعداد و الطاقة مختلف عن سير البشر في تكامل عقله و نضوجه عن بقية الأفراد البشرية و أما سير الإنبياء مع البشر في ناحية التعليم فقد ساروا بعين ما سر به علماء السيكولوجيا فيأتون إلى اتجاه الفكر الناقد:

          1 ـ إدارك الحاجة إلى التعريف.

          2 ـ المنطق و وزن الدليل الشاهد.

          3 ـ الاستنباط القياسي و الاستقرائي.

          4 ـ القيم و المنطق.

          5 ـ الابتعاد عن التفكير المعوج.

          6 ـ طبيعة الدليل أو الشاهد.

          و تجد الإسلام قد سلك في تعليمه هذه الاتجاهات و على سبيل المثال أن نوعية العقائد أشار إليها القرآن عن طريق التعريف و التحديد و جاء بها عن طريق البرهنة المنطقية و الشواهد في قوله سبحانه «و في أنفسهم أفلا يعقلون»[7] و لقد لمح في هذا التوجيه إلى الإرادة التكوينية في الجسم و هو شاهد للإرادة الكونية في خارج الجسم و هكذا في عرضه للمخلوقات الكونية من الجبال و الشمس و السماوات و الارضين و تجد القرآن في تعليمه إلى ناحية التفكير الإستقرائي عند ذكر المخلوقات الكونية يريد أن ينقل الإنسان بسلامة فكره إلى العلة الموجدة لهذا الكون و عندما ينظر إبراهيم إلى السماء و تطلعه إلى النجوم و الكواكب يأتي بنتيجة استقرائية أن هذه كلها مخلوقة لابد إذن من وجود آخر يدبر هذا الكون الواسع فقال حكاية عن إبراهيم «و كذلك نرى إبراهيم ملكوت السموات و الأرض و ليكونن من الموقنين فلما جن عليه الليل رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون».

          و أشار إلى ناحية علمية مضافا إلى الدليل الاستقرائي أن التغيير من شؤون الممكن و إنما هناك قوة غير صالحة للتغير و التبدل و هو اللّه‏ فقال «و جهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين»[8].

         و قد تقوم الانبياء في مقام الجدل كما في قوله تعالى «و جادلهم بالتي هي أحسن»و إن كان البرهان مع الأنبياء يقع فى إطار الإعجاز إذ الجدل يأتي في مرحلة العجز عن بيان البرهان ولكن إتيان الجدل من قبل الأنبياء لا للتعجير و إنما للسيطرة على المجتمع و لذا عرف الجدل بأنه صناعة تمكن الإنسان من إقامة الحجج المؤلفة من المسلمات أو من ردها حسب الإرادة و من الاحترام عن لزوم المناقضة في المحافظة على الوضع و يتحقق الجدل بين السائل و المجيب و مبادى‏ء الجدل كما ذكر في محله المشهورات و المسلمات و لابد أن يعرف أسباب الشهرة و أقسامها بكونها واقعية أو ظاهرية به أو شبيه بالمشهورات كالقضايا التقليدية المؤقتة في زمن ما و تمد تكتسب الشهرة من القرائن أو من قياس مؤلف من المشهورات كما أن السائل في مقام الجدل لا يصح له أن يجعل المشهورات في مقام السؤال و لا يجعل السؤال عن حقيقة الأشياء أو عن عللها إذ السؤال عن العلل و الحقائق ترتبط في مقام التعلم لا في مقام الجدل و يستثنى من الجدل الحقيقية المطلقة و المشهورات الرياضية لبنائها على الحس و التجربة و لابد أن تحصل للمجادل أصناف المشهوات و أن يفرق بين المشهورات المطلقة و المحدودة أو المختلف فيها و يعرف كيفية استنباط المشهورات و إن يميز بين الألفاظ المشتركة المعنوية و اللفظية و المشككة و المتواطئة و المتباينة و المترادفة و يميز أيضا يبن المتشابهات و التمييز بين المتشابهات الذاتية و العرضية و يمكن القول بأن المشهورات كلها ترجع إلى الموضع و هو عبارة عن الأصل الذي تتفرع منه القضايا المشهورة مثال الموضع قولك إذا صبر الإنسان في حال الشدة فهو صابر مطلقا.

          هذه لمحات عن المجادلة و قد أشار القرآن إلى سلوك الإنبياء مع مجتمعهم في دور الجدل إذ لم يمكن البرهان على إثبات النبوة من اللمى و الاني الإعجازي تسير الأنبياء إلى مرحلة الجدل في المرتبة الثانية.

          و يقع دور الجدل في أصل الدعوة الرسالية و بعد تمركز الدعوة يقوم الأنبياء إلى دور التشريع فيكون سير الأنبياء على ثلاثة مراحل:

          1 ـ مرحلة البرهان اللمي و الاني.

          2 ـ مرحلة الجدل بالتي هى أحسن.

          3 ـ مرحلة التشريع.

          و إنما استعرضنا مسألة الجدل في سلوك الأنبياء لتتعرف على جهة الفرق بين التعلم و مقام الجدل.

          و قد قرر الإسلام آداب خاصة للمتعلم أولاً: الاجتناب عن شهوة العين و شهوة اليد و شهوة الفرج و ثانيا: التقرب في تعلمه للّه‏ تعالى و قال الإمام الباقر عليه‏السلاممن طلب العلم ليباهي به العلماء أو يماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس مليتبوأ مقعده من النار أن الرئاسة لا تصلح إلا لأهلها و ثالثا: العلم مع العمل فقال الإمام الصادق عليه‏السلام العلم مقرون إلى العمل من علم عمل و من عمل علم و العلم يهتف بالعمل فإن إجابه و إلا ارتحل و رابعا: أن يكون خاضعا للمعلم محترما إياه قال الصادق عليه‏السلاماطلبوا العلم و تزينوا معه بالحلم و الوفاء و تواضعوا لمن تعلمونه العلم و تواضعوا لمن طلبتم منه العلم و لا تكونوا علماء جبارين فيذهب باطلكم و خامسا أن يعطي العلم أهله و مستحقه و سادسا: أن يقول ما يعلم و يسكت عما لا يعلم حتى يرجع إليه و يعلمه و لا يخبر المتعلمين ببيان خلاف المواقع و قال الباقر عليه‏السلام حق اللّه‏ على العباد أن يقولوا ما يعلمون و يقفوا عنه ما لا يعلمون[9].


 

[1] . الحجرات / 13 .

 

[2] . سيكولوجية التعلم ص 26 ط 4.

 

[3] . الزمر 18.

 

[4] . البقرة 151.

 

[5] . راجع بذلك قانون بركسن دودسن.

 

[6] . سيكولوجية التعلم ص 134 للدكتور جابر عبد الحميد جابر.

 

[7] . فصلت / 6 .

 

[8] . الأنعام 79.

 

[9] . اصول الكافي ج 1.