منطلق الزواج

 

 

منطلق الزواج لدى الديانة اليهودية

          نظرة الدين اليهودي للمرأه انها سلعة أو بضاعة يتملكها من يدفع الثمن كما يستدل على ذلك بما ورد في التوراة على لسان ليئه وراحيل ابنتا لابان أن قالتا تشكوان أباهما لزوجهما يعقوب باعنا وأكل ثمننا سفر التكوين اصحاح 29 الآيات 15 وما بعدها وانها ليست طاهرة بحسب الفطرة وصارت تحترم بما انها ام أولاد كما وصىّ بها موسى  عليه‏السلام في وصاياه العشر من إكرام الأم اسوة بالأب.

          وجاء في شريعة التلمود انه ليس للمرأة أن تبدي أدنى شكوى إذا زنى زوجها ولو في المسكن الّذي يقيم معها فيه.

          ولكن بعين ذلك كله جاء في المشنة ينبغي على الرجل أن ينفق أقل مما تسمح به موارده في إطعام نفسه وعلى قدر موارده في كسائه وأزيد مما تسمح به موارده لإكرام زوجته وأولاده لأن هؤلاء يعتمدون عليه حتى يعتمد هو نفسه على من أمر فانشاء الكون كما أوصته كذلك بأن يترفق بها ويستأنس برأيها فقد جاء في كتاب موسى والمسيح ومحمد لسيمون ليفي.

          فليحذر الرجل من مس عواطف زوجته لأن قلبها حساس لأقل مسيس وعيناها تسكبان بسهولة عبرات التأثر وإذا أرتم إيراد ملاحظة لنسائكم أو تذكيراً بواجب فخاطبوهن بلطف وسكوت راعوا شعورهن الدقيق وتقدموا الى عواطفهن فهذا هو  وتقول المشنة الى نفس المعنى اذا كانت زوجتك قصيرة انحن أنت اليها وتكلم اليها بمنتهى الانخفاض كما ورد ذلك في الباب الرابع من المشنة.

          وقد أوجب الدين اليهودي الزواج كما جاء في التلمود ان الّذي لا يتزوج انما يعيش بلا بهجة بلا بركة بلا مال وان العازب ليس رجلاً بمعنى الكلمة لان اللّه‏ يقول انه

خلقهم ذكرا وأنثى وباركهم وسماهم باسم الانسان.

          وجاء في الماة/16 من مجموعة بن شمعون ان الزواج فرض على كل اسرائيلي[1]. وقد ورد في المشنة بالزواج المبكر اذ فيها زوج أولادك ولو كانت يديك لا تزال على رقبتهم[2].

         ويعتقد اليهود أن الزواج يتقرر في السماء من قبل ميلاد الشخص فقد ورد في المشنة انه (قبل ميلاد الطفل بأربعين يوماً يعلن في السماء انه سيتزوج بنت فلان)[3].

         ويمكن إكراه الشخص على الزواج طبقاً لما ورد في التلمود قوله تستطيع السلطات إكراه الشخص على الزواج لان الّذي يعيش دون زواج حتى سن العشرين يكون ملعوناً من الرب[4] ولهم وصايا في الزواج.

         1 ـ الاستطاعة المالية فقد ورد في المشنة ان التوراة قد رسمت الطريق الصحيح الّذي ينبغي على الرجل اتباعه فعليه في المحل الأول أن يبني بيته بعد ذلك يزرع الكرمة ثم بعد ذلك يتزوج.

          2 ـ رؤية المرأة كما جاء في التلمود عدم الإقدام على زواجها إلا بعد رؤيتها خشية أن يكتشف فيها بعد ذلك شيئا ذميماً ويطردها.

          3 ـ التناسب في الزوجية كما ذكره كوهين الافضل أن ينزل درجة عند اختيار امرأته لانه إذا تزوج ممن هي أعلى منه مرتبة عرض نفسه للاحتقار من جانبها وجانب أقاربها.

          كل ما تحدثنا عنه مقدمة تمهيدية في الزواج لدى الديانة اليهودية الّتي تشاهد من خلال أحكامها وجوب الزواج والمسارعة في الزواج والنظر الى المرأة قبل الزواج ملاحظة التناسب الاجتماعي بين الزوجين مع القدرة المالية على الانفاق.

الزواج لدى الديانة المسيحية

          أما نظرة الشريعة المسيحية في المرأه فقد رفعت من قدرها، وإن جعلتها المسؤولة عن الخطيئة الأولى عند خروج آدم من الجنة وذكر بولس ان الخطيئة تنسب الى المرأة وحدها دون الرجل، وذكر بولس الرسول أيتها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب.

          وجاء عن بعض رجال الكنيسة الى النساء كقول تورتيليان أيتها المراة يجب عليك دائماً أن تكوني مغطاة بالحداد  لا تظهرين للأبصار إلا بمظهر الخاطئة الحزينة الغراقة في الدموع[5] وقد أوصت الديانة المسيحية بحب المرأة وحسن معاشرتها[6].

         وليس الزواج واجبا كما في الديانة اليهودية وانما هو مندوب لأجل التجنب من خطيئة الزنا ومن الّذي يمكنه كبح الشهوة فالأفضل له عدم الزواج اذ البتولية أفضل عند اللّه‏ من الزواج اذ يقول بولس الرسول انه حسن للرجل ألا يمس امرأه ولكن بسبب الزنا ليكن لكل واحد امرأته وليكن لكل واحدة رجلها.

          ويستند الفكر المسيحي بعدم التزويج لان غير المتزوج وغير المتزوجة يكون اهتمامهما في رضاء الرب فاذا تزوج الرجل انصرف ذهنه الى رضاء امرأته وكذلك بالنظر الى حالة المرأة فان اهتمامها سيصبح في رضاء زوجها.

          وذكر ان طريق العزوبية أقصر في الوصول الى الملكوت من طريق الزواج[7] حتى انه صدر قرار من المجامع المحلية المسمى Grngra  ان الزواج يمنع المسيحي من الدخول في ملكوت اللّه‏[8].

         ولكن بعد ذلك جاءت ردود فعل على هذه النظرية حتى انه في القرن السادس عشر أعلن لوثر ثورته ضد العزوبية مشيرا الى خطأ النظرة الى الزواج على انه من الامور الدنيوية وليس من الأمور الدينية.

          ويرى البروتستانيون أن الزواج أشرف من البتل طبقا لأمر زعمهم أنّ من أحسن عطايا اللّه‏ زوجة محبوبة تقية تخاف اللّه‏ وتحب أهل بيتها.

          ويحدثنا ابن العسال ان الزواج يكون مندوبا الى عقده ان غلب على المرء على الاحتراق بالشهوة حتى يصون نفسه من الزلل ومندوبا الى تركه ان استطاع ضبط النفس وقدر على عيشة العفاف ومباحا لما هو بين القسمين المتقدمين لا يحترق بالشهوة ولا يستريح منها[9].

 

النظرة الاسلامية للزواج

          قد لاحظ الاسلام التقارب بين الرجل والمرأة. وجاء بالتحريض الأكيد على الاتصال والتحابب بينهما فقال سبحانه «وانكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وامائكم أن يكونوا فقراء يغنهم اللّه‏ من فضله واللّه‏ واسع عليم» ـ النور 32.

          وجاء في النبوي النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني[10].

         وعن الإمام علي  عليه‏السلام قال تزوجوا فان رسول اللّه‏  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال من أحب أن يتبع سنتي فان من سنتي التزويج[11].

         وفي النبوي ما بنى بناء في الإسلام أحب الى اللّه‏ تعالى من التزويج[12].

         وعن النبي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من تزوج احرز نصف دينه فليتق اللّه‏ في النصف الآخر[13] وعن الإمام الصادق  عليه‏السلام من أخلاق الأنبياء حب النساء[14].

         وعن النبي  صلى‏الله‏عليه‏و‏آله رذال موتاكم العزاب[15].

         ان مجموعة هذه الروايات توكد على ندبية الزواج ولا يستفاد منها الالزام كما هو في نظر اليهود وعلى خلاف ما ذهب اليه المسيحيون من أفضلية العزوبة والتبتل.

          وقد لاحظ الدين الاسلامي ندبية المسارعة في تزويج البنت فورد عن الامام الصادق من سعادة المرء أن لا تطمث ابنته في بيته[16].

         ولكن كره تزويج الصغار وقبل البلوغ.

          وجوز للرجل أن ينظر الى المرأة قبل التزويج 1 ـ كما ورد عن الامام الباقر  عليه‏السلام عن الرجل يريد أن يتزوج المرأة أينظر اليها قال  عليه‏السلام نعم.

          2 ـ وعن الامام الصادق  عليه‏السلام قال  عليه‏السلام لا بأس بأن ينظر الى وجهها ومعاصمها اذا أراد أن يتزوجها.

          3 ـ وعن الامام الصادق  عليه‏السلام قال قلت أينظر الرجل الى المرأة يريد تزويجها فينظر الى شعرها ومحاسنها قال  عليه‏السلام لا بأس بذلك اذا لم يكن متلذذاً[17].

         ويستدل بهذه الروايات على جواز النظر الى المرأة قبل التزويج حتى ذكر في علل الصدوق عن الامام الصادق  عليه‏السلام قال نعم وتدقق له الثياب.

          الا انه قد ناقش الشيخ الانصاري في رسالة النكاح عنوان النظر للمرأة قبل التزويج في بعض هذه الروايات من حيث عدم الاطلاق كما في رقم 1 وكون الاختصاص بالوجه والمعاصم لا معنى له كما في رقم 2.

          الا ان الّذي نقتطفه من مجموع هذا العرض انه يصح النظر الى المرأة قبل التزويج مع مساعدة روايات أخرى في هذا الميدان.

          فنقطة الاجتماع بين الفكر اليهودي والاسلامي وقع التزويج مندوبا لا واجبا بينما الفكر المسيحي يرى العزوبة أفضل من التزويج كما جاء بان طريق العزوبية أقصر في الوصول الى الملكوت من طريق الزواج.

          ويفترق الاسلام عن الفكر اليهودي بعدم اشتراط الاستطاعة المالية كما قال سبحانه أن يكونوا فقراء يغنهم اللّه‏ من فضله.

          ويجتمع الفكر اليهودي مع الفكر الاسلامي في نقطة التناسب الاجتماعي بأن المؤمن كفؤ المؤمنة أو الطيبون للطيبات وقد لاحظ الاسلام وجود السنخية والتناسب الاجتماعي بين الزوجين حتى يتحقق الوئام التام والمحبة والصفاء واذا اختلفت جهة المناسبة الاجتماعية بان كان الزوج من الطبقة العمالية والزوجة من الطبقة الاستقراطية أو العكس لما تحق الانسجام ولم يوجد الاطمئنان بين الزوجين الّذي عبر القرآن بانها سكن له وهو سكن لها أو التعبير عنهما باللباس.


 

[1] . مجموعة حاي ابن شمعون ص 7.

 

[2] . راجع ما نقله كوهين عن المشنة ص 214 هامش 1.

 

[3] . نقلا عن نصوص المشنة لكوهين ص214 ـ 215.

 

[4] . نقلا عن كتاب SHULHAN ARVKI - المؤلف فيجدور ص 70.

 

[5] . راجع بهيم ص 58.

 

[6] . راجع في هذا المعنى توصيات بولس في رسائله الى أهل افسس ذكر في شنوده ج2 ص298

 

[7] . تير توليان وسترمارك ص 143 ـ 144.

 

[8] . راجع وسترمارك ص 145.

 

[9] . القوانين أشار اليه الاسيوطي ص 43 ـ 44.

 

[10] . كنز العمال ج8 حديث 3720.

 

[11] . الوسائل باب 1 من أبواب النكاح حديث 14.

 

[12] . المصدر نفسه حديث4.

 

[13] . المصدر نفسه حديث 13.

 

[14] . الوسائل باب 3 من أبواب مقدمات النكاح حديث 2.

 

[15] . المصدر نفسه حديث3.

 

[16] . نفس المصدر حديث 1.

 

[17] . الوسائل باب 36 من أبواب مقدمات النكاح.