الطلاق في الشريعة الاسلامية

  

          الطلاق من الايقاعات الّذي يوجد من طرف واحد المتسبب عن الإنشاء والعقود تكون مسببة عن الإنشاء إلا أنها متقومة بطرفين والإيقاعات من الأمور الإعتبارية وليست من الأمور الواقعية أو الخارجية المقولية .

          أما بحسب اللغة فيراد بالطلاق هو إزالة العلاقة بين الشخصين وأحد مصاديقه هو إيجاد الفرقة بين الزوجين وورد في تاج العروس مادة (طلق) بمعنى الترك والإرسال .

          وورد عن الجواهر بانه عبارة عن حل العقد .

          وجاء عن الشهيد الثاني في مسالكه أنه عبارة عن تخلية المرأة .

          ويمكن المناقشة مع صاحب الجواهر أن حل العقد لازمه أن يعتور بعض الأفراد المغايرة عن حقيقة الطلاق كموارد الرضاع والإرتداد والفسخ .

          فأن مثل ذلك يوجب إنحلال العقد مع أنها ليست بطلاق .

          أما ما ذهب إليه الشهيد بمعنى تخلية المرأة فلا يعطي صفة واقعية عن حقيقة الطلاق وإنما هي من اللوازم لقطع العلقة .


 

          وعرف الحنفية الطلاق بانه رفع قيد النكاح بلفظ مخصوص وهو ما اشتمل على مادة ط ل ق صريحة كانت أو كناية[1].

         وعرفه الشافعية بأنه عبارة عن حل عقد النكاح بلفظ الطلاق ونحوه[2].

         وعرفه المالكية صفة حكمية ترفع حلية تمتع الزوج بزوجته[3].

         وعرفه الحنابلة حل عقد النكاح أو بعضه[4] والمراد بالبعض المطلقة الرجعية.

         وبالجملة فذهب الشافعية إلى تعريف الطلاق بأنه حل عقد النكاح بلفظ الطلاق فإن كان المراد بالنكاح العقد كانت الإضافة بيانية والمعنى حل عقد النكاح أو رفع النكاح وإن كان المراد بالنكاح الوط‏ء كانت الإضافة حقيقية .

          ئعرفه المالكية بأنه صفة حكيمة ترفع حلية تمتع الزوج بزوجته بحيث لو تكررت منه مرتين حرمت عليه قبل التزويج بغيره .

          وذهب الحنابلة والحنفية إلى تعريفه بإنه إزالة النكاح أو نقصان حله بلفظ مخصوص[5].

         و يرى الحنفية والحنابلة أن ركن الطلاق هو الوصف القائم بالمطلق ويراد به التطليق والتطليق لا يوجد خارجا إلا بعبارة كاشفة عنه فقالوا أن ركن الطلاق إذن هو الصيغة الدالة على ماهيته وذكر أن أركان الطلاق أربعة الزوج لقوله  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لانذر لابن آدم فيما لا يملك ولا عتق فيما لا يملك ولا طلق فيما لا يملك رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه .

          والزوجة فلا يقع الطلاق على الاجنبية الركن الثالث صيغة الطلاق الرابع القصد.

          ولا تخلو هذه التعاريف من مناقشة من حيث الطرد والعكس وقد اوضحنا ذلك كله في كتابنا عناصر العلوم دراسات في التعريف والموضوع والغاية .

          والمهم في البحث أن الطلاق في التشريع الإسلامي جاء على وفق الطبيعة البشرية كما أوضحنا ذلك في علم الإجتماع وبناء نظام العالم .

          وملخص ما تحدثنا عنه أن وجود العلاقة الزوجية لابد أن يقوم على أساس المحبة والصفاء والمودة وراحة الضمير وعدم الشقاء فإذا تواجدت هذه الصفات كانت المرأة سكنا إلى زوجها كما أنه يكون سكنا لها ويحصل الاطمئنان والراحة فإذا انعكس الاتجاه وحصلت النفرة بين الزوجين فلابد أن يتجه الزوجان إلى مخلص من هذا الشقاء وإلا كانت الحياة في قلق وإضطراب عائلي مستمر ومن باب اللطف والعناية الرحمانية منه سبحانه قد فتح باب الطلاق حتى يكون كل فرد في مأمن من هذا العذاب كما قال سبحانه الطلاق مرتان فامساك بمعروف أو تسريح بإحسان وقوله تعالى وإن عزموا الطلاق فإن اللّه‏ سميع عليم وقوله تعالى فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره وكل هذه الآيات تنادي ببينونة الزوجية حيث يريد الانسان الراحة والسعادة حتى لا يبقى كل من الزوجين في آهات وحسرات .

 

شروط الطلاق

          1 ـ شروط الطلاق عند السنة

          أما شروط الطلاق عند السنة فذهبوا إلى سلامة العقل عند الطلاق فلا يصح طلاق المجنون ولو كان جنونه متقطعا يأتيه مرة ويزول عنه مرة أخرى فإذا طلق حال جنونه لا يعتبر طلاقه ولا يحتسب عليه بعد الافاقة .

          وأما السكر فذهب الحنفية وقالو حد السكر عند الإمام هو سرور يزيل العقل فلا يفرق صاحبه بين السماء والأرض ومعنى هذا أن السكران الّذي يصل إلى حد يشبه به المجنون يقع طلاقه ولذا ذهب إلى عدم إقامة الحد عليه إلا إذا وصل إلى حالة لا يفرق بين السماء والأرض ولا بين الرجل والمرأة هو الحد الأعلى للسكران فإذا نقص عنه كان النقص شبهة تدرأ عنه الحد وقالت المالكية بمقالة الحنفية فالسكر الّذي لا يفرق صاحبه بين السماء والأرض ولا يعرف الرجل من المرأة يكون كالمجنون فإنه لا يترتب عليه وقوع الطلاق إتفاقا وما دون ذلك يكون صحيحا وذهبت الحنابلة إلى صحة طلاق الصبى المميز ولو كان دون عشر سنين ويصح أن يوكل غيره كما يصح للغير أن يوكله في الطلاق[6].

     

   2 ـ شروط الطلاق عند الامامية :

 

طلاق الصبي

          أما غير المميز فلا إشكال في خروجه إنما البحث في المميز فيحتمل وجوه :

          1 ـ إن إيقاع الصبي كالبالغ الرشيد مستقل في إيجاده للايقاع بدون حاجة إلى انضمام ايقاعه إلى إجازة من قبل الولي .

          2 ـ أن يكون ايقاعه مقيدا بعدم البلوغ على نحو الجهة التقييدية فيكون من حيث الانفراد باطل ومن حيث الانضمام فإن أجازه الولي جاز .

          3 ـ إن بطلان ايقاعه وقع بنحو الجهة التعليلية إي لكون ايقاعه من الصبي فانضمام الإجازة من قبل الولي غير مؤثر في صحة الطلاق .

          والّذي سار عليه المشهور من علماء الإمامية في بطلان طلاقه لكونه ناشئا من الصبي بنحو الجهة التعليلية وبهذا يمكن أن يسري الحكم في المعاملات وسائر الإيقاعات أيضا ولا يختص الحكم في إطار الطلاق خاصة .

          وذهب الفقيه الأصفهاني في مكاسبه إلى أن اطلاق الأدلة إن كان لبيان الحكم الفعلي بعدم نفوذ معاملاته وإيقاعاته فلا يصح حتى لو اضيفت إلى الولي وإن كان إطلاق الأدلة في في مقام الحكم الاقتضائي والفعلي جاز أن تصح معاملاته وايقاعاته إذا اضيف إلى الولي حيث أن للحكم مرحلتين الفعلية والاقتضاء فمن حيث الفعلية يبطل مطلقا ومن حيث الاقتضاء يصح من الولي .

          وإجابة سماحة الوالد[7] أولاً أن ليس للحكم الفعلي من قبل المولى إلا الانشاء بداعي الباعثية وهذا ليس فيه اقتضاء وفعلية لأن وجوده عين فعليته وأما تنجزه وتحقق موضوعه خارجا فهو في مرحلة الانطباق خارجا لا في مقام هوية الحكم وفعليته وثانيا لو تم المبنى فيصح حتى في مرتبة الفعلية بطلان عقده وإيقاعاته من حيث تقييد الحكم الفعلي بالصبي ومن حيث إضافته وتقييده باجازة الولي يقع صحيحا فاختلاف الفعلية والاقتضاء غير موجب لبطلانه من حيث أنه صبي أو صحيح لإضافته إلى الولي ما لم يرجع إلى ما ذكرناه .

          والّذي نتصوره أن الفعلية لها مرحلة التنجيز ومرحلة الأنشاء لأن الحكم بما هو فيه مرحلة الأنشاء من طرف الولي ولكن الفعلية والتنجز في مرحلة التطبيق فالانشاء غير الفعلية ولكن فعليته عين تنجزه فلا يكون هناك مرحلة فعلية ومرحلة اقتضاء وبهذا يكون جميع معاملاته وايقاعاته باطل لعنوان كونه صبيا وليس هنا اضافتان مرحلة انشائية ومرحلة اقتضائية حتى يكون من نوع الجهة التقييدية فيكون الحق بما ذهب إليه المشهور من كون الجهة تعليلية فعدم صحة طلاقه لكونه صبيا من غير نظر إلى انضمام اجازة الولي إلى صحة طلاقه حتى يكون بنحو جزء العلة للموضوع .

          4 ـ أن يكون الصبي في طلاقه لنفسه أو لغيره أو في سائر الإيقاعات والمعاملات مسلوب الانشاء فلا يصح له أن يجري صيغة الطلاق أصلاً .

          وقد بينا أن عدم صحة طلاقه لكونه صبيا من غير نظر إلى انضمام أذن الولي في تصرفاته أو إيقاعاته ولكن لو دلت على جواز تصرفه كما ورد في رواية السكوني في قوله  عليه‏السلام نهى  أي رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله  عن كسب الغلام الصغير الّذي لايحسن صناعة بيده فإنه إن لم يجد سرق[8].

         وظاهرها أنه إذا أحسن التصرف والصناعة اليدوية جاز له التكسب وليس نظير الحيوانات حتى تكون عباراته ساقطة فالادلة إذا جاءت تخرج عنوان الصباوة إلى حقيقة الرشد والكمال بعد إجراء عملية الإختبار من الولي ويكون آن ثبوت الكمال آن سقوط الولاية ولذا يمكننا المناقشة مع الوالد بقوله فإذا اختبر رشدهم جاز عقدهم وإيقاعهم وإن توقف الدفع على أذن الولي  راجع الطلاق ص 46 حيث أنه لا مجال لتوقف الدفع على اذن الولي بعد ثبوت الرشد والكمال لعدم موضوعية الاذن بعد الرشد والكمال .

          و قد تكون الأدلة غير ناظرة إلى دخوله تحت الرشد والكمال في مرحلة البلوغ وإنما هو باق على صباوته ولكن لحسن تصرفه يكون بمنزلة البالغ الرشيد بنحو التخصيص دون الخروج الموضوعي .

          وبالجملة أن أعمال الصبي هل هي خارجة عن عنوان القصدية أو أن القصدية لها تأثير فمثلاً عندما يقال عمد الصبي خطأ كما لو جاء بجناية أو كفارة فهل انه كان فاقدا لعنوان القصد أو أنه وقع منه عن قصد والتفات إلا أن الشارع جعل العمد بمنزلة الخطأ من حيث الأثار .

          فبالنظر إلى المعاملات والايقاعات فانها محتاجة إلى القصد وأما بالنسبة إلى الجنايات فتقع في إطار العمد الخطأ بنحو التنزيل وليس كون عمد الصبي ناشئا عن غير قصد وإن عمده ليس منزلاً بمنزلة عدم القصد .

          والّذي نلحظه في موثقة أبي بصير في الغلام الّذي له من السن عشر سنين فاجاب  عليه‏السلام إذا اصاب موضع الوصية جازت .

          وفي صحيح زراره أيضا إذا اتى الغلام عشر سنين فانه يجوز له في ماله ما اعتق أو تصدق واوصى بمعروف وحق التصدق جائز للأخبار الدلالة فيها على التصدق والتصرف .

          فالموثقة والصحيحة دالتان على جواز التصرف من قبل الصبي مع الدلالة على صحة قصده وتصرفه في الجهات الاقتصادية المعاملية ، فالموثقة ناظرة إلى جهة الاصابة في موضع الوصية والصحيحة ناظرة إلى مجرد التحديد في سن العاشرة .

          وإن وقعت روايات بالمنع إلى أن يبلغ الحلم فيكون أن الحمل بين هذه الروايات المجوزة والمانعة على صحة المعاملة مع اذن الولي .

          وعند مشاهدتنا للاخبار في طلاق الصبي فبعضها مانعة وبعضها مجوزة علينا بعرضها أمامك أما الأخبار المانعة :

          1 ـ خبر أبي بصير لا يجوز طلاق الصبي والسكران .

          2 ـ خبر أبي الصباح وهو من الصحاح عن الامام الصادق  عليه‏السلام ليس طلاق الصبي بشيء .

          3 ـ خبر السكوني عن ابي عبد اللّه‏  عليه‏السلام كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي او برسم او مجنون أو مكره .

          4 ـ ما ورد في قرب الاسناد عن جعفر بن محمد  عليه‏السلام يرفعه إلى آبائه عن علي  عليه‏السلام قال لا يجوز طلاق الغلام حتى يحتلم .

          وأما الاخبار المجوزة :

          1 ـ مرسله ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال يجوز طلاق الصبي إذا بلغ عشر سنين .

          2 ـ موثق ابن أبي بكير عن ابي عبد اللّه‏  عليه‏السلام يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل وصدقته ووصيته وإن لم يحتلم .

          3 ـ مضمرة سماعة سألته عن طلاق الغلام وصدقته ولم يحتلم قال إذا طلق للسنة فيكون صورة الجمع بين هذه الروايات المجوزة والمانعه فذهب صاحب الحدائق إلى صورة الجمع بحمل المطلق على المقيد إذ الاخبار المانعة مطلقة والمجوزة في صورة العشرة مع العقل فيكون الحمل أن الطفل يصح له الطلاق في عشر سنوات من عمره إذا كان مميزا ويكون معنى طلاق السنة كما اشارت إليه المضمرة وذهب المشهور إلى المنع مستدلاً على الاخبار المانعة لاقوائيتها في الظهور من الاخبار المجوزة مع عدم تمسك المشهور بمرسلة ابن أبي عمير وهكذا في موثقه ابن أبي بكير والمضمرة فتكون الخلاصة انه من الوجهة السندية قد أعرض عنها المشهور والاخبار المانعة اقوى ظهورا واصح سندا فتكون حجة بلا معارض.

          وأما من ذهب إلى الجواز فيرى أن هذه الاخبار المجوزة لم تسقط عن الحجيه ولم يثبت اعراض المشهور عنها وقد عمل جماعة من علماء الامامية على وفقها وبهذا تكون الاخبار المجوزة مخصصة للاخبار المانعة لأنها تكون بإزاء المخصصة عامة فتخصص العامة بها .

          وتقع نظرية أخرى في المعارضة بين الأخبار وذلك بملاحظة الاخبار الخاصة كما في خبر ابي بصير والسكوني المجبر بعمل علماء الامامية المصطلح عليه بعمل المشهور مع مرسلة أبي عمير وموثقة ابن أبي بكير ومضمرة سماعة وعند المعارضة والتساقط الرجوع إلى أصالة عدم نفوذ طلاق الصبي .

          ويرى سماحة الوالد انه بعد تعارض هذه الاخبار وتساقطها وإن كان المرجع إلى أصالة عدم نفوذ طلاق الصبي ولكن لو نظرنا إلى صحيح الصباح المتضمن في قوله  عليه‏السلام ليس طلاق الصبي بشيء الواقع لنفي الماهية ويكون طلاقه ليس بشئ في عالم الصحة وليس بشيء في عالم الجواز المصطلح عليهما بالحكم الوضعي والتكليفي ويكون أظهر من تلك الروايات والّذي نتأمله في الاخبار هو وجود المعارضه دون حمل العام على الخاص كما سار عليه الوالد .

 

طلاق المجنون

          التكلم في عدم طلاق المجنون وهو من شروط صحة الطلاق أن لا يكون واقعا في حال الجنون سواء كان مطبقا أم ادواريا .

          أما قيام الولي عنه بالطلاق ولا سيما في الجنون المطبق فلاحتمال عدم برئه وإن كان الملاك بين الصبي والمجنون واحدا في عدم الإدراك إلا أن الفارق في الصبي أن له أمدا يرتفع منه ذلك النقصان وفي المجنون عدم الاحتمال .

          وذهب جماعة إلى عدم التفصيل في طلاق الولي عن المجنون بين كونه ادواريا أم مطبقا .

          وذهب العلامة في القواعد إلى التفصيل بين المطبق وغيره .

          أما من حيث جواز طلاق الولي عنه فادعى فخر المحققين الاجماع .

          ولكن الشيخ في الخلاف ادعى عدم جواز طلاق الولي عن المجنون بالاجماع. ونحن نقع بين اجماعين متعارضين .

          ولكن يبدو لدينا انه لا يصح الطلاق إلا من أخذ بالساق أما بالنسبة للمطبق فيمكن القول بانه لا يحتمل برئه وأما بالنسبة إلى المجنون الادواري فيحتمل ارتفاع المانع فينتظر به إلى زوال المانع .

          وأما ما ذهب إليه فخر المحققين من الاجماع على طلاق الولي المطبق قال صاحب المسالك أن ما تمسك به فخر المحققين بالجواز فالأخبار ضعيفة الدلالة والأصل بقاء العقد .

          إلا أن الّذي نلاحظه أن الأخبار وإن كانت ضعيفة الدلالة إلا أن الاصحاب عملوا بها فتكون مجبرة بالشهرة ولا اثر لاجماع الشيخ ومن الغريب بعد حدوث الخلاف لا مورد للاجماع مع كونه مدركيا .

 

طلاق الاحمق

          ذهب فقهاء الامامية إلى صحة طلاق الاحمق مستدلين على ذلك بما ورد عن صحيح القماط .

          قال قلت لابي عبد اللّه‏  عليه‏السلام الرجل الاحمق الذاهب العقل يجوز طلاق وليه عليه قال  عليه‏السلام لم لا يطلق قلت لا يؤمن إن طلق هو أن يقول غدا لم أطلق أو لا يحسن أن يطلق قال  عليه‏السلام ما ارى وليه لا بمنزلة السلطان[9].

         و جاء في الفقيه عن القماط قلت لأبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام رجل يعرف رأيه مرة ويفكر أخرى يجوز طلاق وليه عليه قال ولم لا قلت لا يؤمن إن طلق هو أن يقول غدا لم أطلق أو لا يحسن أن يطلق قال ما أراه إلا بمنزلة الإمام .

          إن ملاحظة هاتين الروايتين تارة يكون النظر الى الاحمق والمجنون والادواري كلها في عرض واحد إلا أنها متحدة في أصل ذهاب العقل ولكن الاختلاف يكون بنحو القوة والضعف وأخرى أنها حقائق متبانية .

          إلا أن نظر بعض الروايات تارة إلى المعتوه والمقصود به ناقص العقل وبعضها ناظرة إلى الجنون الادواري فإذا كان من نوع الادواري لأنه قد يفيق تارة ولا يفيق أخرى كما ورد ذلك في بعض الرويات فالامام اجاز للولي الطلاق عوضا عن ذلك الفرد المتصف بتلك الحالة .

          أما التعبير من قبل الإمام  عليه‏السلام ما اراه إلا بمنزلة الامام كما جاء في رواية القماط فتكون الولاية في حدود المعتوه أو ان المعتوه له معنى مشكك تارة بمعنى نقصان العقل وأخرى في المرتبة القوية الجنون التام أو بعض مراتبه من اختلال الحواس فتكون اجازة الامام للولي سواء كان للاحمق أم لغيره بلحاظ العنوان المشكك .

          ويمكن أن يقع الجميع بين رواية القماط الأولى والثانية بالحمل على نقصان العقل من غير جنون كما حبذه صاحب الجواهر .

          أو أن التعبير من الامام الولي بمنزلة الامام بالنظر إلى الجنون الادواري فإن الامام يكون وليا على شؤون الأمة ورعاية مصالحها فنزل الولي بمنزلة المام وليس نظر الامام إلى ناحية الاحمق بعنوانه الخاص وسار الوالد في كتابه الطلاق إلى هذه النظرية واستشهد على مطلبه بما ورد في رواية السكوني عن أبي عبداللّه‏  عليه‏السلام قال كل طلاق جائز الا طلاق المعتوه أو الصبي او مبرسم أو مجنون أو مكره .

          والّذي نتقبله في هذا الميدان أن عنوان المعتوه يحكي وجودا مشككا فالامام بالنظر إلى رواية القماط الأولى عرضت جانب النقصان العقلي فقط من غير ملاحظة انطوائه تحت الوجود القوي وأما رواية القماط الثانية فكانت ناظرة إلى المرتبة القوية ولذا كانت في إطار الادواري وأما ما استشهد به الوالد لا يثبت مطلوبه في انحصار النقصان العقلي في جانب الادواري بل الامام بين انطباق عنوان الاحمق على ثلاث مراحل النقصان العقلي والادواري والجنون التام ورواية السكوني في مقام الجنون الادواري وإن المعتوه ينطبق على ذلك الفرد .

 

طلاق السفيه

          هل أن عنوان السفيه والمحجر عليه منحصر في إطار الشؤون المالية أو يتعدى به إلى الطلاق حيث أن الشؤون المالية تحتاج إلى إجازة من قبل الولي في التصرف ولكن بالنظر إلى غير الشؤون المالية لا توجب تحجيرا نظير مالو اقدم على أصداق بأكثر من مثيلاتها واقرانها فإن دور الولي يوقفه عن التصرف إلى حد المماثلة أما جهة الطلاق فالظاهر عدم وجود المانع .

          أما ما ورد في رواية ابن سنان في قوله  عليه‏السلام إذا بلغ ونبت عليه الشعر جاز أمره إلا أن يكون سفيها أو ضعيفا .

          فقد فككت الرواية بين الرشد المالي وغيره فقد اسرى الامام السفه حتى بالنسبة إلى عدم معرفته بالقضايا الاجتماعية كالاسرة ونحوها وقد يكون نظر الإمام إلى جهة السفة بلحاظ مراتبه فعندئذ تكون المرتبة العالية منه في صفات المرحلة الجنونية وهذا أيضا يقع في ميزان عدم صحة طلاقه أيضا .

 

طلاق الوصي

          إن مسألة طلاق الوصي أو زواجه للصبي والمجنون مبنية على شمول الولاية له وقد ذكر في زواجه لهما قال في الشرائع للوصي أن يزوج من بلغ فاسد العقل إذا كان به ضرورة إلى النكاح .

          وفي الجواهر نفى بعضهم الخلاف عن ثبوتها في ذلك بل عن ظاهر الكفاية الإجماع عليه .

          إلا أنه جاء في المسالك عدم الخلاف في هذه الصورة ويقصد به إذا بلغ فاسد العقل وقال المسالك في رد الكفاية والقطيفي في ادعائه الاجماع بان غيرهما اطلق الخلاف في تصرف الوصي فيه .

          والميزان في ذلك كله هو ثبوت الولاية عليهما وقد استدل على ثبوت الولاية لصحيح أبي بصير ومحمد بن مسلم عن أبي جعفر  عليه‏السلام قال سألته عن الّذي بيده عقدة النكاح قال هو الاب والأخ والرجل يوصي إليه والّذي يجوز امره في مال المرأة فيبتاع لها ويشتري فأي هؤلاء عفا فعفوه جائز في المهر إذا عفا عنه[10].

         قال في الجواهر أن الاشتمال على ذكر الاخ لا يسقط النص عن الحجية في غيره.

          وقال في المسالك ولكن ذكر الأخ في تلك النصوص مما يستوجب القصور في الدلالة لاحتمال ارادة الوكيل من الاخ والموصى إليه لا مطلقا فيختص بالكبير[11].

         وقال سماحة الوالد وأما الوصي فلا يصح أن يزوج الصبي أو المجنون فضلاً عن الطلاق[12].

         والّذي يبدوا لدينا أنه لا ولاية له على الصغير والمجنون إذ الروايات المصرحة بذكر الأخ فادحة في الاستدلال .

          وأما الآية الّتي استدل بها الكركي في قوله سبحانه : « ويسألونك عن اليتامى قل اصلاح لهم خير»  (البقرة220) . في تزويج الصغير وإذا كان هناك مصلحة مرعية على تزويجه ولكن الآية عامة للوصي وغيره من الاقارب بلحاظ الحاجة وليس لخصوص الوصي وإنما يكون أحد الأفراد الّذي يتوجه إليه التكليف بنحو الواجب الكفائي .

          وبما ذكرنا اتضح لديك عدم الولاية في التزويج فيكون في الطلاق بطريق أولى فلا ولاية له على الطلاق سواء كان للصغير أم للمجنون .

 

 

الولاية في الطلاق

          ذكرنا الولاية في النكاح على صور منها الولاية التكوينية الّتي هي منوطة في الواجب سبحانه ومنها الولاية بمعنى الوساطة في التكوين والتشريع ويقع للأئمة عليهم‏السلام إذا كانوا بنحو تتميم قابلية القابل لا تتميم فاعلية الفاعل .

          ومنها ولاية الفقيه على صور أيضا :

          1 ـ الولاية العامة : فيقوم الفقيه مقام الامام بجميع ما يقوم به الامام  عليه‏السلام سوى الجهات المختصة به من التشريع وعلم الغيبات وهو مذهب النراقي .

          واستدلوا برواية البحتري عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال  عليه‏السلام أن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا وإنما ورثوا الأحاديث فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ حظا وافرا فانظروا عملكم هذا عمن تأخذونه فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولا ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين .

          وجاء عن السكوني عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال قال رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفقهاء أمناء الرسل ما لم يدخلوا في الدنيا قيل يا رسول اللّه‏ وما دخولهم في الدنيا قال اتباع السلطان فإذا فعلوا ذلك فاحذروهم على دينكم .

          وورد أن العلماء حكام على الملوك والملوك حكام على الناس .

          وروي في كنز الكراجكي عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام أنه قال الملوك حكام على الناس والعلماء حكام على الملوك .

          ويكون وجه الدلالة في هذه الروايات أنه يثبت كل ما للمورث للوارث من جميع المناصب الشرعية الإجتماعية والاقتصادية والسياسية وهكذا بالنظر إلى ما يقوم به الحاكم على الرعية .

          وقد بينا أن السند في بعضها ضعيف هذا مع أنه يمكن المناقشة في جعل الولاية لكافة الأنبياء لو قدر سلامة بعض الروايات وإنما الولاية ثابتة لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ونبينا محمد  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن كلمة العلماء مع أنها منصرفة إلى أهل البيت  عليه‏السلام وليس إلى الفقهاء كما يستشهد في قولهم  عليه‏السلام نحن العلماء وشيعتنا المتعلمون كما ذكره في أصول الكافي .

          2 ـ الولاية الخاصة القريبة من الولاية العامة وهي المتضمنة إلى قيام الفقيه مقام الإمام بما يبتلى به المجتمع البشري إليه لحل مشاكله .

          واستدلوا بمقبولة بن حنظلة المتضمنة لبعض فقراتها في قوله  عليه‏السلام انظروا إلى رجل عرف حلالنا وحرامنا ونظر في احكامنا فليرضوا به حكما فإنني قد جعلته قاضيا فمن رد عليه فقد رد علينا ومن رد علينا فقد رد على اللّه‏ وهو على حد الشرك باللّه‏ .

          وظاهر المقبولة ليس جعل الوظيفة القضائية لرجال الشيعة بدلاً عن قضاة السنة لا ملازمة بين جعل المنصب الشيعي مقارنا لجعل المنصب السني كما اختاره سماحة الوالد فانه يمكن أن يكون الجعل بتلك المرتبة الّتي تشتمل الشؤون الإجتماعية وأن
يكون المنصب في خصوص حل المنازعة من غير نظر إلى الأطراف الأخرى الّتي لا تمت إلى جهة القضاء .

          والّذي يبدو لدينا أن المقبولة لا تدل على التوسعة وإنما هي خاصة في حل المنازعة من غير شمولها للشؤون الأخرى .

          إلا أن التوقيع الشريف يمكن الاستفادة منه للتوسعة لمقام الفقيه في قوله  عليه‏السلام وإنما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم دون النظر إلى كون اللام للعهد إلى جهة خاصة .

          وظاهرها أن الحوادث لا يراد بها القضايا الشخصية وإنما الإمام في صدد بيان الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كما يدل عليه سياق الحديث وليس في صدد الاحكام الكلية وإنما الحوادث هي الوقائع الّتي يحتاجها المجتمع في حل مشاكله ويلتجئ إلى القيادة الصالحة .

          3 ـ الولاية بالمعنى الأخص وهي المنحصرة في القضاء والفتوى كما سار عليه الفقيه النائيني والمحقق الأصفهاني واستاذنا المعظم الخوئي .

          وناقشوا المقبولة بضعف السند وعدم ثبوت الجبر من قبل الاصحاب ولو قدر لها الوثاقة السندية فإن دلالتها في مقام جعل الفقيه قاضيا ولا يكون من جعل القضاء ثبوت لوازمه في تلك العصور وليس جعل قضاة الشيعة بإزاء قضاة العامة أن يكون قضاة الشيعة لهم المنصب بكل ما يحتاجه المجتمع البشري .

          وقد ناقشوا في التوقيع من حيث الدلالة بأن الحوادث معطوفة على شيء لم يذكر في الرواية فيحتمل أن يكون الرجوع إلى الفقهاء في الفتوى كما دل في تعبير الإمام فارجعوا إلى رواة حديثنا وتحتمل كلمة الحجة الرجوع إلى الفتوى والقضاء وما يبتلى به عموم الناس فتحتمل أيضا الرجوع إلى مقام التبليغ ولكن الحجة من قبلهم  عليهم‏السلام هي بعينها ثابتة للعلماء ويكون بهذا انها منحصرة في دائرة تبليغ الأحكام الّتي تقع في إطار القضاء والفتوى ولا يجوز له الحكم في الاهلة وعدم ولايته على
أموال الغائبين .

          إلا أن الّذي ثبت لدينا ليس هو المذهب الأخير وليس المذهب الأول من الولاية العامة وإنما نقول بان الولاية خاصة ولكن فيها توسعة بما يحتاج إليه المجتمع البشري من حل مشاكله عندما يبتلى به ويرجع إلى الفقيه لجعلها في معايير شرعية .

          أما البحث عن ولاية الأب والجد فقد ذكرناه في الفصل الأول من النكاح وإنما المهم التحدث لما يخص موضوعنا من صحة الولاية في الطلاق وعدمها .

          والّذي نراه في صحيح الفضل عن الرجل يزوج ابنه وهو صغير فقال  عليه‏السلام لا بأس قلت يجوز طلاق الاب قال  عليه‏السلام لا[13].

         فالولاية من قبل الاب والجد على الصغير والمجنون المتصل جنونه بالبلوغ للاصل وقيل للاجماع كما ادعاه الجواهر ولكن صحيح الفضل يبدو أنه في مقام التفرقة بين الولاية في مقام الزواج وعدمها في الطلاق كما هو الظاهر مع أن المفهوم من عنوان الطلاق من أخذ بالساق لا ينطبق على الولي في دور الصباوة وإن كان الولي هو العلة في إثبات العلقة .

 

طلاق المكره

          أولاً : رأى السنة

          أما رأي الحنفية في طلاق المكره فقالوا طلاق المكره يقع خلافا للائمة الثلاثة فلو اكره شخص آخر على تطليق زوجته بالضرب أو السجن أخذ المال و وقع طلاقه ثم إن كانت الزوجة مدخولاً بها فلا شيء للزوج وإلا فإنه يرجع على من اكرهه بنصف المهر ويشترط أن يكون الاكراه على التلفظ بالطلاق فإذا اكرهه على كتابة الطلاق فكتبة فانه لا يقع به الطلاق وكذا إذا اكرهه على الإقرار بالطلاق فاقد فانه لا يقع . ولو طلق

هازلاً جرى في حقه وعومل به .

          وذهبت المالكية إلى عدم صحة الطلاق في دور الإكراه وقسموا الإكراه على قسمين إكراه على إيقاع الطلاق بالقول وإكراه على فعل يلزمه الطلاق ثم الفعل أما أن يكون متعلقا بحق الغير أو لا يكون فأما الإكراه على إيقاع الطلاق فلا يلزمة به شيء لاقضاء ولا ديانة باتفاق حتى ولو اكره أن يطلق طلقة واحدة فاوقع اكثر فانه لا يلزمه شيء لأن المكره لا يملك نفسه كالمجنون بشرط أن لا ينوي حلّ عقدة النكاح باطنا فإن نوى وقع عليه الطلاق لأن النية لا يمكن الإكراه عليها .

          وقالت الشافعية بعدم صحة طلاق المكره ولا يقع إلا بشروط 1 ـ أن يهدده بالإيذاء شخص قادر على تنفيذ ما هدده به عاجلاً 2 ـ أن يعجز المكره عن دفعه بهرب أو استغاثة بمن يقدر على دفع الإيذاء عنه 3 ـ أن يظن المكره أنه إن امتنع عن الطلاق يلحقه الإيذاء الّذي هدد به 4 ـ أن لا يكون الإكراه بحق 5 ـ أن لا يظهر من المكره نوع اختيار وذلك كما إذا اكره على أن يطلقها ثلاثا أو طلاقا بائنا فطلق واحدة أو اثنتين أو رجعية فإن الطلاق يقع لأن القرينة دلت على أنه مختار في الجملة فالشرط أن يفعل ما اكره عليه خلافا للمالكية . 6 ـ أن لا ينوي الطلاق فإن نواه في قلبه وقع أما التورية فإنها غير لازمة ولو كان يعرف التورية .

          وذهبت الحنابلة إلى عدم صحة الطلاق في دور الاكراه بشرط أن لا يكون بحق وإن يكون بما يؤلم وإن يكون قادرا وأن يغلب على ظن المكره انه ان لم يطلق يقع به الايذاء الّذي هدد به وأن يكون عاجزا عن دفعه وعن الهرب منه[14].

ثانيا: رأي الإمامية :

          يستدعي أن نجري الكلام عن دور حديث الرفع وانطباقه على الطلاق كما ورد في التوحيد عن حريز عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال قال رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رفع عن أمتي تسعة 1 ـ الخطأ 2 ـ النسيان 3 ـ وما اكرهوا عليه 4 ـ وما لا يطيقون 5 ـ وما لا يعلمون 6 ـ وما اضطروا إليه 7 ـ والحسد 8 ـ والطيرة 9 ـ والتفكر في الوسوسه في الخلق ما لم ينطق بشفه .

          أما ملاحظة السند فهو ضعيف لعدم معرفة بعض رواته إلا أن الأصحاب أخذوه بعين الاعتبار مضافا للعامة .

          أما من حيث الدلالة فالرفع تارة يكون بمعنى الدفع كما اختاره النائيني أن الرفع يكون مانعا عن استمرار الوجود والدفع يكون مانعا عن تأثير المقتضي ثم قال وهذا المقدار لا يمنع عن صحة استعمال الرفع بدل الدفع على وجه الحقيقة .

          أو أن جهة الفرق بينهما أن الدفع عبارة عن تأثير المقتضي لوجود المقتضي والرفع إنما يوجد في فرض تأثير الشيء في الزمان السابق عن ورود الرافع وإن حصل وجود الرافع قبل وجود الموضوع كان من نوع المجاز .

          والّذي اعتقده أن الرفع والدفع مختلفان بحسب الحقيقة لأن الرفع تسلط بعد الوجود والدفع يأتي قبل الوجود .

          أما المقدار في الحديث هل هو المؤاخذة أو عموم الاثار أو طهور الاثار ، إلى كل فقرة من فقرات الحديث قال النائيني أنه رفع تشريعي والرفع التشريعي لا يحتاج إلى التقدير كالنفي التشريعي إنشاء لحكم لا اخبار عن حكم حتى يحتاج إلى التقدير لأن التقدير يوجد في إطار الأخبار دون الانشاء .

          وقال العراقي أن نسبة الرفع إلى ما لا يطيقون والخطأ والنسيان نسبة مجازية لا حقيقية ويقصد به رفع اثرها وهي الاحتياط .

          إلا أن الّذي يبدو في الفقرات أن مثل ما لا يطيقون وما اضطروا إليه وما اكرهوا عليه ان كان الرفع بنحو العروض على موضوع لا بشرط فيكون الموضوع مرتفعا بالحديث أما إذا كان الموضوع مقيدا بعنوان الإضطرار أو الاكراه نظير تشريع الجهاد في مورد الضرر وبذل المال الكثير للوضوء والغسل فلا يرتفع الموضوع بالحديث

لأنه أصبح مقيدا بالرفع كما هو نظرية سماحة والدنا في تحرير الاستدلال[15].

         وأما بالنسة للخطأ والنسيان فليس المدار في الرفع فيها إلا بلحاظ انطباقهما وهو الشيء المنسي أو الّذي أخطأ به .

          والطلاق عندما يأتي به المطلق لابد أن يقع منه عن قصد في الايقاع أما المكره عندما يوقع الطلاق فهو قاصد له وإن ذهب الشهيد الثاني إلى عدم وجود القصد من المكره .

          إلا أن التحقيق أن طلاق المكره يوجد عن قصد إلا أنه فاقد لطيب النفس كما ورد في حسنة زرارة عن أبي جعفر  عليه‏السلام قال سألته عن الطلاق المكره وعتقه فقال  عليه‏السلام ليس طلاقه بطلاق[16].

         و جاء في مرسلة ابن سنان المقبول عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال سمعته يقول لو أن رجلاً مسلما مرّ بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوف على نفسه أن يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء[17].

         وظاهر الروايتين عدم صحة الطلاق أذا كان صادرا عن إكراه .

          وذكر الفقيه اليزدي في حاشيته على المكاسب أن الإكراه من مصاديق الاضطراب لأنه يكون في المرتبة الأخيرة إضطرارا .

          والظاهر أن بينهما اختلافا مفهوميا وليسا من باب الوجود الواحد المشكك بالتقدم والتأخر حيث أن الإكراه فاقد لطيب النفس بخلاف الاضطرار فانه عندما يقدم على بيع داره لمرضه يقدم عن رضاء منه ولكنه مضطرا لناحية المرض أو قوة العائلة .

          أما تصوير الرضاء المتاخر في الطلاق فقد منعه الفقهاء لكون الطلاق بمعنى انشائي حدوثي غير صالح للاستمرار بخلاف المعاملات فإنها صالحة للاستمرار ولذا يمكن أن يتأتى الرضاء متأخرا بعد ذلك على نحو الشرط المتأخر وأن كان مقارنا تصورا .

          أما لو كان الإكراه من قبل الحالكم الشرعي على الطلاق وليس من قبل الظالم فيكون خارجا عن دائرة الإكراه خروجا موضعيا لا بنحو التخصيص وإنما هو بنحو التخصص وكذا الحكم لو كان الإكراه في المعاملات واكرهه الحاكم الشرعي ببيع داره للغرماء فإن البيع يقع نافذا .

          أما تصوير الإكراه في الطلاق بنحو كلي في المعين فالذي نلاحظه خلاف ذلك لأن التعيين الّذي يحققه المطلق بعد ايقاع الطلاق لا أثر له وإنما طلاق المكره عند تحقيقه لابد من تعينه فإذا عينه بعد ذلك يكون عن اختيار في التطبيق وإن كان الاشكال في صدق الطلاق بنحو الامر الكلي لأن الطلاق في واقعة لا يوجد بين الطرفين خارجا كما هو الظاهر من الأدلة .

          وكذا لا يصح الطلاق بالفرد المردد على نحو البدل أو المنتشر أو المردد مصداقا أو مفهوما .

          إلا أنه يبدو من الفقه السني صحة الطلاق بنحو الجزء المشاع أو بنحو الكلي في المعين أو الفرد المنتشر وأما إذا وقع الإكراه بنحو الداعي أو المقارن للشيء لا بنحو جزء العلة فليس موجبا بطلان الطلاق .

 

التخلص من الإكراه :

          من الطرق الّتي يستعان بها في الخرج عن دائرة الإكراه إذ امكنه التورية كما يحدثنا القرآن الكريم في حياة عمار بن ياسر عندما قتل المشركون ابويه واظهر عمار الكفر قال رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن عادوا عليك فعد ونزلت الآية الكريمه « من كفر باللّه‏ من بعد ايمانه إلا من اكره وقلبه مطمئن بالإيمان » (النمل 106) .

          وقد صورها البعض بانها من مصاديق الكذب أو الاغراء في الجهل .

          إلا أن الّذي نلاحظه أنها خارجة عن دائرة الكذب لان الكذب هو الاخبار عن خلاف الواقع وليس الكذب هو في في نظر السامع مع أن الأغراء في الجهل غير موجب للبطلان بنحو القضية العامة مع أنها خارجة عن عنوان الإغراء إنما الأغراء وقع في ناحية المستمع دون المتكلم .

          ويمكن المناقشة مع سماحة الوالد إن التورية من اللوازم البعيدة الّتي لا يقرها العرف وهو أول الكلام لأن التورية مما يقره العرف ويراها من مصاديف التخلص .

 

صيغة الطلاق :

          يستدعى قبل البحث عن صيغة الطلاق نقدم مقدمة أشار إليها المناطقة وهي أن الدلالة الوضعية على ثلاثة إتجاهات .

          1 ـ المطابقة بان يكون اللفظ على تمام ما وضع له .

          2 ـ التضمن بان يكون اللفظ دالاً على جزء الموضوع له .

          3 ـ الالتزام بان تكون الدلالة على أمر خارج عن الموضوع له .

          فالدلالة المطابقية والدلالة الالتزامية في خط واحد من حيث توجههما إلى الارادة الاستعمالية وإنهما مقيدتان بها .

          فالدلالة الوضعية أن يكون النظر فيها إلى كون اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى بخلاف الدلالة العقلية اللفظية .

          وأما بالنسبة للمعاني المجازية فتكون الدلالة فيها من نوع التركيب الشامل للفظ والقرينة ولا يخلو وقوع القرينة أما أن تقع واسطة في العروض أو واسطة في الثبوت فإن كانت القرينة من نوع الواسطة في العروض فيكون الدال غير متحقق إلا بوجود القرينة .

          وعلى الجملة أن المقصود من الواسطة في العروض أن لا يكون بين العارض والمعروض وجود ثالث يحل بينهما ووجود القرينة صارف بين اللفظ والمعنى الموضوع له بناء على الواسطة في العروض والمقصود من الواسطة في الإثبات هو ذلك الحد المتكرر بين الأكبر والأصغر لإثبات الحكم بين الحدين .

          وإن كان يرى الوالد في محاضرته أن القرينة لم تقع بنحو الواسطة في العروض وإنما هي واسطة لثبوت الدلالة في اللفظ على المعنى ثانيا وبالعرض .

          وإن كان الّذي نعتقد أن القرينة هي الاداة الأولى في ثبوت اللفظ للمعنى المجازي وبهذا تكون المعاني المجازية من نوع الواسطة في العروض دون الثبوت فالقرينة مما توجب تغييرا في الدلالة وتقع بنحو الجزئية في الدال .

          وأما الكناية فيراد بها استعمال الملزوم لأجل الانتقال إلى اللازم وبعد عرضنا لحالات اللفظ فالطلاق هل يشترط فيه الإرادة الجدية كالكناية أو يكفي فيه مجرد إرادة المعنى ولو بالدلالة الالتزامية .

          فعلى هذا إذا وردت ألفاظ عامه للطلاق كلفظ برية وخلية أو بتة بمعنى مقطوعة النكاح أو بتلاء .

          1 ـ ذهب الشهيد الثاني إلى الإكتفاء بمجرد إرادة المعنى من الطلاق ولو بالدلالة الالتزامية فعلى هذا يمكنه التمسك بتلك الألفاظ العامة وبهذا سار عليه مذهب العامة في التوسعة .

          2 ـ أما المشهور فذهب إلى أن اللفظ دال على معناه بخصوصه وبالنظر إلى الدلالة يكون بالعرض والمجاز .

          3 ـ أن تكون الالفاظ الصريحة في الطلاق موضوعة بنحو المطابقة وفي غيرها بالالتزام .

          4 ـ أن يكون الطلاق موضوعا بلفظ أنتِ طالق ولا يصح استعماله بغير ذلك اللفظ فإذا قال انت برية أو خلية او بتة او بتلاء لا يصح الطلاق فيها وقد اختلفت الفقهاء في هذا الموضوع وعلينا أن نقدم بعض الروايات :

          فقد ورد عن صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال سألته عن رجل قال لأمرأته أنت مني خلية أو برية أو بائن أو حرام فقال ليس بشيء .

          وجاء في صحيح ابن مسلم فانه قال هذا كله ليس إنما الطلاق أن يقول لها قبل العدة بعدما تطهر من حيضها قبل أن يجامعها أنت طالق او اعتدى يريد بذلك الطلاق ويشهد على ذلك رجلين . وفي جامع البزنطي الرواية من دون أو اعتدي .

          وفي صحيح الحلبي أو حسنته عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام الطلاق أن يقول لها اعتدي أو يقول لها أنتِ طالق .

          وفي الكافي عن حسين بن سماعة ليس الطلاق إلا كما رواه بكير بن اعين أن يقول لها وهي طاهر من غير جماع أنت طالق ويشهد شاهدين عدلين وكل ما سوى ذلك فهو ملغي .

          والظاهر من العرض الروائي في هذه الروايات أنها في مقام المنع عن اتيان الفاظ أخرى غير لفظ انت طالق ولا يسما في رواية محمد بن مسلم الدالة على الحصر بمقتضى قوله  عليه‏السلام انما الطلاق أن يقول أنت طالق أو اعتدي إذا اراد به الطلاق وفي رواية ابن بكير خصصت الطلاق بهذا اللفظ الخاص .

          فيكون المعن الموضوع له وهو طالق وأما مثل بائن أو بتة أو بتلاء أو خلية الفاظ مجازية قد منع الشارع من استعمالها .

          وأما بالنظر إلى قوله  عليه‏السلام واعتدي مع أنه يمكن المناقشة في ناحية ظهور ألفاظ البت والخلية والبائن أصرح دلالة من الاعتداد . فقد ذهب الفقية السيد الاصفهاني في وسيلته إلى التعبد الشرعي .

          إلا أن المشهور ذهب إلى التحديد بهذا اللفظ الخاص وهو كلمة أنتِ طالق كما دلت عليه رواية ابن بكير .

 

الطلاق بغير العربية

          وعند عرض الروايات المانعة يمكنك أن تعرف عدم جواز استعمال الطلاق بغير اللغة العربية أما لم يكنه ذلك لعدم قدرته على التعلم فيدخل في دائرة الادلة الثانوية كأدلة العسر والحرج وأدلة والحرج وأدلة الضرر فتأتي بعد رفع الادلة الاولية فتحل محلها .

 

طلاق المعاطاتي

          تعرضنا في حديثنا إلى مسألة وقوع الطلاق بالإنشاء القولي فهل يصح وقوع الطلاق بالإنشاء الفعلي أي المعاطاتي أم لا .

          وهذا يستدعي فتح الباب من الوجهة العامة في صحة وقوع الايقاعات بالافعال فذكر في محله كما في الوصية والوقف أنه يجوز أن تقع هذه الأمور من زاوية الفعل وإن لم يكن إنشاءً قوليا كما يجوز أن تقع بالالفاظ أيضا .

          أما بالنظر إلى المعاملات فقد تحقق في محله صحة المعاطاة فيها وأما بالنسبة إلى النكاح فالقاعدة جارية فيه إلا أنه قام الاجماع على عدم صحة النكاح في المعاطاة .

          وأما الطلاق بمقتضى صحيح الحلبي حصر الطلاق في لفظ أنت طالق ومع منعه  عليه‏السلام بالالفاظ الأخرى وهذا مقتضاه الحصر بهذا اللفظ الخاص .

          ويمكن أن يدعى أن الحصر جاء في لفظ خاص دون الافعال الخارجيه .

          ولكن الجواب أن الوضع لما كان في إطار ذلك اللفظ الخاص من قوله أنت طالق فيكون التحديد باللفظ الخاص وان الاستعمال في غيره غير مقبول وإنما بوجود كونه موضوعا لذلك اللفظ الخاص فلا يتحقق بالأفعال .

          ولا يستفاد من الروايات أنها في مقام حصرين حصرها بالفاظ دون الافعال وحصرها بصيغ أو صيغة مخصوصة وإنما المقام مقام حصر واحد وانما الوضع في بيان انقطاع العلقة بقوله أنت طالق ويكون الاستعمال في الفعل من نوع الاستعمال في غير ما وضع له والتشريع الاسلامي منع ايقاع الطلاق بالمجازات والكنايات والاستعارة والتشبيهات كلها لعدم كون الالفاظ فيها موجدة لمعانيها .

 

الطلاق في الاستعارة والكناية

          بما ذكرنا اتضح لديك عدم صحة الطلاق في الاستعارة وقد بينا وجه المنع في الاستعارة لعدم الإرادة الجدية لدى المتكلم وإنما له إرادة استعمالية فقط .

          وأما الكناية فالحكم كذلك وذكر في الجواهر والحدائق أنها يقصد بها تارة إنشاء مدلولها باللفظ وأخرى يراد بها المعنى خاصة من غير ملاحظة معرفة المعنى ولما كانت في خطين من حيث قصدها وعدم قصدها فلا يصح ايقاع الطلاق بها وإنما لها إرادة استعمالية دون الإرادة الجدية وإذا قصد بها الإرادة الجدية فذلك أما لأجل ارادة اللازم أو إرادة الملزوم وإن كان الشهيد الثاني في مسالكه جوز الطلاق بالكناية والمجاز البعيد إلا أن الوجه كما أشرنا إليه بالمنع وقد اكتفى الشيخ الطوسي بقوله أنتِ مطلقة أو طلقت فلانة .

          وربما يورد عليه بان لفظ مطلقة أو طلقت فلانة ليس صريحا في فك العلقة بين الزوجين ولكنه منع الطلاق بقوله أنت مطلقة كما في كتابه الخلاف .

          والّذي يبدو لدينا أن الشريعة الاسلامية في المذهب الشيعي قد حددت الطلاق بذلك اللفظ الخاص وأنه موضوع بنحو الحقيقة فإذا استعمل بألفاظ أخرى ولو كانت عن نفس المادة لم يكن استعمالاً في ما وضع له .

          ذهب الاحناف إلى أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية وأنة يقع بها أيضا الطلاق بدلالة الحال .

 

          وذهب مالك والشافعي إلى صحة الطلاق منوطة بالقصد والنية لحديث عائشة كما ورد عن البخاري وغيره .

          ان ابنة الجون لما ادخلت على رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ودنا منها قالت اعوذ باللّه‏ منك فقال لها عذت بعظيم الحقي بأهلك .

          وفي الصحيحين وغيرهما في حديث تخلف كعب بن مالك لما قيل له رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يأمرك أن تعتزل امرأتك فقال اطلقها أم ماذا أفعل قال بل اعتزلها فلا تقربنها فقال لأمرأته ومضمون الحديث هو الإكتفاء باللفظ الكنائي عن قصد ولا تكون طلاقا مع عدمه .

 

الطلاق في دور الإنشاء دون الحكاية

          ربما يناقش الطلاق بلفظ طلقت فلانه بنحو الاخبار والطلاق بحسب هويته موضوع للانشاء دون الإخبار .

          ولذا أن الشيخ الطوسي في كتابه الخلاف قال بانه لو قال طلقت فلانة لا يقع بها الطلاق لأنه من الإخبار لا الانشاء .

          وليعلم لديك أن الانشاء تارة يأتي في قالب إنشائي كالأوامر والطلب وأخرى يؤتى بداعي الأنشاء وإن كان القالب له هو الاخبار كما ورد عن الامام لمن أفطر في شهر رمضان أو افسد صلاته قال يعيد أو يغتسل كما في حكم الجنابة وهذه الاحكام وإن جاءت بقالب الاخبار إلا أنها بداعي الانشاء .

          وبهذا يمكن الرد على الشيخ الطوسي بما لو قال طلقت فلانة وكان إخبارا إلا أن الداعي له هو الإنشاء على إيجاد حل العلقة بين الطرفين وإن كنا اجبنا غير ما اختار الوالد في هذا الميدان من كون التعبير بانت مطلقة أو طلقت فلانة وأنت طالق كلها في مؤدى واحد بحسب العرف وقد بينا أن التحديد في كلمة أنتِ طالق يوجب الاستعمال فيما وضع له وأن غير هذا اللفظ يكون من نوع الاستعمال في غير ما وضع له اللفظ .

 

الطلاق في الكتابة

          لا يصح الطلاق في مقام الكتابة كما جاء في حسنة محمد بن مسلم عن الباقر  عليه‏السلام إنما الطلاق أن يقول أنت طالق .

          وحسنة زرارة عنه  عليه‏السلام في رجل كتب بطلاق امرأته قال  عليه‏السلام ليس ذلك بطلاق .

          وذهب الشيخ إلى صحة الطلاق في خصوص الغائب دون الحاضر كما ورد في

صحيحة أبي حمزة الثمالي عن الصادق  عليه‏السلام في الغايب لا يكون طلاق حتى ينطق به لسانه أو يخطه بيده وهو يريد به الطلاق . وحمل بين الحسنة والصحيحة على صورة الاضطرار .

          وعند الفقه السني جوز ايقاع الطلاق بالكتابة[18]، والكتابة يقع بها الطلاق ولو كان الكاتب قادرا على النطق فكما أن للزوج أن يطلق زوجته باللفظ وله أن يكتب إليها الطلاق واشترط الفقهاء أن تكون الكتابة مستبينة مرسومة .

          وجوزوا أيضا في صدق الطلاق إرسال الرسول فيكون الرسول قائما مقام المطلق ويمضي طلاقه عندهم لمجرد التبليغ للزوجة الغائبة .

 

الطلاق بلفظ نعم

          لوقدم إلى الشخص سؤال : هل طلقت زوجتك زينب فقال نعم ذهب الشيخ الطوسي إلى اعتبار الطلاق بلفظ نعم .

          وقد ورد في رواية السكوني عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام جعفر بن محمد عن ابيه عن علي  عليه‏السلام في الرجل يقال له اطلقت امرأتك فيقول نعم قال قد طلقها .

          فإن كانت نعم في مرحلة الاخبار فلا يصح الطلاق وإن كان بنحو إعادة السؤال على سبيل الانشاء يمكن فرض الصحة .

          وورد أيضا في رواية عثمان عن بعض اصحابنا قال قلت له رجل طلق امرأته من هؤلاء ولي بها حاجة قال اتلقاه بعدما طلقها وانقضت عدتها عند اصحابنا فنقول له اطلقت فلانة فإن قال نعم فقد صارت تطليقة على طهر فدعها من حين طلاقها تلك التطليقة ثم تزوجها فقد صارت بائنة .

          إلا أن هذه الروايات كما يبدو منها توافق مذاق العامة وفيها التزام بما يلزمون به

أنفسهم .

 

الموالاة في الطلاق :

          مما استعرضه علماء الامامية في شرائط الطلاق أن يقع عن موالاة وعدم فاصلة فإذا تماهل الشخص في إيقاع الطلاق بأن قال طلقت وسكت برهة من الزمن بحيث لا يراه العرف مقترنا بما بعده ثم قال فلانة وإنما الميزان في الوحدة الزمنية بنظر العرف دون ملاحظة الدقة العقلية وهذا بعينة الحكم في العقود فان الفاصلة الزمنية بين الايجاب والقبول إذا كانت بنظر العرف فاطلة يكون العقد ملغيا وان اعتبره شيئا واحدا كان العقد صحيحا وهكذا بالنسبة إلى الطلاق أيضا كما أوضحناه .

 

تنجيز الطلاق :

          ذهب فقهاء التسنن في صحة التعليق ووقوع الطلاق به ثلاثة شروط :

          1 ـ أن يكون على أمر معدوم ويمكن أن يوجد بعد ان كان امرا موجودا فعلاً حين صدور الصيغة مثل أن يقول إن طلع النهار فانت طالق والواقع أن النهار قد طلع فعلاً كان ذلك تنجيزا وإن جاء في صورة التعليق فان كان تعليقا على امر مستحيل كان لغوا مثل ان دخل الجمل في سم الخياط فانت طالق .

          2 ـ أن تكون المرأة حين صدور العقد في الطلاق بان تكون في عصمته .

          3 ـ أن تكون كذلك حين حصول المعلق عليه .

          وذكر السيد السابق[19] ان التعليق قسمان : 1 ـ يقصد به ما يقصد من القسم للحمل على الفعل أو الترك أو تأكيد الخبر ويسمى التعليق القسمي مثل أن يقول لزوجته إن خرجت فانت طالق مريدا بذلك منعها من الخروج إذا خرجت ايقاع الطلاق 2 ـ يكون القصد منه ايقاع الطلاق عند حصول الشرط ويسمى التعليق الشرطي مثل أن يقول لزوجته ان أبرأتني من مؤخر صداقك فانت طالق وهذا التعليق بنوعيه واقع عند جمهور العلماء ويرى ابن حزم انه غير واقع .

          وجاء في القانون المصري رقم المادة 25 لسنة 1929 ونصها لا يقع الطلاق غير المنجز إذا قصد به الحمل على فعل شيء أو تركه لا غير وجاء في المذكرة الايضاحية لهذه المادة (أن المشرع أخذ في إلغاء اليمين بالطلاق برأي بعض علماء الحنفية والمالكية والشافعية وانه أخذ في إلغاء المعلق الّذي في معنى اليمين برأي علي بن أبي طالب كرم اللّه‏ وجهه وشرع القاضي وداود الظاهري وأصحابه) .

          إلا أن تعرضنا في الزواج المقارن أن الزواج بطبيعته لما كان من العقود يحمل طابع التنجيز دون التعليق والايقاع كذلك عندما يوجد الانشاء فمقتضاه التنجيز ولا يتناسب مع التعليق لأن مقام الانشاء لم يكن فيه مرحلة الشأنية وإنما الشأنية هي عين مرحلة الفعلية .

          وأما بالنسبة إلى الأمور الاعتبارية فلا تعليق فيها وإنما مهرها دائر بين الوجود والعدم والايقاعات كالمعاملات من نوع الامور الاعتبارية والاعتبار قائم في نظر المعتبر فلا يتصف في جانب التعليق والتنجيز أيضا لأنه كما أشرنا الاعتبار يدور امره بين الوجود والعدم فإذا علق الطلاق على امر حاصل كقوله لمن علم انها زوجته انت طالق ان كنت زوجتي أو كان الشرط مما يقتضيه الطلاق أو التعليق منفصلاً فانه يصح. ولو حدث الايقاع بنحو الوجود الخارجي فكذلك لا يتصف بالتعليق .

 

طلاق الزوجة نفسها :

          يمكن فرض طلاق الزوجة نفسها إذا حصلت على التوكيل من قبل الزوج أو التفويض ويظهر أن حقيقة الوكالة غير حقيقة التفويض .

          إذ حقيقة التفويض بان يجعل الزوج للزوجة حقا في تطليقها نفسها بينما الوكالة
بان يجعل الزوج الزوجة بمنزلته في الطلاق نفسها من غير نظر إلى اثبات الحق لها في الطلاق .

          ويشتمل التفويض على صورة التخيير بين بقاء الزوجه على الزوجية أو مفارقتها .

          فإذا اختارت المفارقه فهل نفس التخيير موجب للخروج عن الزوجية أم يحتاج إلى انفصال آخر .

          وعند ملاحظة تخيير النبي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لنسائه وتركهن تسعة عشر يوما ثم خيرهن بعد ذلك بين البقاء أو الفراق يمكن أن يقع في اختصاص الرسول  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أو للأئمة  عليهم‏السلام ولا يسري الحكم إلى سائر المسلمين فيكون نفس التخيير بيدهن مفارقة من مختصاتهم وقد اعتبر هذا من نوع الولاية العامة لهم  عليهم‏السلام إلا أنه يكون خارجا عن مصاديق الطلاق ويكون تحت عناوين الولاية للنساء من قبل النبي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لهن وعلى هذا التخيير لغير جهة الولاية من النبي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أو للأئمة  عليهم‏السلام لابد من إتيان الطلاق بع التخيير .

 

شرائط المطلقة :

          قد اعتبر الفقه السني الطلاق على المرأة إلا إذا كانت محلاً له وإنما تكون محلاً له في الصور الآتية :

          1 ـ إذا كانت الزوجية قائمة بينها وبين زوجها حقيقة .

          2 ـ إذا كانت معتدة من طلاق رجعي أو معتدة من طلاق بائن بينونة صغرى لأن الزوجية في هاتين الحالتين تعتبر قائمة حكما حتى تنتهي العدة .

          3 ـ إذا كانت المرأة في العدة الحاصلة بالفرقة الّتي تعتبر طلاقا كأن تكون الفرقة بسبب أباء الزوج الاسلام اذا اسلمت زوجته أو كانت بسبب الايلاء فان الفرقة في هاتين الصورتين تعتبر طلاقا عند الاحناف .

          4 ـ إذا كانت المرأة معتدة من فرقة اعتبرت فسخا لم ينقض العقد من أساسه ولم يزل الحل كالفرقة بردة الزوجة لأن الفسخ في هذه الحالة إنما لطارى‏ء طرأ يمنع بقاء العقد بعد أن وقع صحيحا[20].

         ويقع البحث في شرائط المطلقة عند الامامية على انحاء :

          1 ـ أن تكون زوجه فلو طلق الاجنبية بعنوان الزوجة أو طلق المملوكة لم يكن طلاقا أو طلق على تقدير الزوجية أو طلق بنحو الفرد المردد بحسب المفهوم أو المصداق أو بنحو الكلي في المعين أو الكلي المنطبق على فرد كل ذلك لا ينطبق على حقيقة الطلاق بشى‏ء .

          أما بالنظر إلى الكلي في المعين قد ظهر في صحة البيع بنحو الكلي في المعين حتى بالنسبة إلى المفهوم المردد أو المنتشر أو في الجزء المشاع فإذا نظرنا إلى القواعد بما هي فلا يفرق الحال بين المعاملات والايقاعات من حيث الثبوت وأما في مقام الدلالة والاثبات أنها لم تجوز الطلاق على تلك الوجوه وإنما لابد من تعييت الزوجة حين الطلاق .

          وقد دلت الاخبار على منع الطلاق إلا مع تحقق عنوان الزوجه :

          أ ـ ما رواه عبد اللّه‏ بن سليمان عن ابيه قال كنا في المسجد فدخل علي بن الحسين  عليه‏السلامولم اثبته .عليه عمامة سوداء قد ارسل طرفيها بين كتفيه فقلت لرجل قريب المجلس من هذا الشيخ قال مالك لم تسألني عن احد دخل المسجد غير هذا الشيخ فقلت لم ار أحدا دخل المسجد احسن هيئة في عيني من هذا الشيخ فقال انه علي بن الحسين فقمت وقام الرجل فاكتنفناه وسلمنا عليه فقال له الرجل ما ترى في رجل سمى امرأته بعينها وقال يوم أتزوجها طالق ثلاثا ثم بدا له أن يتزوجها ايصح له ذلك فقال انما الطلاق بعد النكاح.

          قال عبد اللّه‏ فدخلت أنا وأبي على أبي عبد اللّه‏ جعفر بن محمد  عليه‏السلام فحدثه أبي  بهذا الحديث فقال له أبو عبد اللّه‏ أنت تشهد على علي بن الحسين بهذا الحديث قال نعم .

          ب ـ وفي الصحيح أو الحسن عن محمد بن قيس عن أبي جعفر  عليه‏السلام قال سألته عن رجل قال ان تزوجت فلانة فهي طالق وان اشتريت فلانا فهو حر وان اشتريت هذا الثوب فللمساكين فقال ليس بشيء لا يطلق ولا يملك ولا يعتق إلا ما يملك ولا يتصدق إلا بما يملك .

          ج ـ و عن سماعة قال سألته عن الرجل يقول يوم اتزوج فلانة فهي طالق فقال ليس بشيء انه لا يملك طلاقا حتى يملك عقدة النكاح .

          د ـ  و في صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه‏  عليه‏السلام قال انه سأل عن الرجل قال كل امرأة اتزوجها ما عاشت امي فهي طالق قال لا طلاق إلا بعد النكاح ولا عتق إلا بعد ملك.

          ه  ـ و ورد عن الفضل عن ثابت قال كنت عند علي بن الحسين  عليه‏السلام فقال له رجل اني قلت يوم اتزوج فلانة فهي طالق فقال اذهب فتزوجها فان اللّه‏ بدأ بالنكاح قبل الطلاق فقال إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن .

          وكل ما استعرضناه من الروايات جعل الامام النكاح والطلاق من نوع اسبقية الموضوع على الحكم .

 

وقوع الطلاق دائما :

          أن يكون العقد دائما . فتوجه الطلاق على عنوان العقد الدائم دون العقد المنقطع كما دل عليه خبر هشام قال قلت كيف خروج المتعة قال تقول يا أمة اللّه‏ أتزوجك بكذا وكذا درهما فاذا انقضت (مضت) كان طلاقها في شرطها و لا عدة لها عليك .

          وظاهرها انه عند انقضاء المدة يكون خروجها فيكون قوله  عليه‏السلام الطلاق بيد من بيده عقدة النكاح هل عنوان الطلاق يكون في إطار عقد النكاح الدائم أو يشمل المنقطع أيضا . فان قلنا أن الوجه في التفرقة بين الدائم والمنقطع ان الدائم فيه إيجاد للعلقة الزوجية وفي المنقطع العلقة هو الاستيجار كما جاء في بعض الروايات انهن مستاجرات فتخرج عن عنوان الزوجية ولا تكون مشمولة للطلاق .

          وإن كان الّذي نعتقده ان الزوجية جارية من غير فرق بين المنقطع والدائم والتحديد الزمني غير دخيل في واقعية الزوجية .

          ولا ينافي كونهن مستأجرات لأن الأجرة من نوع الداعي الثانوي بعد الداعي الأولي وهو العلقة الزوجية .

 

تعيين المطلقة :

          من جملة الشروط تعيين المطلقة اذ الطلاق على المرأة المرددة أو المنتشرة أو على نحو الكلي المعين غير صحيح كما أن الطلاق في مرحلة المفهوم أو الطلاق في مرحلة المصداق المردد لا وجود له غير صحيح أيضا أو الطلاق بنحو الجامع بين الزوجات فيكون غير منطبق على فرد معين فلا يصح فيه الطلاق .

          فمن مجموع هذا يكون الطلاق غير واقع لعدم الوجود الخارجي إلا أن صورة الجامع إذا أريد به الاستغراق لمجموع الزوجات اللاتي عنده يكون الطلاق واقعا في مرحلة الثبوت والاثبات .

          أما اذا قصد بالطلاق العنوان على مجموع خصوصيات النساء غير ملحوظة في نظره فكذلك لا يصح الطلاق في مثل هذا النوع لأن العنوان ليس له موضوعية خارجية مشخصة .

          أما في صورة التعيين من قبل المطلق او وكيله او عن طريق القرعة فان قلنا أن الطلاق نظير بيع الكلي يمكن أن يتعين من قبل البائع والمطلق .

          إلا أن واقع الطلاق عند انشائه قصد به التعيين فموضوعيته في ابتداء الأمر

متعينة بخلاف البيع إذ يمكن أن ينبسط على الكلي والتعيين يقع في المرحلة الثانية بخلاف الطلاق فانه في ابتداء وجوده متعين لا إنه وقع التعيين بعد ذلك .

          وأما أدلة القرعة وهذا يحتاج إلى بيان القاعدة أولاً ثم ملاحظة انطباقها على المورد ثانيا .

 

القرعة :

          تحتمل القرعة وجودها في تعيين المجهول :

          1 ـ الجعل الواقعي .

          2 ـ التشريع الحكمي .

          3 ـ التشريع الموضوعي .

          ثم أن القرعة هل هي موضوعة لكل أمر مشتبه أو لكل أمر مشكل فإذا نظرنا إلى الحكم الواقعي فلا اشتباه فيه لمعلوميته لدى الشارع من حيث أصل الجعل والرفع فالحكم سواء كان في مرحلة الواقع أم في مرحلة الظاهر لا اشتباه فيه وإنما الجهل في ناحية موضوع الحكم لا في نفس الحكم كما ذهب إليه سماحة الوالد في هذا المجال أيضا ولذا قال أن أدلة البراءة والاستصحاب خارجة موضوعا عن أدلة القرعة لأن البراءة والاستصحاب في مقام الشك والقرعة بعد الفراغ عن الحكم يبحث فيها عن تعييت الموضوع .

          وعلى هذا يكون انطباقها على المورد فان قلنا بعموم القرعة فيشمل الحكم وموضوعه وجميع الحقوق الراجعة للّه‏ وللانسان ويبدو عدم التمسك بهذا العموم بل نحن وظاهر الأدلة لم تثبت إلا في موارد معينة ولا تسري إلى غير ما جاء بنفس الدليل الخاص فيكون انطباق القرعة على الكلي المعين أو الفرد المنتشر أو على البدل فينافي حقيقة الطلاق الّذي وضع في ابتداء الأمر للتعيين وبهذا ليست في مقام الجعل الواقعي أو الحكمي أو الموضوعي .


 

[1] . فتح القدير ج3 ص21 .

[2] . مغنى المحتاج ج3 ص279 .

[3] . كشف القناع ج5 ص232 .

 [4] . مواهب الجليل ج4 ص18 .

[5] . راجع الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص 278 ـ 279 .

[6] . راجع الفقه على المذاهب الأربعة 281 ـ 284 .

[7] . تحرير الإستدلال في الطلاق ص23 .

[8] . الوسائل باب 33 من أبواب ما يكتسب به حديث 1 .

[9] . الوسائل .

[10] . الوسائل باب 8 من أبواب عقد النكاح حديث 5 .

[11] . المستمسك ج 414 ص 47 .

[12] . الطلاق ص 65 .

[13] . الوسائل باب 38 من أبواب المهور حديث 2 .

[14] . راجع الفقه على المذاهب الأربعة ج4 ص384 ـ 388 .

[15] . تحرير الإستلال في الطلاق ص99 .

[16] . الوسائل .

[17] . الوسائل .

[18] . ذكر السيد سابق ج2 ص 257 . 

[19] . فقه السنة ص361 مجلد 2 .

[20] . فقة السنة السيد سابق مجلد 2 ص 251 .